|
من القواعد السخيفة في هذا الزمان أن الإنسان عندما يتزوج، فهو يتفق مع شريكة عمره على كيفية الطلاق ـ إن أراد أحدهما الطلاق ـ وعلى ما سيأخذ كل منهما تعويضاً من الآخر، وعلى ملكية الشقة أو المنزل والسيارة وعلى مَن تكون له رعاية الأطفال. ويتفنن رجال القانون في وضع صيغ قانونية تتيح لكل مقبل على الزواج كيفية التخلص من شريك العمر دون أدنى خسارة ممكنة!
إن شعار الحرية المطلقة على الرجل والمرأة يبدو براقاً للوهلة الأولى ولكنه يدفع الانسان إلى عميق الألم في لحظات حصاد نتاج هذه الحرية. فمن الطبيعي أن نسمع عن (رجل مستغل وجشع وحقير وأناني). وتأتي مثل هذه الكلمات على ألسنة النساء في لحظة الطلاق أو الانفصال إذا كانت المرأة قد خسرت كل شيء في لحظة الطلاق أو الانفصال لأنها وقعت قبل الزواج على وثيقة مسجلة عند المحامي على حقوق الزوج في لحظة الطلاق.
ومن الطبيعي أن نسمع من الرجال في أميركا وفرنسا وانجلترا كلمات مثل: (خائنة، جشعة، لصة، أخذت كل ثروتي لتعطيها لعشيقها). والسبب في ذلك هو أن الرجل قد وقع قبل الزواج على شروط قاسية للزواج والانفصال.
وهكذا يتحول الجسد الإنساني إلى سلعة تحتاج إلى تأمين من الطرف الذي يستعمل السلعة سواء كان رجلاً أم امرأة.
ومن الملاحظ أن الأطفال في الحضارات المعاصرة القائمة على الجشع يتعلمون رحلة الأنانية والغلظة والفظاظة والقسوة من لحظة تعريف المجتمع لهم لمعنى كلمة (الحرية). ذلك أننا نلاحظ مثلاً أن الطفل الذي ينشأ في مجتمع متدين لا يفهم كلمة الحرية إلا في ضوء كلمة (المسؤولية)، وأن الطفل الذي يولد في مجتمع يحترم فيه الرجل المرأة وتحترم فيه المرأة الرجل لا يمكنه أن ينسجم مع معنى (الحرية) الموجود على ساحة المدن الكبرى في الحضارة الغربية المعاصرة.
إن الحديث السري الذي تخاطب به الحضارة العصرية الانسان الذي يحيا فيها.. هذا الحديث السري يمكن أن نوجزه بما يلي:
إن أردت أن تكون سعيداً فعليك أن تكون أنانياً، جشعاً، وأن تستغل غيرك بسند من القوانين، وأن تهرب من الأقوى منك حتى وإن كان الحق معك. لا مانع من أن تغتصب اللذة بأي طريق، ولكن احذر أن تكون مسؤولاً عن هذه اللذة.
ويكفي للتدليل على ذلك أن كتاباً واحداً صدر في الأعوام الماضية لمؤلفة هي جاكي كولنز ما زال يتربع على عرش أعلى الكتب مبيعاً، وهو عن زوج يصطاد دائماً للذته صديقات زوجته ولكن بحذر ودون أن تعلم الزوجة، وعندما تكتشف الزوجة ذلك تطلقه وتسعى هي لالتقاط لذتها من الرجال بشرط واحد هو أن يكون كل منهم صديقاً للآخر وذلك لترى رحلة عجز الرجل في الدفاع عن الأنثى التي يسعد معها. وتحول هذا الكتاب إلى مسلسل تلفزيوني يشاهده مائتا مليون أميركي وأوروبي. ومهما قيل عن التحذيرات بأن الأطفال لا يجب أن يشاهدوا مثل هذه المسلسلات إلا أن الآباء والأمهات يتفاعلون معها، الأمر الذي ينقل أثرها النفسي إلى الأطفال. إن الأب قد يقول للأم: (اشكري السماء لأنها رزقتك زوجاً لا ينظر إلى صديقاتك). والأم قد تقول للرجل: (يمكنك أن تخفض عينيك من النظر إلى صديقاتي وإلا فعلت مثلما فعلت بطلة المسلسل).
