د. ناهد رمزي
أن أغلب ما يقدم عن المرأة من خلال وسائل الإتصال المختلفة- بالإضافة إلى ما تتضمنه الأعمال الفنية والأدبية- قد غلب عليه توجهات خاصة تتسم بالتركيز على صورة لها لا تتوافق مع الواقع المعاش، وتقدم مادة تتناول قضاياها الهامشية دون القضايا المحورية، كما أنها تقدم بعض أدوارها التقليدية التي قصرت عليها لفترات طويلة، مع حجب أدوارها المستحدثة التي تظهر كفاءتها الفعلية وقدرتها على الجمع بين أدوار متعددة، وهذا إلى جانب الصورة السلبية التي كثيراً ما تقدم بها، مما يحط من شأنها ويقلل من كرامتها، ناهيك عن أسلوب العنف البدني الذي يوجه ضدها مما يتنافى مع حقوق الإنسان وكرامته.
ولأن ما يقدم في وسائل الإتصال إنما هو مرآة عاكسة لحضارة المجتمع وثقافته، وأن الصورة التي تقدم بها المرأة ما هي إلا تعبير عن اتجاهات أفراد المجتمع الذي تنتمي إليه وتتعامل مع أبنائه في علاقة تفاعلية تبادلية، وأن ما يقدم في تلك الوسائل إنما يعبر عن أفكار وتصورات مغزى تلك المادة وليس عن الواقع الحقيقي الذي تعيش فيه المرأة في مجتمع اليوم.. لذا؛ بدا من الضروري إعادة النظر فيما يقدم من تلك الوسائل، ومحاولة توظيف المادة الإتصالية التوظيف الأمثل بما يعمل على تغيير الإتجاهات والأفكار السائدة عن المرأة لدى أفراد المجتمع، وذلك حتى يقدم صورة حقيقية عنها، ويقدمها في إطار يعبر عن واقعها المعاش من ناحية، ويعمل على النهوض بها حتى تصبح تلك المادة الإتصالية بمثابة المعين الحقيقي لحركة تقدم المرأة، وبالتالي تقدم المجتمع.
وهنا يصبح لزاماً على الوسائل الإتصالية أن تتحمل مسؤوليتها الإجتماعية في التصدي لإحداث التغيير الإجتماعي المنشود، وهي من وجهة نظرنا مسؤولية مزدوجة، فهي من ناحية تملك تغيير اتجاهات الأفراد نحو مكانة المرأة في المجتمع، وبالتالي تغيير ما يقدم عنها من صورة سلبية.. ومن ناحية أخرى يمكن أن تمثل قوة دافعة للمجتمع وأفراده نحو تبني اتجاهات إيجابية مستحدثة تناسب العصر، وتتماشى مع احتياجات المجتمع نحو التغيير الملائم؛ ومع ما تسعى إليه الدولة من العمل على النهوض بالمرأة ومساعدتها على القيام بأدوارها المتعددة خير قيام.
أمام هذه الإعتبارات التي استعرضناها آنفاً، يبدو من الأهمية بمكان التوظيف الأمثل لتكنولوجيا الإتصال، وما تملكه من إمكانيات فعالة وتأثير لا يباري من أجل العمل على خدمة قضية المرأة التي لم تساهم فيها حتى اليوم إلا بالقدر اليسير.. ولن يأتي ذلك إلا عن طريق وضع استراتيجية إعلامية تقوم على خطة مدروسة تهدف إلى تغيير الصورة السلبية السائدة عن المرأة في تلك الوسائل، مع الإعتماد على رصد التغيرات التي حدثت للمرأة في الفترة الأخيرة بما يبرز وضعها الحقيقي، ويعمل على تقليل الفجوة الحادثة بين نوعي الجنس، أو إثارة القضايا المحورية التي أصبحت تشغلها في إطار وضعها المتغير، والتركيز على المادة الإتصالية التي تنمي - لدى الجماهير عامة والمرأة خاصة- القيم الإيجابية التي تساعد على التعجيل بعملية تنمية المرأة، كالسعي إلى التعليم والتدريب، واحترام قيمة العمل، والإحساس بأهمية الوقت، وتنمية قيم الإستقلال الذاتي والوعي بقضايا المجتمع، والقدرة على التطوير والتعديل من خلال النقد البناء الذي يتناسب مع مجريات التحديث، من خلال استراتيجية إعلامية تقوم على الأسس التالية:
أولاً: النظر إلى قضية المرأة كجزء لا يتجزأ من قضايا المجتمع، وتجنب الفصل التعسفي الذي يؤدي إلى الوقوع في إطار النظرة التجزيئية إلى وضع المرأة وإغفال دورها الحقيقي في تنمية وتطور مجتمعها، والعمل على دمج المرأة في كافة الأنشطة السياسية والإقتصادية المختلفة، وتأكيد فكرة النهوض بالمجتمع والرقي به لن يتم إلا بمشاركة المرأة والرجل معاً دون أدنى تفرقة.
