أن يشتعل الخلاف بين زوجين، فهذا أمر عادي.
وأن تخرج الزوجة إلى بيت أهلها "حردانة"، فهذا أمر وارد حدوثه. لكن، ماذا لو طرد الرجل زوجته من البيت في غياب تام لأي نص قانوني يردعه أو يعاقبه؟
ليس الكلام عن طرد بعض الرجال زوجاتهم من بيت الزوجية من نسج الخيال، إنما أمر واقع يحصل ويتكرر في مجتمعاتنا، من دون أي رحمة أو مراعاة. وفضلا عن المعاناة التي يحملها هذا الأمر في طياته، فإن للقضية أبعادا أخرى، قانونية، وشرعية ومجتمعية، ونفسية، تتعلق بالزوجة المطرودة ومعاناتها التي تبدأ ولا تنتهي.
بقميص النوم
لم يخطر في بال سمية. ن (معلمة متزوجة منذ عام من دون أولاد) أن تعيش مثل هذا الموقف، فقد راودتها كل الإحتمالات لحظة غضب زوجها واحتدام الشجار بينهما، فكرت في أنه قد يخرج من البيت ولا يعود إلا في صبيحة اليوم الثاني، كما يفعل دائما في مثل هذه المواقف، توقعت أن يشتمها، أو حتى يضربها، ولكن أن يطردها من البيت، وهي بقميص النوم، "فهذا ما لم أتوقعه أو أحلم به في أسوأ كوابيسي"، كما تقول.
تستعيد سمية تلك اللحظات بكثير من الألم، تشيح بنظرها إلى الأرض في محاولة لإخفاء دموعها، وتقول: "عندما وصل الشجار بيننا حدا معينا تلك الليلة، لم أكن أتوقع من زوجي أن يطردني من المنزل، إلا أنني فوجئت به يسحبني من ذراعي بصورة مفاجئة، ويدفعني خارجا، وأنا في حالة ذهول، ثم أغلق الباب خلفي قائلا إنه لايريدني".
بحسرة لافتة تتذكر سمية تلك الليلة، قائلة إنها طرقت الباب عشرات المرات في تلك الليلة، وهي ترجو من زوجها أن يسمح لها بالدخول ويسترها، لكن الزوج الغاضب أطفأ أنوار الشقة جميعها ولم يرد عليها بحرف واحد وركن إلى النوم.
"لم ينقذني سوى الجيران الذين كانوا عائدين من السهرة في تلك الليلة، حيث فوجئوا بجلوسي أمام عتبة شقتي بهذا المنظر". تقول سمية وهي تتحدث بأسى عن تلك اللحظات، وتضيف: "قامت الجارة بإعارتي بعضا من ملابسها، وسمحت لي بالمبيت في منزلها، خصوصا أن أسرتي كانت تقطن في مدينة أخرى وعلى بعد 200 كيلومتر".
وإذ تلفت إلى أن زوجها "رفض كل توسلات الجيران له، بأن يسمح لي بالدخول إلى شقتي"، تقول: "وصل به الأمر إلى أن منعني من أخذ ملابسي وأغراضي الخاصة، فسافرت إلى أهلي، الذين لم أجرؤ على أن أحكي لهم هذه التفاصيل المهينة، حتى هذه اللحظة، بل قلت لهم إنني خرجت من المنزل بكامل إرادتي، بسبب رغبتي في عدم مواصلة العيش مع هذا الرجل".
وتلفت سمية إلى أنه "على الرغم من مضي ستة شهور على هذا الموقف، ومن حضور زوجي واعتذاره عما سماه (لحظة الشيطان)"، إلا أنها تؤكد (لا تستطيع مسامحته)، على فعلته، وترفض رفضا باتا العودة إليه، مبررة ذلك بالقول: "لا أريد أن أظل مرتبطة بزوج لا يحافظ على كرامتي، بحيث يقوم بطردي من بيتي بقميص النوم كلما غضب، ويجعلني عرضة لنظرات الناس".
نامت في المسجد
وإذا كانت سمية قررت الإنفصال عن زوجها، غير آسفة على السنة الوحيدة التي أضاعتها معه، إلا أن الحال مختلفة مع أم هناء (ربة منزل وأم لثلاثة فتيات)، وتشير إلى أن أشد ما آلمها في طرد زوجها لها من البيت إثر شجار دار بينهما قبل عامين، "هو عدم أخذه في الإعتبار سنوات العشرة التي امتدت بينهما أكثر من ثمانية عشر عاما"، لافتة إلى أنها "لم تتصور" أن ثمة سببا يمكن أن يفرق بينهما أو ينتزعها من البيت الذي صارت جزءا لا يتجزأ منه. وتقول: "لقد غضب مني زوجي لسبب تافه يتعلق بالتصرف في مبلغ مالي بغير مشورته، فكان أن طردني من البيت، أمام دهشة بناتي، وغضبهن وعجزهن عن مساعدتي".
