|
كم هي لحظة مجيدة عندما تصبح امرأة روائية . يكفي أن تذكر أوبرا وينفري (Oprah Winfrey) اسم الكاتبة ـ حيث إن معظم اختيارات نادي كتابها عبارة عن روايات بأقلام نسائية ـ حتى يتدفق مئات الألوف إلى المكتبات بحثاً عن عمل الكاتبة سعيدة الحظ.
ويباع معظم هذه الكتب لنساء يملن لقراء روايات بأقلام نسائية. وتشرف النساء على تحرير مجلات كبرى مثل The New Yorker و The Nation وthe New York Review of Book، والتي يقرؤها الرجال والنساء على حد سواء. وتعتلي نساء قمة صناع القرارات في أكبر عشر دور نشر تجارية في أمريكا. بل إن المحررين والكتاب والأكاديميين من الرجال هم أول مَن يخبروك أنهم يقرؤون وينشرون بل ويدرّسون كتابات الرجال والنساء على حد سواء.
لذا فإن قلة من المجانين (قراء ذوو اهتمام حقيقي بالكتابة الجيدة لكلا الجنسين) هم الذين قد يشعرون بأن المجال الأدبي ما زال بعيداً عن النساء بعض الشيء. ومن سواهم سيلاحظ أنه حتى في الأعوام الماضية ـ الذي شهد إصدار كتب مهمة لكل من ديبورا إيزنبرح، وماري جيتسكيل، وليديا ديفيس، وديان جونسون ـساد معظم مسابقات جوائز الكتاب عطر الكتابة الرجالية من أمثال: دون ديليللو وفيليب روث وتوماس بينشون وشارلز فريزر مؤلف الجبل البارد.
وبالطبع، فان أكثر الأشخاص إيماناً بالمساواة بين الرجال والمرأة لا يعتقدون أن الاستحسان أو حجم المبيعات يجب منحهما مناصفة، أو أن تقدم الامتيازات للروايات الرديئة لأنها بأقلام نسائية. لكننا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من ملاحظة ندرة ظهور قصص بأقلام نسائية على صفحات بعض المجلات الكبرى المعنية بنشر الأدب الروائي وأيضاً الجرائد الأدبية وقوائم الكتب المختارة وقوائم أحسن عشرة كتب.
ومن المحتمل ألا يمثل كل هذا مصدراً للألم النفسي أو المالي ـ لكاتبة مثل دانييل ستيل أو لمؤلفي الكتب متوسطة الثقافة التي تباركها أوبرا بلا حدود.
وللروايات التجارية وجود تلقائي ومستقل ومسار لا يرتبط غالباً بصفحات نقد الكتب أو بالجوائز الأدبية. ولكن سيخبرك معظم الناشرين ـ وهم يفعلون ذلك مراراً وتكراراً ـ أن كتاب ما يسمى بالأدب القصصي الجاد، ذلك الأدب الخشن الذي يتسم بالصعوبة والبلاغة ويتطلب براعة خاصة من قارئيه، يعتمدون إلى حد بعيد ـ بل في الواقع بشكل تام ـ على عملية عرض ونقد كتبهم ليضمنوا تغطية تكاليفها واستعادة السلف المالية الخاصة بها، وبالتالي يسهل ذلك مهمة القائمين على إعداد تلك الكتب للنشر في إقناع إدارات التسويق الحذرة بنشر أعمال المؤلف اللاحقة.
وسرعان ما ترجم الجوائز الضخمة إلى ارتفاع حاد في المبيعات، حيث يدعم هذا مكانة الكاتب إلى حد كبير، حيث يدعم هذا مكانة الكاتب إلى حد كبير، حتى أنه ـ دون حاجة للقول ـ ترتفع مبيعات الكتاب نفسه بشكل هائل بعد اعتراف الجائزة به.
إن التساؤل حول أثر التجاهل الشديد في المسار المهني للكاتبات من النساء يشبه إلى حد بعيد التساؤل حول الصحة النسائية في ثقافات تضع الفتيات الصغيرات في قاعدة السلسلة الغذائية.
