زكي الميلاد
أجرى الحوار: فايز سارة
للكاتب والمفكّر السعودي زكي الميلاد، اهتمامات واسعة في قضايا وموضوعات العالم العربي والإسلامي، وبين انشغالاته، اهتمامه بأوضاع المرأة، والتي أثيرت أسئلة وحوارات، حول بعض القضايا المتصلة بها في عدد من البلدان العربية- الإسلامية.
الراية في دمشق، توقفت مع زكي الميلاد، وأجرت معه الحوار التالي في أسئلة وأجوبة توالت تباعاً:
* يجري التركيز في أكثر من مكان في العالم على قضية المرأة، ما هو السبب في رأيكم؟
هناك عناصر عديدة ومتشابكة، ساعدت على توسيع الإهتمام بقضايا المرأة في النطاق العالمي، منها ما يرتبط بجوانب تقنية وفنية، ذات علاقة بالتطورات المذهلة في تكنولوجيا الإعلام، وشبكات الإتصال، والطرق السريعة للمعلومات، حيث بات إدراكنا لحركة الأفكار أكبر من السابق، ومعرفتنا اتسعت بقضايا كثيرة تشغل اهتمام العالم، ومنها قضايا المرأة.
وفي هذا النطاق بدأ العالم يلتفت منذ سنوات إلى أن مستويات التقدّم في مختلف شؤون المرأة الأساسية، ما زال بطيئاً ومحدوداً، وهذا ما أخذت تظهره التقارير الدورية والسنوية التي تصدر من جهات دولية ذات علاقة بمؤسسات الأمم المتحدة.
وحسب هذه الجهات فإن المرأة ما زالت مضطهدة في دول كثيرة من العالم بما في ذلك الدول المتقدمة، وما زالت في أوضاع غير متساوية مع الرجل في مجالات التعليم والعمل، وعلى مستوى الأنظمة والتشريعات، خصوصاً مع تزايد ما يطلق عليه بالعنف ضد النساء، وكون أن المرأة هي الأكثر تضرراً من الحروب والصراعات وإلى غير ذلك.
لذلك تضاعف الإهتمام بقضايا المرأة في مجالات حقوق الإنسان، ومجالات التنمية والتعليم. إلى أن جاء المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين سنة 1995م، لكي يفتح أوسع حديث عالمي حول المرأة، وفي هذ المؤتمر اصطدمت منظورات الأمم والحضارات في رؤيتها للمرأة، وبالذات بين الرؤيتين الإسلامية والغربية.
كما أن المرأة وجدت في العقد الأخير من القرن العشرين، إمكانية أن يكون صوتها عالياً، فنشطت من دورها، وسجلت حضوراً مكثفاً في التعبير عن شؤونها وشجونها. يضاف إلى ذلك أن قضايا المرأة من طبيعتها أن تستوقف الإهتمام، إما لحساسيتها، أو لما يحيط بها من تخوفات، أو باعتبارها الحلقة الضعيفة، أو نتيجة زحف النموذج الغربي للمرأة على الأمم والحضارات الأخرى، أو للحالة السجالية المتصادمة في النطاق الفكري حول المرأة.
* في كلامك تمايز واضح بصدد المرأة وقضاياها، كيف نجمل وجهة النظر الإسلامية في ذلك؟
وجهة النظر الإسلامية العامة حول المرأة، تتحدد في الأبعاد التالية:
أولاً: في كون المرأة إنسانة، يصدق عليها النص القرآني في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنيِ آدَمَ)، وقوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في أحْسَنِ تَقْوِمٍ)، فلها من هذه الناحية حق الكرامة الإنسانية، وحفظ هذه الكرامة وحمايتها، وهي متساوية مع الرجل في هذا الشأن بلا تفضيل أو تمييز.
ومن هذه الجهة يتحدد دور المرأة الإنساني العام، في إطار نظام الحقوق والواجبات، باعتبار أن الإنسان في المنظور الإسلامي هو مكلف ومسؤول.
ثانياً: في كونها امرأة لها خصوصيتها الأنثوية الناتجة من طبيعتها البدنية والنفسية، فهي تختلف عن الرجل من هذه الناحية البيولوجية والفسيولوجية، ولقد استخدم القرآن الكريم وصف المرأة بالأنثى تمييزاً لها، وتقريراً لخصوصيتها من هذه الناحية عن الرجل، قال تعالى: (يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأنْثَى)، ويترتب على هذا الإختلاف تعدُّد القابليات والقدرات والوظائف بين الرجل والمرأة.