تستعيد أم هناء أكثر ذكرياتها قسوة، فلازالت هناك حرقة في قلبها، تبينها أنفاسها المتحشرجة، تقول: "قال لي خذي أغراضك ولا تريني وجهك مرة أخرى، وكان يعمل أن ليس هناك من ألجأ إليه، فقد مات والداي، وباع إخوتي بيت العائلة قبل أن يهاجروا جميعا إلى الخارج".
تروي أم هناء أنها خرجت من البيت وقتها، ولم تجد سوى أحد المساجد لتلجأ إليه، وهي تدعو الله أن يفك كربتها هذه، وتضيف: "قضيت يومي وليلتي تلك في المكان نفسه، وفي الصباح اتصلت ببناتي لأجدهن في حالة سيئة من الهلع والقلق علي، حيث توسلن إلى كي أعود فأخبرتهن بمكاني". وتتابع: "عند الظهر حضر زوجي مع البنات وطلب مني العودة إلى البيت، مبررا فعلته بأنه أراد أن يلقنني درسا في الطاعة، وتحت إلحاح الفتيات ونحيبهن عدت إلى البيت".
تبديل المفاتيح
في سياق متصل، ليست تجربة أميرة. ص (طبيبة وأم لطفلين) أقل إيلاما من التجربتين السابقتين، فلم تشفع لها مهنتها المرموقة، ولا مكانتها الإجتماعية في الحؤول دون قيام زوجها بطردها من المنزل منتصف الليل، على خليفة خلاف نشب بينها وبينه بسبب مطالبته لها بإلغاء الدوام المسائي في عيادتها.
"في ذاك اليوم هددني زوجي بأنه لا يرغب في أن يراني في البيت عندما يعود ليلا، إذا لم أمتثل لطلبه"، تقول أميرة واصفة تطور المشكلة بينها وبين زوجها، وتضيف: "لم آبه بما قاله كثيرا باعتباره يدخل في إطار النقاشات العادية التي تحدث بيننا دائما حول هذا الموضوع". وتتابع: "كانت المفاجأة عندما حاولت فتح باب الشقة بعد عودتي من العمل في العاشرة مساء، حيث وجدت أن جميع المفاتيح لا تعمل. وبعد التدقيق، اكتشف أنه قام بتبديل الأقفال، فسارعت إلى الإتصال به هاتفيا، إلا أنه لم يجب". "كدت أجن على طفلي اللذين تركتهما في صحبة الخادمة"، تقول أميرة وهي تروي تفاصيل محنتها، إلا أنها تلفت قائلة: "إن اتصالا وردني من إحدى صديقاتي، أخبرتني فيه أن زوجي وضع الطفلين لديها، من دون أن يخبرها بأي تفاصيل أخرى، سوى أنني سوف أحضر وآخذهما". وتشير إلى أنها "طلبت من صديقتها إبقاء الطفلين في عهدتها حتى صباح اليوم التالي"، بحجة تعرضها لظرف طارئ".
وتكشف أميره أنها قررت أن تبيت ليلتها تلك في السيارة، بدلا من أن تقصد بيت أخيها وتزعجه وزوجته، بأخبار طردها من المنزل، وفي انتظار أن تكون قد درست وضعها وفكرت في القرار المناسب. لا تخفي أميرة أنها رتبت أمورها خلال أيام قليلة، حيث قامت باستئجار شقة مفروشة لها ولطفليها، كاشفة أنها اتصلت بزوجها بعد ذلك تطلب منه الطلاق. وتقول: "رفض زوجي القبول بطلاقي، واشترط علي ترك العمل في العيادة، إذا أردت العودة إلى البيت. وعلى الرغم من تدخل أهل الخير، إلا أنني رفضت، لأنني لا أرغب في أن أعيش حياتي مع إنسان عاملني بهذا الشكل المهين"، لافتة إلى أن قرارها النهائي كان "عدم العودة إليه".
تصرف وحشي
وإذا كانت الشهادات سابقة الذكر، هي شهادات واقعية من نساء تعرضن لتجربة الطرد من المنزل. كذلك فإن ملفات المحاكم ومراكز استقبال النساء، المخصصة لهذا الغرض تضم الكثير من الحكايات المماثلة، التي تتحدث عن طرد الرجال زوجاتهم تعسفا. وعلى الرغم من اختلاف آراء الناس وتنوعها، حول هذا الموضوع، إلا أنها تجمع على إدانة هذا السلوك من قبل الرجال، وعلى التعاطف مع السيدات اللواتي يتعرضن لمثل هذا الموقف، باعتباره "تصرفا وحشيا".