ومع ذلك ما زال هناك أدب قصصي بأقلام نسائية: إن فصيلة الكاتبات قد تعرضت للخطر ولكنها لم تنقرض بعد، ربما ببساطة لم تكن الدفعة الأخيرة من جوائز الكتاب سوى خروج عن القياس، وربما لا تمثل مخاوفنا من الأسلوب المتبع في استقبال الأدب القصصي المكتوب بأقلام النساء سوى عرض من أعراض جنون المساواة بين الجنسين.
في الواقع، وكما يحدث دائماً، تتفوق الإحصائيات على أي إحساس بالاضطهاد مهما اشتد. ففي عام 1997م نشرت مجلة ذي نيويوركر سبعاً وثلاثين قصة لكتاب وعشر قصص لكاتبات، كما نشرت هاربر مجازين تسع قصص لكتاب وثلاثاً لكاتبات. ومنذ عام 1992م ضمت قوائم (اختيارت المحرر) في صفحة عرض ونقد الكتب بالنيويورك تايمز ـ وهي تعد أقوى الأصوات في مجال النقد ـ اثنين وعشرين كتاباً في الأدب القصصي بأقلام كتاب وثمانية بأقلام كاتبات ـ ومنذ عام 1980م فاز ستة عشر رجلاً بجائزة بن فوكنر بينما لم يفز بها سوى امرأتين، أما جائزة ناشيونال بوك فقد فاز بها أربعة عشر كاتباً وأربع كاتبات.
هذا على الرغم من أن الحائز على جائزة لوس أنجلوس تايمز الخاصة بأول عمل قصصي كان امرأة وهي كارولين فيريل كاتبة القصة القصيرة وقد حازت على الجائزة عن مجموعتها (لا تمحوني9، وفي عام 1988م عندما لم تحتو قائمة النيويورك تايمز لأحسن عشرة كتب على أي عمل بقلم نسائي نشر المحرر هذا التبرير: (قد يلاحظ البعض أنه لا توجد أي أسماء نسائية ضمن مؤلفي الكتب التي تم اختيارها في قائمة أحسن عشرة كتب لهذا العام.
فمن بين ما يزيد على أربعين كتاباً ـ قام المحررون باختيارها بشكل فردي ـ كان هناك العديد من الأعمال النسائية سواء في مجال الأدب القصصي أو غير القصصي. ولكن لم تستطع أي من تلك الأعمال الوصول إلى الاختيار النهائي بعد شهرين من المناقشات الأسبوعية.
كيف نفسر هذا التباين؟ هل الأدب القصصي الذي تكتبه النساء أسوأ بالفعل؟ ربما أننا لم نتعلم كيف نقرأ ما تكتبه المراة؟ لقد لاحظت ديان جونسون ـ وهي روائية تتميز بالموهبة والذكاء والنشاط ـ أن القراء من الرجال لم يتعلموا كيف يربطون بين الصور والاستعارات والمواقف التي تقوم المرأة بتوظيفها (المنزل، الحديقة، الجنون) مع أن النساء تدربن منذ طفولتهن على قراءة كتب بأقلام كتّاب من الجنسين فتعرفن على الدلالات الاستعارية لساحة القتال أو السفن الشراعية أو الرحلات البحرية وغيرها. ربما تكمن المشكلة في أن الكاتبات يخبرننا بأشياء لا نود سماعها، وخاصة من النساء. أو قد تكمن الصعوبة ـ بشكل جوهري ـ في أن كل القراء سواء كانوا رجالاً أو نساء ـ حيث إنه تجدر الاشارة إلى أن العديد من المحررين والنقاد وأعضاء لجان الجوائز من النساء ـ يتناولون أعمال الكتاب والكاتبات بتوقعات مختلفة، إذ إنه من المبهم تماماً الكتابة (كرجل) أو (كامرأة)، ولكن ربما أنه ما زال هناك تسليم أن الرجال يكتبون كالرجال والنساء يكتبن كالنساء، أو على الأقل يجب أن يكونوا كذلك، وربما أنه من المفترض أن الكاتبات لن يكتبن أي شيء ذي أهمية، أي شيء جاد، أو ضروري أو إبداعي أو يتسم بالحكمة.