إن عفة الزوجين تتحول هنا إلى مساومة. وهذه المساومة يراها الطفل أمام عينيه فيحس بخطر داهم. يحس أن ارتباط أمه وأبيه هو ارتباط غير نهائي وغير دائم وقابل للانكسار. ويشعر في اللحظة أن علاقة الأب والأم هي علاقة غير مستقرة.
لكن ارتباط الرجل بالمرأة في المجتمع الشرقي يختلف. إن الأمومة في الريف والبادية العربية على سبيل المثال، لها وضع مميز ودور واضح الملامح. وفي المجتمعات ذات الثقافة الاسلامية غير المشوهة نجد أن المرأة كريمة مع نفسها وكريمة مع زوجها، وكذلك نجد الزوج كريماً مع زوجته وكريماً مع نفسه.
إن الثقافة الاسلامية بمعناها النقي تحرم على الرجل أن يهجر زوجته إلى عمل أكثر من ثلاثة شهور، وتأمر الرجل أن يساعد زوجته في أعمال البيت، وتأمر الرجل أن يلاعب ابنه حتى عامه السابع، ومن بعد ذلك ينصحه، ومن بعد ذلك يصاحبه. وإذا ما نشأت مشكلة ما بين الرجل والمرأة فالثقافة الاسلامية الصحيحة تقضي بأن للزوجة حقوقاً تجاه الزوج وتجاه المجتمع، وأن هناك نظاماً دقيقاً للانفصال بين الزوجين. وفوق كل ذلك هناك إطار من التسامح والحث على الكرم.
إن الحياة الزوجية بهذا الأسلوب تصبح رباطاً قوياً، وينعكس ذلك على أدق التفاصيل في حياة الأبناء الصغار.
إن القيم الانسانية الراقية إذا ما استقرت في أعماق الأم والأب، فإنها تنتقل إلى الابن.
ونحن نثق بأن في كل طفل جانباً من الكرم والمثل العليا وأن في كل طفل أنانية، ورغبة في السيطرة على كل مَن وله. وعلى قدر تعامل المجتمع بقيم معينة فإن هذه القيم هي التي تسود في ثقافة الطفل.
إن الطفل هو مرآة الثقافة والسلوك الانساني، فهو يعكس ما يراه في مجتمعه. فالطفل الذي ينشأ في مجتمع ينتشر فيه الطلاق قد يسأل أمه: (متى تحصلين على الطلاق يا أمي؟) قد يسأل الطفل هذا السؤال رغم أنه أمه تحب أباه وأن أباه يحب مه.
إن حضارة (المكسب والخسارة) التي تحاصر الأطفال تجعلهم يفهمون الحياة على أنها ليست أكثر من أرقام. إن هذه الحضارة تنتج أطفالاً متنافسين لا يحبون إلا الاستهلاك ولا يرون جدوى من لذة العمل والإنتاج.
الطفل الذي يشاهد مباراة لكرة القدم ويرى الحماس بين المدرجات هو طفل لا يعرف أن الرياضة هدفها أساساً تنمية الجسم وتنمية الروح، فهو يجد في الرياضة وسيلة عدوان متبادل.
إن الطفل عندما يشاهد السباق الرهيب على الفوز بأشياء بلا قيمة حقيقية يندفع هو الآخر في هذا السباق. وما أكثر الأشياء التي هي بلا قيمة والتي يجري إليها الكبار، الكبار من الدول، والكبار من الأفراد على السواء.
إذن، فهل نحن نختار تنشئة أبنائنا على مبدأ الربح أو الخسارة؟
إذا كنا نختار ذلك فنحن لا يجب أن نغضب عندما نشاهد الأبناء وقد كبروا على الأنانية.
أما إذا كنا نرغب في تنشئة أبنائنا على مبدأ التعاون مع الآخرين لإقامة مجتمع يحترم الفرد ويقدس حقوق المجتمع، فلنقم نحن الكبار بتربية أنفسنا في كل لحظة لنكون المثل والقدوة لأبنائنا.
|