|
الإبداع عملية متشابكة، متداخلة، عميقة، تفلسف الظواهر بمزجها الفكر الواعي بالفكر اللاواعي. أي إنها تلاحم الأفكار المطروحة وتلك التي لم نكن ندري أنها مخزونة في العقل الباطن.
وتأتي الساعة، اللحظة التي تتفاعل فيها هذه المشاعر الواعية واللاواعية فيستلمها المبدع (المرهف الحس) ليجعل منها عالماً ليس خاصاً به يتذوقه ويتفهمه المتلقي.
إنه يسلط الضوء بصورة جمالية، تكتشف الأطر التي تحيط بما نعيشه ويمزجه بأحداث عشناها أو تمنينا أن نعيشها أو خفنا منها فيأتي لنا بأحداث وحالات جديدة.
هذا هو فن الكتابة، الفن الذي يستطيع أن يرتفع بأفكارنا وآمالنا وأحلامنا وهواجسنا إلى أعلى مستويات الانسانية أو يهبط بها إلى درك ما كنا ندري انه موجود في الحياة بهذه القسوة أو بهذه العذوبة.
المعاناة التي يمر عليها الناس، تمر على المبدع فيتناولها ليقدم لنا حقائق جديدة ولكن … ليس هناك جديد إلا وله جذور عميقة الغور في أرض الحياة. المبدع يستطيع الارتفاع بغرائزه وأحاسيسه ويجبلها بطين الحياة فإذا الثوابت ليست ثوابت مع انه، أي المبدع، يعيش في عالم عادي بقيوده وأعرافه وتقاليده، لكنه يستطيع الخروج من كل هذا الحصار بآراء خاصة وجمال خاص ينير لنا الطريق. لذا سمي المبدع ضمير المجتمع لأننا سواء اقتنعنا بما أعطانا أم لم نقتنع، فهو قد هز هذا الضمير الراكد وحرك وجداننا، فيضطر العقل الباطن إلى المشاركة في تذوق وتفهم هذا الجديد الذي لن يتوقف ما دام صباح جديد ستبزغ شمسه كل يوم، ونحن سنبدأ يوماً جديداً له مفاهيم جديدة.
هل تكفي الموهبة، ليصبح الفرد مبدعاً أم إن ظروف المعيشة الخاصة لها دور في البدء والتوقف أو عدم الظهور أصلاً؟
المبدع والمبدعة يعيشان في نفس المحيط وفي نفس البيت، ولكن التقاليد والأعراف التي تواجههما في الحياة ليست واحدة وكمية الصدق الذي هو أساس الإبداع ليس واحداً.
بالنسبة للمبدع فإنه يستطيع التحكم ببعض ظروفه.
فهل تستطيع المبدعة أن تتحكم ببعض من ظروفها ليتوفر لها التعبير عن حقائق تريد طرحها؟
كثير من المبدعات بدأن واعدات أو مميزات ثم توقفن فجأة. فهل السبب يعود إلى تقاليد الأسرة أم إن فرداً دخل حياة الكاتبة فتوقفت؟ وإذا توقف كاتب مميز عن الكتابة فهل السبب هو نفسه الذي جعل المبدعة تتوقف؟
كثير من الأسئلة تطرح في المقارنة بين وضع المبدعة العربية والمبدع العربي.
ولكن لنفترض أن الطرفين المبدعين استمرا في النتاج الإبداعي ولابد لكل منهما، ما دام يعيش في مجتمع فيه نساء ورجال، إن يأتي على ذكر الجنس الآخر في أعماله.
فكيف يكتب كل طرف عن الآخر؟ هل يتفهم نفسيته وشخصيته بوضوح ليكون النتاج صادقاً؟
نظرة إلى العالم العربي بأقطاره، التي هي إلى حد ما، متباينة في التقاليد والمفاهيم والأحكام، يجعلنا لا نستطيع إصدار حكم واحد على ظروف النساء المبدعات.
فالفرق واضح في المقارنة بين مقاييس المجتمعات في هذه الأقطار، ولبنان ليس مقياساً يؤخذ به، لأنه سبق غيره في الحرية التي مكنت ظهور المرأة المبدعة المحققة لذاتها ولكن إلى حدود معينة.