تصف نورة الشامسي (ربة منزل متزوجة منذ 14 عاما) الزوج الذي يطرد زوجته من العش الزوجي، بأنه "يعاني انعدام الإنسانية والرجولة"، وتؤكد نورة، التي كانت شاهد عيان على إحدى الحالات المماثلة، أنها "لا تستطيع أن تنسى أبدا منظر تلك المرأة التي وجدتها ذات ظهيرة شديدة القيط، وهي تبكي على قارعة الطريق، وتحمل طفلة لم يتعد عمرها الـ40 يوما"، لافتة إلى أن تلك السيدة أخبرتها بأن زوجها قام بطردها من البيت، وأنها لا تملك مالا ولا تدري إلى أين تذهب، وتقول: "عرضت عليها المساعدة، وبالفعل قمت بإيصالها إلى منزل أحد معارفها". مشيرة إلى أنها "شعرت بالغضب الشديد من ذاك الزوج الذي لا رحمة في قلبه، والذي قام برمي امرأته وفلذة كبده في الشارع"، واصفة إياه بأنه "وحش".
عدم وعي
من ناحيته، ينظر عبيد علي إبراهيم (موظف متزوج منذ 11 عاما) إلى الموضوع من زاويته الخاصة، حيث يعتبر أن وعي الزوج الديني والإجتماعي، هو الرادع الوحيد له من مثل هذه التصرفات".
ويقول: "الرجل ضعيف الشخصية وغير المسؤول، هو وحده الذي يلجأ إلى أسلوب طرد زوجته من البيت، لأن هناك مئة طريقة لحل ومعالجة مثل هذه المشكلات الزوجية".
حالة شاذة
وتجد أم أسامة (متزوجة منذ ثمانية أعوام) أن "ليس من حق الرجل أن يطرد زوجته من مسكنهما، وذلك حسب الشرع والأخلاق والمبادئ الإنسانية"، مؤكدة أنها لو تعرضت لمثل هذا الموقف، فإنها "لن تخرج من بيتها أبدا"، وتقول: "في حالة الغضب يجب أن يخرج الرجل من المنزل وليس زوجته، أما أن يقوم الرجل بطرد زوجته، فتلك حالات شاذة".
ويتفق عواد عماري (موظف 28 عاما)، مع أم أسامة في أن "على الرجل الخروج من البيت، وليس الزوجة في حال احتدام الخلاف بينهما"، ويقول: "حتى وإن ارتكبت الزوجة أعظم ذنب، فليس هناك أبدا ما يبرر طرد الرجل لها من المنزل".
انكسار
من جهتها، تأسف منال عبد الكريم خليل (معلمة رياض أطفال متزوجة منذ 13 عاما)، على هذا الزمن الذي جعل مثل هذه القصص (طرد الزوجات) أمرا شائعا، وتسأل مستنكرة: "إلى أين تذهب الزوجة المطرودة إن لم يكن لها ملجأ يؤويها؟". تضيف: "كيف يستطيع الرجل أن ينسى أطفاله وسنوات العشرة بينه وبين زوجته، حتى يقوم بمعاملتها بهذه الطريقة الفظة؟".
وتشير منال إلى أن المرأة التي سبق أن طردت من المنزل "لن تستطيع أن تسامح زوجها على فعلته تلك، لأنها تترك شرخا كبيرا في العلاقة الزوجية". وتضيف: "حتى ولو عادت إلى بيتها، فهي تقوم بذلك مجبرة، بسبب شعورها بالإضطهاد، وخوفا من نظرة الناس إليها كأمرأة تعرضت للإهانة".
الضرب أسهل
بدورها، تعتبر إيمان محلاوي (معلمة متزوجة منذ 18 عاما) أن "الضرب على قسوته، بالنسبة إلى المرأة، يظل أهون عليها من الطرد من البيت".
وتقول في هذا السياق: "البيت مملكة المرأة وهي في داخله تستطيع أن تتحمل كل ما تتعرض له من قبل زوجها، فكثيرات يفضلن العيش تحت سقف الزوجية على الرغم من الأذية والمظالم التي يتعرضن لها". وتضيف: "لكن إذا طردت الزوجة من بيتها، فهي لن تجد في الخارج ما يسعدها، وستعامل كامرأة مهمشة من قبل المجتمع، وهذا أقصى أمر يمكن أن تتعرض له".
وفي معرض تعليقه على هذا المسألة، يستشهد عبد الرؤوف موسى القرالة (متزوج من 6 أعوام) بالحديث النبوي الشريف الذي يقول، "ما أهانهن إلا لئيم، وما أكرمهن إلا كريم"، معتبرا أن "طرد الزوج زوجته، هو من باب اللؤم وسوء العشرة".
