تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

أيتها النساء.. حان وقت الإستقلال
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د. ياسر عبد الكريم
الإستقلال النفسي العاطفي:
إنني أدعو معاشر النساء إلى الوصول إلى مرحلة من الإستقلال العاطفي النفسي، وأقصد هنا أن نطور مشاعرنا بحيث نشعر بالسعادة الغامرة بوجود من نحب. وبالرضا والطمأنينة في غيابه (أو غضبه منا!). وبالقدرة على أن نوجد مصادر للمتعة والهناء النفسي لوحدنا، ومن أعماقنا، دون الإعتماد على الآخرين.
كما أقصد بالإستقلال النفسي أن نقوم بكل وظائفنا النفسية كالحب والبغض والأمل والإهتمام وفق مبادئنا وطبيعة شخصيتنا نحن، وليس عبر (نظارة) زوج أو صديق. صحيح أن الحياة تحلو بوجود من نحب، لكنها ليس بالضرورة أن تتحول إلى جحيم في غيابه!.
إنني أوقن أن الحب أحد مصادر القوة الذي تجعلنا نبذل ونضحي بكل سعادة ورضا، لكنه إن لم يصاحبه قدر من الإعتدال والثقة بالنفس والإعتداد بها، فقد يصل إلى مرحلة من (الإستعباد) الذي يتركنا خلفه ضعفاء عاجزين. جاء في الحديث الصحيح عن الرسول الكريم (ص):
أحبب حبيبك هونا ما، فعسى أن يكون بغيضك يوما ما.
وابغض بغيضك هونا ما، فعسى أن يكون حبيبك يوما ما.
الإستقلال الإجتماعي
وحتى تكتمل صياغة الشخصية المستقلة، فإن من الطبيعي أن تكون لنا علاقات اجتماعية متناسقة مع أمزجتنا وطريقة تفكيرنا. وهذا أمر واضح لكنه ليس كذلك لدى كثير من الأزواج! إذ يعتقد البعض أن زوجته (تابعة) له، عليها أن تصادق الأسرة التي يحب، وتخاصم من يخاصم. وقد تكون هذه النقطة بذرة خلاف محتمل في كل لحظة.
ويندرج في نفس الإطار علاقة الزوجة بأسرتها. هذه العلاقة التي تشكل ضغطا حقيقيا على بعض الزوجات. فمن جهة هم أهلها التي يجب أن تبرهم، ومن جهة أخرى يأتي بعض الأزواج الذين يحاولون جذب زوجاتهم نحو أسرهم هم، وإقناع المرأة أنها أصبحت عضوا في أسرة الزوج بدلا من أسرتها القديمة، متغاضين عن كل الحقوق التي ما زالت ملزمة للزوجة تجاه والديها وإخوتها. ولا أجد أنفع من أن يستفيض النقاش بين (العروسين) في مرحلة الخطبة و(الملكة) حول ترتيب هذه العلاقات بينهما ورسم حدودها بوضوح.
الإستقلال المادي
في المجتمعات الخليجية على وجه الخصوص والمجتمعات العربية بشكل عام، توضع الفتاة في مرحلة حساسة من حياتها أمام خيار صعب. فعند نهاية دراسة المرحلة الثانوية وبدايات الدراسة الجامعية، ينظر إلى الفتاة على أن وقت زواجها قد حان. وإذا يسر الله (النصيب) أصبحت الفتاة أمام قرار هام في حياتها: هل تترك الدراسة وتتفرغ لرعاية شؤون البيت؟ أم تؤجل الزواج لحين فراغها من الدراسة؟.
أما الخيار الثالث؛ أن تتزوج وتكمل الدراسة في نفس الوقت فأمامها العديد من الصعوبات وغالبا ما ينتهي بتأجيل الدراسة ومن ثم تركها تحت ضغط الطفل الأول والإلتزامات الجديدة.
ويندرج تحت فكرة الإستقلال المادي، معرف المرأة بكيفية تصريف شؤونها العامة مثل الأنظمة القانونية وأنظمة البنوك والإتصالات والسفر وغيرها. والواقع أن جهل النساء بهذه القضايا مشكلة عالمية..
الإستقلال المعرفي:
أصبحنا نعيش في عالم معقد. فمن أجل بناء شخصية مستقلة لابد من الإهتمام بتنمية المعرفة بما يدور من حولنا، وبالتغيرات المتواصلة في مجتمعاتنا. إن اكتفائك- أختي القارئة- بمتابعة المسلسلات والأفلام على شاشة التلفاز هو الطريق الممهد لأن تفقدي ملكاتك الذهنية والمعرفية، وتعيشي على هامش الحياة. بينما قد تستخدمين هذه الوسيلة بالإضافة إلى عالم الشبكة الإلكترونية (الإنترنت)، والكتاب الهادف، والشريط المفيد لتزويدك بكل ما تحتاجينه لمواكبة هذا الزمان.
يجب أن تصل النساء إلى مرحلة من الوعي والفهم واستقراء ما يحدث من تغيرات اجتماعية من حولهن لتتمكن من مشاركة الزوج في اتخاذ القرارات الحاسمة، ولكي تبني ثقتها بنفسها لتكون مستعدة لأداء دورها المطلوب منها في تربية أولادها في زمان صعب كزماننا.