مؤخراً وقبل سنوات ليست بالكثيرة، خطت بعض المجتمعات العربية خطوات واضحة في مفهومها الإيجابي للمرأة المثقفة والمبدعة ولا نستطيع أن ننكر ان عدد المبدعات ازداد، وبعضهن يتمتع بحرية أوسع من وضع العقود الماضية، مما أتاح للمرأة تطوراً ذهنياً ومقدرة على إصدار القرارات. ولكن الأجيال السابقة هي السبب في تحديد تطور أفراد البيت المثقفين الراغبين في مشاركة الوعي الحضاري لأهمية تطور المرأة. في كثير من الأسر العربية، يعيش ثلاثة أجيال في بيت واحد وليس ذلك لسبب مادي دائماً بل بسبب رابطة الدم التي نتغنى بها كثيراً وهي في حقيقتها وصاية وليست محبة، وخوفاً وليس مساندة، وتحكماً وليس حناناً.
الاستقلال الذي يجب أن ندعو إليه هو الاستقلال الشخصي وليس الاستقلال السياسي فقط.
الأولاد أحياناً أكثر فهماً للحياة من أفراد الجيل الأول القديم فيصعب على الجيل الثالث تحمل السيطرة.
كيف يتطور المجتمع بتقاليده المتوارثة وثلاثة أجيال تختلف مفاهيمها، تعيش معاً؟
الجيل الأكبر هو الحاكم المطلق والثاني هو الحائر المتردد والثالث هو المتعب الرافض.
ولولا أحكام الجيل الأكبر لقفز الجيل الجديد قفزة عالية، لأن لديه مقومات الثقافة والانفتاح والطموح. مقومات تحتاج إلى احتضان الأسرة لها بدل أن تكبل بالمفاهيم البالية العتيقة التي تمنعها من العيش حسب التطورات العالمية المقبولة انسانياً.
فيلجأ هذا الجيل إلى السفر، ظاناً أن الهروب هو الحل الأفضل، فيؤدي به العبد في أكثر الأحوال إلى الضياع لأن الحاجة إلى العائلة تبقى مهمة. ولكن هذه العائلة لو كانت موجدة مع الأولاد لزجرتهم وقد تمنع عنهم العون المادي، فتكون النتائج وخيمة وأقسى مما يتصور الأهل وتتسع الهوة بين الطرفين الخاسرين.
قلنا أن الإبداع، لا نفاق فيه ولا تظاهر ولا كذب. إنه الصدق الصافي حتى لو كان حلماً، ينبع من النفس فيطفو ويفرض وجوده بالكتابة عنه.
فهل تستطيع المبدعة قول ونشر هذه الحقائق؟ والرقابة لها بالمرصاد ويتساوى في هذا المبدع والمبدعة فرقابة الأهل والجيران والأصدقاء اضافة إلى الرقابة الرسمية التي تتقاضى راتباً لتقدم التقرير إلى مَن يحكم. فأين المفر؟
التنفيس بالسياسة؟ بالانتماء إلى أحزاب قد تحول المنتمي إليها إلى بوق إلى رمز لقول ما يراد قوله بتلميح للمعاني التي يراد قولها، دفعاً للظلم الذي يمنع العيش بصورة طبيعية؟
لو عاش المبدعون جمال حرية الحياة لما سيس الأدب فالمفروض أن السياسة وجدت لمساعدة الانسان وإذا بالانسان عبد للسياسة.
وحين يرفض المبدعون هذه القيود يهرب المبدع إلى الجنس. لم يكن الجنس في يوم أسلوباً انسانياً للهرب بل إنه يؤدي إلى مشاكل خلقية ومرضية أصعب وأشد قبحاً.
إذا كان هذا الواقع ينطبق على الجنسين المبدعين فكيف وقعه على المبدعة التي لها قيودها الحياتية الخاصة، اضافة إلى ما ذكرنا من قيود. فتتعب من الملاحقة ويلغى من نفسها الإحساس بقول ما ينضح من النفس فتتقوقع في زاوية ما يسمى بالأدب النسوي. تشتكي همومها البيتية وسيطرة الرجل عليها وهي مذعنة وتدخل في دوامة (من الجاني على الآخر المرأة أم الرجل) والنتيجة القاسية تقع على المرأة. فكيف بالمبدعة المحرومة من العطاء؟ تلقي أسباب كل مشاكلها على الرجل ولكنها لا تستطيع ولا مقدرة لها على عقابه أو القسوة العلنية فتقسو على نفسها وتظلم هذه النفس. ولا شيء أصعب من ظلم النفس للنفس ولا القسوة الذاتية عليها.