بالطبع، لن يكون الأمر كما هو بالنسبة للصبية الصغار الذين لا يعرفون أفضل من أن يصفوا كتابات البنات بأنها حمقاء وسخيفة، فإن القراء الجادين ـ سواء كانوا رجالاً أو نساء ـ لن يعترفوا أبداً باعتقادهم أن الأدب القصصي الذي تكتبه النساء أقل قيمة. فقد تعلم الكتاب والنقاد من الرجال عدم التعبير عن كل الأفكار المجنونة التي تمر بعقولهم، وفي معظم الأحوال يعتقدون بصدق أنهم لا يقدرون الكتابة تبعاً لجنس الكاتب. لذا غالباً ما يكون من العبث البحث في موضوع (لماذا لا تستطيع النساء الكتابة؟).
لحسن الحظ، أو لسوء الحظ، كان كتاب الأمس يشعرون بالغبطة الشديدة للتعبير عن مثل تلك الأفكار. ولو لم يكن نورمان ميلر موجوداً، ربما كان سيتعين علينا البحث عن رجل آخر باستطاعته التعبير عن الإحساس بالفوبيا من الكتابات النسائية كما في (إعلانات لذاتي) التي تعد اعترافاً صريحاً صادراً من القلب:
(لدي اعتراف مروّع أرغب في الإدلاء به، ليس لدي أي شيء يمكن أن أقوله عن أي من النساء الموهوبات اللاتي يقمن بالكتابة هذه الأيام، نتيجة لما هو عيب فيّ ـ بلا شك ـ فإنني لا أستطيع قراءة كتاباتهن. إنني أتشك بالفعل فيما إذا كان هناك امرأة تتميز كتاباتها بالإثارة، إلى أن تأتي أول مومس يمكن استدعاؤها بالتليفون وتحكي حكايتها. ورغم خطورة اكتساب عداوات ضارية طوال فترة حياتي. لا يسعني سوى القول إنه عندما أتشمم حبر النساء تهب عليّ دائماً روائح مشؤومة وعنيفة تعمل كحاجز نفسي داخلي وأجد أساليب الكتابة بالية ومصطنعة وفاترة ومزخرفة على نحو مفرط ومصبوغة بمستحضرات التجميل الخاصة بعارضات الأزياء. ذلك، أنني لم أتمكن إطلاقاً من قراءة كتابات فرجينيا وولف وأحياناً أرغب في الاعتقاد أنه ربما تكون غلطتي، وقد ينظر إلى هذا الرأي بإنصاف).
وعادة نستشف رأي الكاتب الحقيقي في زميلاته من الكاتبات من التعبيرات التي يصفهن بها. ومن أمثال ذلك وصف ولبول ماري ولستون كرافت بأنها ضبع داخل فستان، ونبذ سوذي شارلوت برونتي لأنها شخصية حالمة
وفي قرننا الحالي تذمر إدموند ويلسون من أن الشكوى الدائمة ووجوب الترضية صفة ملازمة للكاتبات. وأخيراً بدأ مقال لبرنارد بيرجونزي في The New York Review of Books كالتالي: (إن الروائيات يرغبن في الاحتفاظ بضيق أفقهن). وفي مقال عن كاترين أن بورتر أشار تيودور سولوتاروف إلى (خبث) كاترين و(دهائها القاسي) وهي تعبيرات نادراً ما تستخدم في توبيخ الكتاب من الرجال.