يضيف: "بغض النظر عن تصرف الزوجة المستفزة أحيانا، هناك معالجات تحقق نتائج مرضية، ومنها: الهجر، الضرب الخفيف، والصبر، وهو أعظم سلوك يمكن أن يتخذه الرجل العاقل في مثل هذه المواقف. إذ لا يجوز أن يرمي الرجل بعرضه وشرفه في الشارع، ويجعلهما عرضة لما يسيء إليه".
القانون لا يعاقب
استنادا إلى ما تقدم، هل يحق للزوج قانونا أن يطرد زوجته من بيت الزوجية، وهل هناك أي عقوبة قانونية لمن يقوم بهذا العمل؟
يؤكد المستشار القانوني في أبوظبي مضر علي أبو حمود، أن "ليس هناك نص قانوني صريح، يعاقب الزوج على طرد زوجته من مسكن الزوجية، إلا في حالة مصاحبة الطرد بالضرب والإيذاء الجسدي". لافتا إلى أنه "في هذه الحالة، يحق للزوجة الادعاء على الزوج بتقديم شكوى للقضاء بهذا الخصوص، مع العلم بأن القانون يتعامل مع هذه الحالة بصفة إنسانية، وبالتغاضي عن العلاقة الزوجية التي تربط الطرفين".
البيت من حق الزوجة
بدوره، يوضح المحامي حسن إسماعيل العيدروس، أن "ليس هناك أي سند قانوني يسوق للزوج طرد زوجته من البيت الزوجي، إلا في الحالات الجنائية، مثل وجود عشيق معها أو ما شابه ذلك، وحينئذ كل حالة تقدر بقدرها، أما دون ذلك فتبقى الزوجة في بيتها حتى في حالات الطلاق في فترة العدة".
وعن أحقية الزوجة في البيبت، يؤكد العيدروس أن "نفقة الزوجة تشمل طعامها وكسوتها ومسكنها، التي هي من مسؤولية الزوج بحسب القانون". يضيف: "بما أن المسكن من أهم عناصر النفقة، تبقى أحقية المرأة فيه ثابتة، ولا يحق للزوج أن يطردها منه".
مشكلات نفسية بالجملة
ويتحدث الدكتور سطام الجبوري، الأستاذ في كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية في طجامعة الإمارات"، عن الآثار النفسية المترتبة على الزوجة التي تتعرض للطرد من المنزل، متطرقا إلى التركيبة النفسية للزوج الذي يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب، وأثر ذلك في الأبناء، لافتا إلى أن "المرأة التي يطردها زوجها من البيت الزوجي، تتعرض لهزة نفسية عنيفة". ويقول إن "هذا التعسف من قبل الزوج يعتبر من أنواع العنف ضدها، بحيث تشعر بالقهر والإحباط، وهذا بدوره يعرضها لاضطرابات واكتئاب نفسي، فتصبح أكثر عصبية وتفقد الثقة بنفسها وتصاب بالقلق والأرق وتميل إلى العزلة وتكره الرجال، وإذا استمرت على هذه الحالة فربما تطالب بالإنفصال أو ما يسمى النشوز".
يضيف: "أما في حال عودتها إلى بيتها، فتأخذ ردود أفعالها أشكالا عديدة، بحيث سيلازمها الإحساس بعدم الثقة باستمرار العلاقة الزوجية، وتشعر بالتهديد في أي وقت، وهذا الشعور بعدم الأمان والإستقرار ينعكس على العلاقة الحميمة، بينها وبين زوجها". ويتابع قائلا: "كذلك، تفقد المرأة مرونتها في التعامل مع زوجها، إضافة إلى أن ثقتها به تنعدم تماما، وهذا ما يولد في داخلها حالة من الغضب، ويؤسس لردود فعل متشنجة تجاه أي فعل يقوم به، أو طلب يريده منها. وكل هذه التراكمات تؤدي إلى انهيار الحياة الزوجية عاجلا أم آجلا".
أما عن نفسية الرجل الذي يطرد زوجته من البيت، فيقول د. الجبوري، إن "هذا الشخص غالبا، ما يكون غير قادر على مواجهة الحقائق التي تفرضها العلاقة الزوجية". ويشير إلى أن "الرجل الحر هو الذي يحسن معاملة المرأة، وعندما يحدث خلاف بين الزوج وزوجته، تظهر حقيقة وطبيعة الرجل باعتباره قائد البيت، وهو عندما يطرد زوجته فإنما يعكس ذلك ضعف شخصيته وعدم قدرته على الحفاظ على روابط العائلة".
وبالإنتقال إلى الكلام عن انعكاس طرد الزوجة من المنزل على الأولاد، يقول د. الجبوري، إن "الأولاد يتأثرون إلى حد كبير بهذا الجو الأسري غير المستقر، فيصابون باضطرابات نفسية كثيرة، مثل القلق والإحباط وغيرهما من المشكلات النفسية".
www.balagh.com
|