كيف إذن تكتب المبدعة؟ كيف نطلب منها أن تعلن موهبتها الصادقة والأغلال تكبل الأفواه والأقدام إلى الأيدي والعقول؟
نعود إلى عالم الإبداع. هناك مسافة وثغرات بين النتاجين النسوي والرجالي، فهما لا يلتقيان ولا يتفاهمان على زاوية الرؤيا لأن لكل منهما منظاره الخاص، مع أنهما هما الاثنان يمثلان دوريهما باتقان على مسرح الحياة، والجمهور المشاهد ينحاز إلى الطرف الأقدر لأن هذا هو دوره في التمثيلية التي يشارك هو أيضاً فيها.
ما الذي يحتاجه مجتمعنا كأساس لبناء سليم؟ نحتاج إلى صداقة بين المرأة والرجل وبالتالي صداقة بين المبدعات والمبدعين وجمهورهما. أي نحتاج حواراً بينهما يتفهم فيه كل طرف نفسية الطرف الثاني وعقليته دون خلفيات.
لن يتفقا في الآراء، وهذا أمر طبيعي وليس أمراً سلبياً فمن غير المعقول أن يرى المبدع والمبدعة نفس التفسير لحدث اجتماعي أو انساني واحد.
والحوار لا يكون بين طرفين متفقين في الرأي فقط لأنه إن كان هكذا فالفائدة منه قليلة لأن الحوار حرية وإبداء الرأي ثقافة واختلاف الرأي استفادة وزيادة معرفة وخطوة إلى تقارب نحتاجه بينهما.
الاختلاط المحترم بين النساء والرجال هو السبيل لتفهم كل مجموعة لنفسية الطرف الآخر. حينذاك يستطيع المبدعان أن يكتبا عن الطرف الثاني وهما ليسا جاهلين له ولا موقف عدوانياً يفصل بينهما.
في كتابة المبدعات والمبدعين عن بعضهما، ابتعدت المادة عن ذكر حقائق النفس البشرية الطبيعية، لأنهما في العيش ابتعدا عن بعضهما واعتمدا الأحلام والشكوك والخوف والشهوة.
كيف يتصور الرجل المرأة حينما يكتب عنها؟
أظنه يكتب عنها كما يشتهيها. فتاة يانعة جميلة مغرية قد تبادله العواطف وقد لا تفعل ولكنه لا يرضى أن تنتهي المعرفة دون لقاء وحديث وحوار يحمله كل ما يتمنى في أحلامه أن يحدث له معها وقد يتمادى في الأحلام فيكتب عن لقاء عاطفي يتطور بسرعة وبصعوبة ولكنه يصل إلى درجة الوصال لأنه واثق من حبها له.
المرأة في حس المبدع العربي إحدى حالتين، أنوثة وشباب مثيران أو سيدة فاضلة تفرغت لأسرتها وقد تكون أمه أو أخته أو إحدى قريباته ولكنها عانس ولا يحاول الأديب أن يكتشف أحاسيس هذه الأنثى التي فارقت الربيع.
كيف تشعر؟ ماذا فاتها من الحياة؟ كيف تتقبل حياتها الحالية؟ والمستقبل؟ هل تخشاه أم تريد نسيانه هو والماضي؟
هذه أمور ليست من حسبان المبدع وليست مهمة في عرفه ما دامت هذه المرأة الخريفية لم تعد جميلة ولا نضرة وغير صالحة للحب.
والكاتبة المبدعة، كيف تصور الرجل الذي تكتب عنه؟
إنه شاب جذاب تحبه، تعبده، لا تستطيع الابتعاد عنه. فإذا لم تنته المعرفة بينهما إلى إعلان رسمي لها فهو خائن غدار.
هذان التصوران لدى الكاتب والكاتبة يجسدان الثقة المطلقة لدى الرجل، بقوة شخصيته وجاذبيته وقدرته على الإيقاع بأية فتاة مهما علا جمالها. ولم لا؟ ألا يكفي كونه رجلاً لتنجذب إليه كل الفتيات المغريات؟
أما الكاتبة فهي تصور بنفسها عدم ثقتها بكيانها كامرأة وأهمية وجودها في الحياة.
الكاتب غير الواثق بنفسه يهاجم الفتيات لأنهن يضعن المادة في المقام الأول لاختيار مَن يحببن.