ولكن لماذا نزعج أنفسنا بنقاد يتسمون بالفظاظة وعدم الإحساس، بينما لدينا مدافعون نبلاء مثل تيودور رويثك الذي امتدح شعر لويز بوجان عام 1961م مؤكداً للقراء أنه ليس شعراً نسائياً تقليدياً يعوقه الافتقار إلى اتساع الأفق ـ سواء فيما يخص الموضوع أو درجة الانفعال ـ أو فقدان روح الدعابة، أو زخرفة الموضوعات التافهة والاهتمام بما هو سطحي في الحياة أو البعد عن عذابات الروح الحقيقية أو رفض مواجهة الواقع كما هو أو اتخاذ موقف عاطفي مفرط أو ديني أو التأرجح بين المخدع والمصلى.
ونظراً لتلك المحاولات المستمرة لوضع الكاتبات في هذا الموضع الذي لم يخترنه، لا يستطيع المرء توجيه اللوم لجورج إليوت أو جورج صاند أو الأخوات برونتي على التخفي وراء أسماء رجال مستعارة. وقد أكد طلبة الجامعة هذه المخاوف في مقال سينثيا أوزاك (التنبؤ بموت الكلب الراقص)، حيث صدم الطلبة بشدة عندما علموا أن الكاتب ذا الاسم الغامض فلانيري أوكونور ما هو إلا امرأة. وأعادت طالبة ذكية فوراً صياغة رأيها قائلة: (لكني استطعت اكتشاف أنها امرأة) وأصرت على ذلك .. وعند سؤالها ماذا تعني وكيف اكتشف ردت: (إن جملها جمل امرأة. إنها جمل عاطفية وجدانية وليست واقعية كجمل الرجل). فأشرت إلى كل الفقرات وحتى الصفحات المحتوية على جمل غير عاطفية، بل نستطيع أن نطلق عليها (نثر خشن). وجاء الرد: (ولكن لها رنين امرأة، ويجب أن يكون لها هذا الرنين لأن الكاتبة امرأة بالفعل). بل ذهبت أبعد من ذلك بأن كل طلاب الفصل الآن يؤكدون ذلك أيضاً. حتى لو كانوا على جهل بجنس المؤلف فباستطاعتهم أن يحدسوا أنه نثر بقلم امرأة، وهذا ما يجب أن يحدث ما دامت فلانيري امرأة بالفعل).
لا يمكنني التفكير في روائية أو كاتبة للسيرة الذاتية تتحدث عن خطئها الخاص. ربما تشعر النساء أنهن لو تحدثن عن أنفسهن بهذا الأسلوب، لن يرغب أي رجل، وكثير من النساء، في الجلوس والإنصات إليهن.
وما زالت رواية (مذكرات هاو) تقول بوضوح شيئاً يرغب القراء في سماعه. وقد صدرت أخيراً في طبعة (للمكتبة الحديثة)، كما أصبح إكسلي موضوعاً لسيرة ذاتية مثيرة للإعجاب بقلم جوناثان ياردلي.
ولكي نكون عادلين هناك طبعة (لمكتبة أمريكا) من رواية فلانيري أوكونور. ولكن عادة ما يشعر شخص ما أنه مضطر لتذكيرنا بأنه ـ مهما اعتقدنا ـ فإن أوكونور كاتبة أنثى تقنعت في أفرول ملطخ ببقع الدم وأحشاء النزوات اليائسة. ويعود بنا فريدريك كروز في The New York Review of Books إلى الأصول: (لكي لا نتأمل قصة أو اثنتين فقط لأوكونور ولكن كل أعمالها القصصية التي تقف بين أعمال أنصاف الآلهة أمثال ميلفيل وجيمس وتوين يجب أن نواجه قضية وصولها للكمال أو فقدانها له في ضوء ساطع مفاجئ. إن أعمال أوكونور على كل روعتها لا تستطيع أن تحجب ضيق أفق محدد خاص بالتشديد على كلمة أو مقطع ما، وأيضاً التنبؤ المسبق بالتكنيك .. إن أسهم أوكونور تستحق ما يطلق عليه وول ستريت تصحيحاً).