ومن هذه الجهة يتحدد موقع المرأة في المجتمع، حيث تنفرد عن الرجل باختصاصات معينة، تتحدد في إطار نظام الحقوق والواجبات.
ثالثاً: في كون المرأة زوجة، قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفسٍ واحدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، فالدين لا ينظر إلى المرأة ككيان فردي مستقل فحسب، وهكذا في نظرته إلى الرجل، وإنما ينظر إليها من خلال منظوره إلى الأسرة.
ومن هذه الجهة تتحدد علاقة المرأة بالرجل، ويترتب عليها اختصاصات معينة وإضافية، في إطار نظام الحقوق والواجبات.
رابعاً: في كون المرأة أماً، وتدخل هنا اختصاصات أخرى، وتتحدد من هذه الجهة علاقة المرأة بأبنائها في إطار نظام الحقوق والواجبات.
* هل لتردي أوضاع المرأة في العالم الإسلامي صلة جوهرية بوجهة النظر السائدة بصدد المرأة؟
بالتأكيد، إن كل مجتمع يفرض منظوراته عن المرأة، وهذه المنظورات تختلف وتتغير حسب قوانين التقدّم أو التراجع، وهذه الملاحظة من مداخل فهم واقع المرأة في مجتمعاتنا، وهو واقع لا ينفصل عن طبيعة التطور الإجتماعي العام في إحداثياته ومساراته. ولا يمكن أن يتغير واقع المرأة من دون أن يتغير المجتمع ذاته، وتغير المجتمع هو في تغير منظوراته، التي تشكل ما يعرف في علم الإجتماع بالمخيال الإجتماعي، أو العقل الجمعي.
من جهة أخرى، إن المرأة وبالذات في النطاق الإسلامي، لم تنهض بأدوار كبيرة تساهم في تغيير النظرة السائدة حولها، لا على المستوى الثقافي، ولا على المستوى الإجتماعي أو الحقوقي والتشريعي.
كما لم تنطلق في مجتمعات العالم العربي والإسلامي حركات إصلاحية نسائية تستند على المرجعية الإسلامية، تطالب بإصلاح واقع المرأة في هذه المجتمعات، بالشكل الذي يتوافق وينسجم مع الشريعة الإسلامية، الشريعة التي مثّلت أعظم تحرير للمرأة في تاريخ الحضارات الإنسانية. فالإسلام قدم رؤية حقوقية وقانونية للمرأة هي الأكثر تطوراً وتقدماً من بين كل الحضارات الأخرى، لذلك من الضروري التأكيد على المرجعية الإسلامية في إصلاح واقع المرأة في مجتمعاتنا.
وإذا كان واقع المرأة اليوم في العالم العربي والإسلامي لا يسر أحداً، بما في ذلك المرأة نفسها، فإن الغرب لا يستطيع أن يقنعنا بالنموذج الذي قدمه عن المرأة، وهو نموذج مخيف لنا.
* تثير وجهة النظر التقليدية في قضية المرأة، وجهات نظر أخرى في العالم الإسلامي، كيف ترون ذلك؟
لابد أن نظهر قدراً من التفهم لوجهة النظر التقليدية أو المحافظة للمرأة، فوجهة النظر هذه تنطلق من تخوفات حقيقية، ومن هواجس قلقة نتيجة هيمنة النموذج الغربي للمرأة، النموذج الذي أحدث إرباكاً وتدهوراً خطيراً. فالصورة التي يقدمها النموذج الغربي للمرأة، هي صورة الأنثى بكل مفاتنها، في حين أن الصورة التي يقدمها الدين عن المرأة للمجتمع هي صورة المرأة الإنسانة التي تخفي مفاتنها عن الناس، فتفرض تعاملاً إنسانياً معها، لا تعاملاً ذكورياً مع أنثى، وهذا هو أساس فلسفة الحجاب في الإسلام، الحجاب الذي يكسب المرأة الحماية والأمن الإجتماعي والتعامل الإنساني.
في الجانب الآخر، هناك بعض التخوفات غير المبررة في رؤية التقليديين للمرأة، هو تخوفات نابعة من محاولات تغيير واقع المرأة حتى لو جاء هذا التغيير منطلقاً من المرجعية الإسلامية، كالدعوة إلى مشاركة المرأة في قضايا الشأن العام، هذه التخوفات قد تحوّلت إلى معوقات أمام تطور وتقدّم المرأة المتدينة، وهذا هو وجه الإشكال في هذه الرؤية.
المصدر: كتاب الإسلام والمَدنيّة
www.balagh.com
|