والمرأة الكاتبة المتأثرة بالمظاهر أو المحرومة تبقى تحلم بفارس الأحلام القادم على جواد أبيض يحمل لها الجاه والثروة يرميهما تحت قدميها الرشيقتين. وبصورة عامة فقضية المرأة هي الرجل تعيشها وتكتب عنها.
هذه الصورة الرومانسية ليست حديثة عن تصوير المبدعة للرجل والمبدع للمرأة ولا زالت آثار هذا النمط موجودة في بعض النتاج الكثير غير الرفيع المستوى.
وبتطور المجتمع وبانفتاحه المحدود أو الواسع تغيرت نظرة المبدع للمرأة وكذلك نظرة المرأة للرجل.
إذ دخلت الحياة عناصر جديدة في مفاهيم العيش لدى الأديب وخاصة في الروايات والقصص فصارت النساء بكل أشكالهن وأعمارهن يدخلن في أحدا ما يكتب. فهناك المرأة المناضلة والتي وصلت إلى مناصب قيادية أو وظيفة عالية. ولكن هاته النسوة يصورن على أنهن فقدن أنوثتهن وإغراءهن ولا علاقة لهن بالعواطف، فإذا أحسسن بأية اختلاجة عاطفية لجمنها خوفاً من سخرية المجتمع.
برز أدباء سموا بكتاب المرأة لتخصصهم بالكتابة عها وذلك حسبما يتصورونها. وهؤلاء صوروا أنفسهم ديكة تلاحقهم الدجاجات وبفخر صوروا المرأة شاكية باكية غدر الرجال ولكنها تسامح وتتنازل لإرضائهم. ففي عرف هؤلاء الكتاب ان قضية المرأة تتمحور حول الرجل ولكن ليس على نمط الأسطورة التي تقول بملاحقة الرجل للمرأة المتكبرة المتعالية يلاحقها هو وتتدلل هي عليه.
أما الكاتبة الحديثة فهي أكثر واقعية وأكثر تصوراً في كتابتها، تضع للرجل مكانة محدودة لا تغطي كل المساحات وهي إما أن تعلن عواطفها بصورة علنية جداً أو تعتم على عواطفها وتلغيها.
تغيير ثالث جديد دخل على دنيا الإبداع إذ لم يعد باب الغزل أو كتابات العواطف كالحب والرثاء والفخر وأدب المناسبات هو الشائع كما في الشعر مثلاً بل أصبح الأدب مبنياً على قضايا انسانية ومحاولات لفلسفة الحياة والزمان والمكان. وصار الأدب السياسي مهماً لأن القضايا السياسية العالقة في عالمنا العربي كثيرة وأصبح التعاطي في السياسة واجباً وطنياً قومياً للرجل والمرأة معاً.
الكاتب السياسي يذكر في أعماله النضالية المرأة ولكن بصورة مهينة جداً فهو يلجأ إلى الجنس متنفساً لفشله أو تعبه النضالي والحزبي والسياسي كما يلجأ إلى الخمرة كعامل مساعد ومخدر للنسيان.
عند الأديبات دخل الجنس بصورة ليست واسعة كدليل لرفضهن الوصاية وتحديهن للتقاليد. أما الخمرة فلم يأت دورها ولا أظنه سيأتي لأن لا أحد يظن أن الخمور حاجة ضرورية للحياة ولأن تعاطيها شائع عند الرجال ومحرم على النساء عادة.
هذا النوع الأدبي الجديد لم يلغ وجود المرأة في نتاج الرجل بل غيّر من دورها حتى شوهها.
الأديبة ألغت تقريباً صورة الرجل في إنتاجها. ولهذه النقطة خلفية خلقية اجتماعية. فالمناضلة يجب أن تخنق عواطفها الخاصة وتكرس حياتها وتقدم مشاعرها للوطن، للحزب أو للخط السياسي الذي تعلنه.
قدي كون هذا الالتزام السياسي الذي التزمته المناضلة هو المتنفس العاطفي لها وهو تأييد لموقف رفيق النضال ولكنها تعتم على هذا الرفيق لئلا تفقد مكانتها السياسية. والأمر ليس على هذه الصورة لدى الأديب المناضل الذي يفخر بعدد الفتيات اللواتي أحببنه لأهميته وبادلهن الحب لأنهن منقادات إليه فيا لسر والعلن.