وفي ثوان معدودة يكون بمقدورنا تصنيف قوائم طويلة بأسماء الكتاب الرجال الذين تتسم كتاباتهم ـ لأسباب عديدة وبكل المعايير ـ بالقسوة الشديدة، بحيث تخلو أعمالهم من العاطفة إلى حد بعيد وتمتلئ بالحدة والطموح. ويمكن أن نضيف قائمة بأسماء الكاتبات أمثال ميلر وروثكي وغيرهما. وقد تتصدر أني نين مثل تلك القوائم. ولكن تلك القوائم غير وثيقة الصلة بالموضوع مادمنا لا نتعامل مع الحقائق. ولا يعتقد أحد سوى ميلر وقليل من النقاد المهووسين بمناصرة المرأة أن الرجال يكتبون بلغة والنساء يكتبن بلغة مغايرة. ويوجد دائماً كتاب عاطفيون قليلو التبصر من كلا الجنسين، والأمر الملغز بحق هو كيف يسارع الرجال بتوصيف الانفعال النسائي بأنه إفراط في عاطفية تافهة، وكيف أنه عادة ما تمر أنواع معينة من العاطفية الذكورية دون أن يصفها أحد على أنها عاطفية. ربما لأن الرجال يدركون ـ بينما لا تدرك النساء هذا ـ أنه لكي تندفع فيما يخص مشاعر شخص ما فإن الأمر يتطلب شجاعة مشابهة لشجاعة مواجهة ثور في حلبة المصارعة.
هناك هجوم آخر عادة ما يتم توجيهه للكاتبات، وهو أن أعمالهن محصورة في مجال ضيق (بين المخدع والمصلى). بينما يكتب الرجال أعداداً مهولة من الكتب الضخمة بحجم دليل التليفون عن قصص زاخرة ببطولات مدينة كبيرة، أو طبقة اجتماعية ما، أو عن مصيرنا القومي أو عن ماضينا ومستقبلنا التكنولوجي. أما النساء فيكتبن أدباً قصصياً بالغ الصغر إذ تدور أحداثه عادة داخل الحجرات عن أسر صغيرة ذات مشاكل محدودة. وليس هذا بغريب، ما دام استحواذ المشاعر عليهن يعمي أبصارهن عن الحقائق الاجتماعية السياسية الأضخم الموجودة خارج الحجرات الصغيرة التي تمثل مسرح تفاعل الأحاسيس لديهن.
ما دام الأدب يصر أن الأضخم والأوسع هو الأفضل، يجب القول إن النساء (سواء في الأدب القصصي أو في الحياة الواقعية) قد تحركن لما وراء ساحة اللعب إلى ساحة القتال، ولما وراء المطبخ الآمن إلى العالم الخارجي بشره وضخامته. وهناك نموذج بارع وهي رواية (رزنامة الموتى) لليسلي مارمون سيلكو.
تقدم هذه الرواية الحماسية الملحمية والبطولية العنيفة، في تشكيلها الرؤية نبوئية للثورة الانتقامية المبررة للهنود بطول أمريكا وعرضها، خريطة تساعد القراء على متابعة الحبكة الروائية من الأريزونا ونيومكسيكو إلىآلاسكا ومكسيكو ونيوجيرسي. ولكن الرواية تعرفك دائماً أين أنت، لذلك فأنت لست بحاجة للرسم البياني أو قائمة الشخصيات التي تضم أفراداً من الشعب الماياني والقوقازي وأبناء أمريكا اللاتينية سواء من شمال أو جنوب الحدود وشخصية تلفزيونية مشهورة متخصصة في تحديد موضع الأموات المفقودين وشامان امرأة باستطاعتها تدبير حوادث اصطدام الطائرات عن طريق حك جلد حيوان على شاشة تلفزيون، واندلاع ثورات يقودها شقيقان تتحكم فيهما أ رواح طيور ببغاء أمريكي ضخم طويل الذيل، ودعّار وقضاة ومحامون وسياسيون من المكسيك والولايات المتحدة وشقيقتان شريرتان تتاجران في الكوكايين ومهربو مخدرات وأسلحة ومجرمون ومدمنون وراقصات إستربتيز رخيصات وأطباء بيطريون فيتناميون.