ثانياً: من الأهمية بمكان العمل على تغيير المناخ الفكري والثقافي السائد عن المرأة، وذلك عن طريق تغيير الإتجاهات والأفكار السائدة عن دورها التقليدي في المجتمع، والعمل على تقليل الفجوة الحادثة بينها وبين الرجل، وإعادة النظر في المادة الإتصالية التي تعمل على التفرقة النوعية بينهما، والتي تروج لفكرة أن المرأة إنما خلقت للعمل المنزلي والإنجابي، والرجل خلق للعمل والإنتاج.
ثالثاً: يجب أن تلعب الوسائل الإتصالية دوراً ذا بال في تغيير صورة المرأة عن نفسها، وذلك عن طريق تأكيد الدور الإيجابي الذي تقوم به في المجتمع، وإظهار إسهاماتها المختلفة في النهوض به عن طريق إظهار نماذج من الشخصيات النسائية الناجحة في مجالات عدة، فمن شأن ذلك أن يعزز مكانتها ويزيد من ثقتها بنفسها، ويساعدها على الإنطلاق لتأكيد دورها في الحياة العامة، وتدعيم معايير المشاركة واتخاذ القرار الذي تبدو بعيدة عنه غير مشاركة فيه، سواء على المستوى الأسري أو المستوى المجتمعي الذي ينبغي أن يكون للمرأة فيه نصيب كنصيب الرجل.
رابعاً: القضاء على الإنفصال الحادث بين ما يقدم عن المرأة في الوسائل الإتصالية وبين واقعها الحالي، وما استطاعت أن تحرزه من تقدم على مختلف الأصعدة.. وهو ما يجعل شرائح لا يستهان بها من النساء، خاصة من أحرزت منهن قدراً من التعليم واندرجت في قطاعات العمل أو استطاعت الإسهام في مجال العمل العام- اجتماعيّاً كان أو سياسيّاً- لا يجدن في الإعلام أدنى انعكاس لحياتهن، أو أدنى اهتمام بجوهر القضايا التي تشغلهن، أو الهموم التي يعانين منها، بما يؤدي إلى عدم الإهتمام به أو متابعته، مما يفقده شرائح هامة من الممكن أن يستعان بها في إحدث التغيير المنشود الذي يهدف إلى النهوض بالمجتمع والعمل على تطويره.
خامساً: يجب أن توظف الوسائل الإتصالية توظيفاً معرفيّاً جيداً بما يؤدي إلى فتح باب للثقافة الراقية لكي تصبح مصدراً جيداً يحصل من خلاله الأفراد على المعلومات التي تقدم بشكل متساو ويفيد المجتمع- رجالاً ونساءً- دون تحيز لنوع دون الآخر أو لفئة على حساب فئة أخرى.. فوظيفة وسائل الإتصال يجب ألا ينظر إليها على أنها قاصرة على الترفيه فقط، بل من المهم النظر إليها باعتبارها أداة ذات هدف مزدوج، تملك بعداً ترفيهيّاً وآخر تثقيفيّاً، وتتعاظم مسئوليتها الإجتماعية لما لها من قبول هائل وانتشار واسع. كما يجب الوضع في الإعتبار أن للثقافة مهمة وطنية وقومية تعمل على بناء المجتمع السليم الذي ترسخ فيه القيم الإيجابية والسلوك القويم بهدف إحداث التنمية المجتمعية المستهدفة.
سادساً: لكي تحقق الوسائل الإتصالية الدور المنوط بها في تعديل الإتجاهات وتغيير الأفكار البالية، يجب الوضع في الإعتبار الإهتمام بالعنصر الإنساني في العملية الإتصالية، وتدريب العاملين في مجال الإتصال بما يسمح بزيادة تأهيل الكوادر الفنية الموجودة، وخلق كادر جديدة من الخبرات الشابة بما يعمل على حسن التعامل مع ما يقدم من مواد إعلامية وثقافية بقدر عال من التفتح من خلال التنسيق بين الأجهزة الإتصالية المختلفة التي يجب أن تعمل على تغيير الصورة التقليدية المقدمة عن المرأة، والعمل على تنقية المادة الإعلامية من محاولات تكريس فكرة الفروق النوعية وسيادة الرجال على النساء، وذلك من خلال توجهات ترسم لهذا الهدف، واعتماداً على الإستراتيجية المعدة لهذا الغرض.