المرأة لا يشفع في تنزيهها مما يسيء إلى سمعتها، التزامها السياسي والنضالي وتضحياتها لأجل الوطن، والسمعة السيئة هي علاقتها برجل. وقد تتهم بإخفاء قضايا منافية للأخلاق مارستها في السر. يذيع هذه الاتهامات عنها النساء أكثر من الرجال ولا يضير الرجل أن يؤكد هذه الشائعات حتى لو كان بعيداً عن معرفة تجربة المناضلة الشخصية التي على أساسها كتب ما كتب عنها. يكفي في مجتمعاتنا أن تلقى تهمة مجهولة لتتلقفها ألف أذن ويعلنها ألف لسان من النساء أو الرجال وتسجلها أعمال نسميها إبداعية.
إذا تركنا الإبداع السياسي والنضالي جانباً، نستطيع القول أن الأديبة تستطيع فهم الرجل والكتابة عنه تالياً أفضل مما يستطيع هو أن يكتب عن المرأة.
بقاء الرجل في البيت لفترات محدودة يجعله يعلن حقائق شخصيته بلا تمثيل لأنه لا يخشى أحداً من أفراد العائلة. والمرأة داخل البيت ومع هذا الرجل تكتم ما في نفسها وتتظاهر مرغمة بالرضى.
خارج البيت الاثنان يقابلان ويصاحبان أصدقاء من جنسهما أكثر مما يتاح لهما لقاء أفراد من الجنس الآخر.
ولكن المرأة حتى في لقائها صديقاتها، حذرة في كلامها وتصرفاتها لأنها لا تأتمن أحداً على خصوصياتها وتستبيح خصوصيات الأخريات. ولا بأس من الاعتراف بأن المرأة أكثر من الرجل رغبة في الكلام وإذاعة الإشاعات مما يجعل نفسيتها مكشوفة أمام الأخريات ولكن ليس أمام الرجل. والرجل في لقاءاته مع أصدقائه لا يقتصر الحديث بينهم على الآخرين بل إن المحور الأهم هو الحديث عن الأمور العامة.
وهكذا يكشف الرجل حقيقته في البيت إذ لا يعنيه انزعاج الآخرين من تصرفاته لأنه غير مقيد.
أما المرأة فهي يغر ذاتها الحقيقية أمام الرجل بل تمثل لترضيه في البيت وفي الخارج مع قلة هذه اللقاءات.
لذلك كانت المبدعة أقرب إلى الحقيقة في تصويرها لشخصية الرجل عندما تكتب عنه بينما المبدع أقل دراية بنفسية المرأة فيكتب عنها كما تصور هي نفسها أو كما يشتهيها أن تكون.
ونوجز التفاصيل بأن في عالم الإبداع، العربي قادر على تصوير نفسية الرجل أفضل من تصوير نفسية المرأة.
وكذلك هو الأمر لدى المبدعة القادرة على تصوير شخصية المرأة وهمومها أكثر من درايتها لنفسية الرجل.
هذه نظرة عامة إجمالية في السجال بين عالمي المرأة والرجل في دنيا الكتابة الإبداعية عن بعضنا البعض.
طبعاً هناك حالات خاصة نادرة في أدبنا العربي كتب فيه أحدهما عن الآخر بصورة صادقة أمينة عميقة كأن أحدهما تقمص شخصية الآخر كما فعل فلوبير مثلاً في تصوير شخصية مدام بوفاري في طموحاتها وخيبات أملها وقد صرح مرة انه هو مدام بوفاري.
هذا مسح عام سريع للتفاهم وسوء التفاهم القائم بين المرأة والرجل في مجتمعاتنا العربية تناول الإبداع أدباً من قبل الطرفين ولكنه لا يمثل كل الأعمال الإبداعية. فلا شك أن هناك مبدعات ومبدعين نظرتهم عمق وأكثر صدقاً وأعلى وأرفع وأسمى من النماذج التي ذكرت.
وما دام هذا النوع من الأديبات والأدباء موجداً فلنتفاءل بتطور الأعمال الإبداعية ونأمل بقراءة نتاج يبتعد عن العداوة التقليدية وتبادل الاتهامات. لن يحصل هذا ببساطة ويسر وفي وقت قريب لأن المستقبل حينما يصبح ماضياً يستحيل إرجاعه لنعود ونتساءل حينذاك مرة أخرى ماذا سيحمل المستقبل.
|