لا يستطيع أحد الادعاء أن رواية تتصدى لفترة تستغرق قروناً من العلاقات الأوروبية-الأمريكية تعد رواية متواضعة أو صغيرة. ومع ذلك لا يزال الاستمرار في تذكير الكاتبات ـ وكما اقترح إجرتون بريدجز على فرجينيا وولف ـ أن تعترفن بحدود جنسهن بشجاعة.
قد يستنتج المرء من الاستفظاع الذي قوبلت به رواية سيلكو التي نشرت عام 1991م ـ أنها هي ذاتها كانت تخطط لكل الجرائم الدموية التي احتوتها الرواية. وكم انزعج النقاد من تلك الرواية ومن تلك المؤلفة الغاضبة (التي تحتدم بإعراض نصف مدرك مع عدم قدرة على إبداع شخصية واحدة محببة أو حتى محتملة) وأن (حكمها السيئ وبراعتها غير الكافية وعدم وجود حبكة روائية) وما هو أسوأ من ذلك (رؤيتها المشددة للجنس على أنه قذارة، بالاضافة إلى التركيز المستمر على العضو الجنسي الذكري، يوضح أنه ليس الرواية وحدها في حاجة إلى عون علاجي).
كما وصف آلان ريان في USA Today رواية سيلكو بأنها ليس بها حبكة درامية ولا شخصيات. وقد واجه باول ويست الذكي المشكلة نفسها التي شاركه فيها قراؤه: (وجدت نفسي أحدق للخلف متسائلاً من يكون من؟ فقط لكي أتذكر تفاصيل صغيرة لم تساعدني ـ رغم كونها مفعمة بالحيوية والطقاة ـ في العثور على ضالتي المنشودة وهي شجرة عائلة ما .. لم تشغل سيلكو بالها كثيراً بعلم النفس والكلمة غير المنطوقة، فالفكرة غير مكتملة، والهمس مفقود). وخدم نقد جريدة سان فانسيسكو المحلية هذا التقليل غير المتعمد من شأن الرواية: (فيما يزيد على 750 صفحة تعد رواية Alamanc of the Dead ـ دون شك ـ أطمح الروايات التي كتبت بقلم هندي أمريكي). كما اختتم تشارلز لارسون Charles Larson نقده في الواشنطن بوست بقوله: (اكتظت الرواية بالعديد من القصص بحيث يستحيل عليك معرفة متى تأخذها مأخذ الجد).
سيتعين على القراء غير المعتادين على قراءة الرواية تصديق حديثي كما هو، أما هذا العدد القليل من النقاد أمثال آلان شويس الذين اعترفوا بالرواية ككتاب يجب التعامل معه ـ هؤلاء بامكانهم متابعة الخط الروائي. وعلى أية حال، إن موضع الخلاف لا يتمثل في العرض المزري والنقد الذي يسيء إلى كتب جيدة، ولكن يتمثل في ندرة تعرض الكتاب من الرجال لنقد يستخدم نفس التعبيرات المستخدمة في نقد الكتابات النسائية. فلا يبدو أن أحداً قام بإحصاء شخصيات ديفيد فوستر والاس أو اشكتى من رواية Under world لديليللو تحتوي على كثير جداً من القصص الفرعية أو توجيه اللوم لمؤلفي الرواية من الرجال لعدم الاهتمام الكافي بعلم النفس. وعندما مط توماس بينشون حبكة روايته إلى الأوزون كنا على استعداد لقبول فكرة أنها جزء متعمد من أسلوبه ولم نعتبرها مشكلة ركاكة، بل وصفها باول وست سيلكو في نقده لها بأنها (ذات عقل مجهد لشخص عرقي).