سابعاً: على الرغم من الزيادة الكمية في عدد النساء العاملات في قطاع الإتصال، بيد أن قلة منهن قد وصلن إلى مناصب ترقى إلى مستوى اتخاذ القرارات، أو يعملن في المجالس أو الهيئات الإدارية التي تؤثر في السياسات الإعلامية. وتتجلى الفروق النوعية الواضحة في المناصب العليا في وسائل الإعلام في إزالة القوالب النمطية القائمة على أساس الإنتماء الجنسي، وهنا يجدر الإهتمام بزيادة مشاركة المرأة ومساعدتها إلى الوصول إلى مناصب اتخاذ القرار، وتحسين فرصها في التعبير عن آرائها، واتخاذ القرارات المهمة في وسائل الإعلام المختلفة، وحسن التدريب على تكنولوجيا الإتصال الجديدة.
ثامناً: يجب أن تقوم وسائل الإعلام بدور فعال في تحسين أسلوب التفاعل بين المرأة والرجل، والقضاء على أسلوب العنف الذي لو حظ من خلال بعض المواد المقدمة، والذي يؤدي إلى التقليل من مكانة المرأة ووضعها الإجتماعي، كالإهانة باللفظ أو بإلحاق الأذى، كذلك تنقية تلك البرامج من العبارات غير الملائمة، والعمل على تحسين أسلوب الخطاب المستخدم بينهما، وإلغاء الأسلوب غير الملائم في التعامل الموجه من الرجل إلى المرأة، سواء كان ذلك الرجل أباً أو زوجاً أو أخاً أو قريباً أو رئيساً أو زميلاً في العمل.
تاسعاً: إن التعارض والتضاد الذي يلاحظ أحياناً في وسائل الإعلام المختلفة فيما يقدم عن المرأة، إنما يفرض أهمية التنسيق فيما تقدمه هذه الوسائل. ولا يعني التنسيق المطلوب تلك الوسائل بالخروج بصورة نمطية لا تتغير عن المرأة، وإنما يضع أسلوباً خاصّاً يفرض على تلك الوسائل اتباعه من خلال خطوط عريضة، أو اتباع استراتيجية هادفة تعمل على الإلتزام بالعمل على تغيير صورة المرأة التي تقدم بشكل سلبي، كما تعمل على ألا تقدم الصورة ونقيضها، أي لا تقدم قيماً إيجابية تعمل على مساعدة المرأة على القيام بأدوارها في بعض الوسائل، كما تقدم صوراً سلبية تهدم تلك القيم أو تسخر منها، أو تعرض عكسها في وسائل أخرى.. فمثل ذلك التعارض من شأنه أن يذهب بكل جهود بناءة تعمل على رفع شأن المرأة وتغيير مكانتها في المجتمع.
عاشراً: حين التصدى لإستخدام وسائل الإعلام في مجال توعية المرأة وزيادة معارفها، فمن الأمور المهمة دراسة فئات النساء الائي في حاجة إلى تلك الوسائل، ودراسة الوسائل الإعلامية الأكثر فعالية بالنسبة لإمكانياتهن ودرجة استيعابهن واحتياجاتهن الحقيقية لتحديد الوسائل الإعلامية الأكثر مناسبة لهن، والتي من شأنها أن تخلق قناة اتصالية يمكن من خلالها بث الرسائل التي تعمل على التوعية وزيادة المعارف وإحداث التغيير المنشود. وكلما كانت الوسيلة الإتصالية أكثر قبولاً من الجمهور المتلقى، كلما نجحت في تحقيق أهدافها والقيام بالدور المنوط بها.. فالحكم على مدى ملاءمة الوسيلة الإعلامية لا يتم إلا من خلال السياق الذي تستخدم فيه، فبعض الوسائل قد تكون أكثر فائدة وملاءمة في موقف ما من وسيلة أخرى، ولا يعني ذلك أن هناك وسيلة أهم من الأخرى، وإنما الوسيلة الهامة هي الأكثر مناسبة للهدف المنشود وللموقف المعين ولنوع الرسالة وللجمهور المستهدف بالخدمة.
www.balagh.com
|