هل يخل مفهوم الإستقلال هذا بمبدأ القوامة؟
هذا سؤال هام. فمما لاشك فيه أن مفهوم قوامة الرجل على المرأة هو أحد المفاهيم المبدعة التي شرعها الدين الحنيف. فالحياة لن تستقيم دون سلطة تتخذ القرارات الضرورية لحسم القضايا المشتركة والعالقة. وقد جعلها الله للرجال لما يمتلكونه من الحكمة والنظرة البعيدة والقدرة على التفكير بعيدا عن تأثير العواطف الآنية. ومن هنا كان أمر الرسول الكريم (ص) للزوجة بطاعة زوجها وأنه لو أمر أحدا أن يسجد لأحد لأمر الزوجة أن تسجد لزوجها، إمعانا في الطاعة في شؤون الحياة اليومية حيث لا تستقيم القيادة إلا لربان واحد للسفينة. لكننا- في ذات الوقت- لابد أن نحارب كل إساءة لإستخدام هذه السلطة. فالقوامة لا تعني أن يختار الزوج لزوجته نمط الحياة وأسلوب التفكير وإطلاق الأحكام وغير ذلك.
استقلال أكثر.. نجاح أكثر
بناء شخصية واثقة مستقلة للمرأة (أختا كانت أم زوجة) هو مكسب للزوج والأخ كما هو للمرأة تماما. ومقولة (وراء كل رجل عظيم امرأة) مقولة سمعناها قديما دون أن نجد عليها دليلا إلا لدى القليلات من النساء. والآن قولوا لي بالله عليكم كيف يمكن أن تلعب الأخت أو الزوجة هذا الدور الهام وهي خاضعة مكسورة الجناح معتمدة على زوجها في معظم الأمور، وينظر إليها الزوج على أنها لا تصلح إلا للقليل من المهام!!.
محذورات هامة
دعونا ننتهي إلى بعض المحذورات الهامة التي لا بد أن تحذر المرأة من الوقوع فيها في سعيها نحو الإستقلال. وأجملها في النقاط التالية:
* بناء شخصية مستقلة قد يدفع بعض النساء إلى حالة من الإستغناء عن العلاقة الزوجية. فتميل إلى إشعار الزوج- بقصد أو بغير قصد بعدم حاجتها لهذه الرابطة وتبعاتها، وبرغبتها في التملص من قيوده في الطاعة، والإلتزام بأداء واجباتها مثل القيام بشؤون البيت، ورعاية الأبناء، وتوفير السكينة والمودة لأفراد العائلة. وهذا أمر خطير، وقد يهدد أهم مؤسسات المجتمع وهي (الأسرة) بالخراب. ولذا لا بد أن تستغل الزوجة كل مناسبة لنفيه، والتأكيد على أن سعيها للإستغلال سيوثق رابطة الزواج عبر فهم أوسع لدورها الحيوي المنتظر، والتزامها بالقيام به على أفضل وجه ممكن.
* أكثر ما يخشاه الأزواج (وأنا منهم) عندما تفكر نساءنا بهذه الطريقة أن تبدأ سلسلة لانهائية من الخلافات على الصغيرة والكبيرة. فبعض النساء بعد أن يشعرن بالنضج والإستقلال تسمع منهن أفكارا غريبة: (يعني هو أحسن مني بماذا؟!) وهكذا نكد من الصباح حتى المساء، وجدال حول كل شيء، مما يعكر صفو الحياة وبهجتها. والواقع أن مثل هذه الفئة من النساء تشوه فكرة الإستقلال والنضج التي نحب أن تصل إليه كل النساء. فهو نضج واع يؤدي الى مشاركة إيجابية في بناء حياة مشتركة سعيدة وفهم أكمل لوظيفتها كأم وزوجة وأخت.
* الدعوة إلى الإستقلال المادي هي دعوة لتهيئة النفس لتولي الشؤون المادية تحت ظرف من الظروف، عبر إتقان عمل ما، أو الحصول على شهادة معينه. لكنه ليس دعوة لعمل المرأة خارج منزلها- وإن كنت لا أجد حرجا في ذلك إذا توفرت الضوابط الشرعية له-. وخلافا لما يروجه دعاة تحرير المرأة وتحللها!، فإن الدور الذي تلعبه الأم في تربية الأطفال على قيم الدين الحنيف، وتنمية مداركهم ومهاراتهم، والحفاظ على أخلاقهم في زمان كزماننا لهو من أعظم الأعمال التي يمكن أن توظف فيها الطاقات والأوقات.
وللنساء أن يفجرن بهذه الوظيفة الراقية والأساسية لنمو المجتمع. وما أجمل ما كتبته إحدى الأمهات الأمريكيات في كتاب نشرته منذ سنوات تحت عنوان: (كيف أدخلت ثلاثة من أولادي جامعة هارفارد عبر التعليم المنزلي). فبسبب عدم اقتناعها بجدوى النظام التعليمي العام في بلدها أمريكا! قررت أن تشرف بنفسها على تعليم فلذات كبدها، ونجحت في إدخالهم أفضل الجامعات وضمان مستقبل جيد لهم.
ختاما: الزواج الناجح ليس نتيجة تلاقي زوجين مميزين، بل هو ثمرة لإجتماع شخصين كاملين لكنهما يسعيان لبذل أفضل ما لديهما لتحقيق نجاحه. الزوجان الناجحان ليسا نسخة عن بعضها، ولا يسعى أحدهما لفرض طريقة تفكيره ورؤيته وآراءه ومحبوباته على الطرف الآخر، بل هما مختلفان ويستمتع كل طرف بما يختلف به عن الطرف الآخر مما يضفي على حياتهما تجددا مستمرا. وبالله التوفيق.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com