إن الشيء المشترك بين كاتبات مثل إيزنبرج وسيلكو وجالانت ومونرو وجونسون وأوكونور ـ غير أنهن من جنس واحد ـ هو أنهن حادات الذكاء ويخبرننا بأشياء قد نختار ألا نسمعها. كانت فرجينيا وولف أول مَن فكر لماذا يشعر الرجال بعدم الراحة عند سماع الحقيقة من النساء: (لقد عملت النساء كل هذه القرون كمرايا ذات قدرة سحرية على عكس صورة الرجل مكبرة ضعف حجمه الطبيعي .. مما يوضح جزئياً أهمية النساء لدى الرجال عند تعرضهم لنقد النساء، ومدى استحالة تصريح المرأة للرجل بأن هذا الكتاب سيئ أو هذه اللوحة ضعيفة أو أي شيء من هذا القبيل ـ دون أن تسبب ألماً وتتعرض لخطر أكثر بكثير من الألم الذي يسببه الرجل والخطر الذي يتعرض له لو أنه وجّه النقد نفسه للمرأة. إذ أنها عندما تبدأ في قول الحقيقة تنكمش صورة الرجل في المرآة وتقل صلاحيته للحياة).
ومن الواضح الآن، من الفقرات القصصية والنقدية المذكورة آنفاً أنه ما زال الأدب القصصي المكتوب بأقلام نسائية يقرأ بشكل مختلف مع وجود التعصب والمفاهيم المسبقة المعتادة إذ نادراً ما يوجه النقد للكتاب الرجال على غضبهم، بل إن فيليب روث محبوب من أجل احتدامه. ولم يوجه سوى عدد قليل من النقاد تحذيراً لروبرت ستون لانشغاله بلا فائدة بأماكن من العالم يدير فيها رجال وكالة المخابرات الأمريكية CIA عملياتهم في هيئة رجال أعمال. ولم يجرؤ أحد أن يصرح أن رواية (اختيار صوفي) لويليام ستيرون هي رواية تاريخية تحتوي على كثير من التلاعب وغير صادقة في نواح عديدة مثلها في ذلك مثل رواية (ذهب مع الريح) لمرجريت ميتشيل.
ومن الصعب تصديق أن رواية (مذكرات مشجع) لفردريكا إكسلي قال عنها ناقد في نيوز داي: (إنها أفضل رواية كتبت باللغة الإنجليزية منذ رواية جاتسبي العظيم).
وفي النهاية، يمكننا القول إنه بالطبع من اللغو أن نميز أو نصنف أو نقوم الكتابة تبعاً لجنس المؤلف، أو أن ندعي إصرار الكاتبات على كل شيء من شأنه إثارة مَن يعانون من الخوف المرضي من النساء.
إن روايات مثل (الكبرياء والهوى) أو (أنا كارنينا) أو قصة مثل (مقدمة) لمانسفيلد أو (ماركيز أو) لكلايست لا تتجاوز فقط وقائع حياة المؤلف ولكن السلوك والعادات وأيضاً الرونق الظاهري للفترة التي كتبت فيها.
وستبقى هناك دائماً درجات توضع فيها أعمال الأدب القصصي، ومعايير لا تعتمد كثيراً على التفكير النمطي والمفاهيم المسبقة، بل تعتمد على الإبداع والمكاشفة والقدرة على ترجمة الحياة على الورق المطبوع بكل بساطتها وتعقيدها الغامض.
ولكن ليس هناك لغة نسائية ولغة رجالية ولكن هناك لغة حقيقية أو مزيفة، دقيقة أو مبهمة، ملهمة أو ثقيلة مملة. ولو أنه حدث ـ في المستقبل ـ انقلاب غريب من شأنه لخبطة أو محو أسماء المؤلفين من على كل أغلفة الكتب في كل المكتبات، سيجد القراء صعوبة ـ سوف تزداد بانخراط عدد أكبر من النساء في الحياة المهنية وفي الجيش ونخراط عدد أكبر من الرجال في الأعمال المنزلية ـ في تحديد جنس كتاب تلك الكتب. أما الفرق الوحيد المهم الذي سيبقى فهو الفرق بين الكتابة الجيدة والكتابة الرديئة.
|