تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

جنسانية المرأة العربية وإشكالاتها مع الرجل
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

عدنان حب الله
مهما إختلفت الثقافات وتنوعت الشعوب وعاداتها، يتبين من خلال عملية بروز الفارق الجنسي، أن النتيجة هي واحدة:
1- على الصعيد الشخصي تحديد الهوية الجنسية لكل من الطرفين الرجل والمرأة منذ الولادة وتماهي كل فرد بجنسه فيما بعد.
2- وعلى الصعيد الإجتماعي، تنظيم العلاقات الإجتماعية وتحديد دور الرجل ودور المرأة، وضبط العلاقات الجنسية بشكل لا يضيع إسم الأب، الذي يشكل محور الترابط الإجتماعي وهوية الفرد ونسبه بين الجماعة. فالفوضى الجنسية تؤدي إلى ضياع إسم الأب وبالمناسبة تؤدي إلى الفوضى في الهويات، فلا يعود الفرد يميز بين الأخ والأخت والأم. وبما أن المحرم الرئيسي هو الأم، والذي لا يخلو مجتمع في العالم من الإشارة إليه ظاهراً أو ضمناً، فلا بد إذاً من التسمية اللغوية، ودخول اللغة متاخم لهذا التحريم، لأنه من دون التسمية اللغوية لا يمكن أن نميز بين موقع أفراد العائلة. فالتحريم واللغة عمليتان قائمتان في حد ذاتهما وفي نفس الوقت.
من هذا المنطلق، العلاقات الجنسية محكومة بفجوة تفصل الطرفين.
إذاً السؤال: لماذا لا يزال الرجل الشرقي يتمسك بإمتيازاته على المرأة والوصاية عليها؟
يتبين لنا أنه كلما تطورت المرأة وطالبت بالمساواة مع الرجل شعر بأنه مهدد برجولته وقواعده النرجسية. الهاجس الأساسي الذي يقلق راحة الرجل الشرقي، هو إنفتاح كل أبواب الحداثة على مصراعيها، ولم تعد تفصلها حواجز وحدود جغرافية، فقد دخل الإعلام المرئي والمسموع كل بيت وفي أي مكان في العالم دون إذن مسبق. وأصبح الرجل يخاف مما يحصل، لأنه لا يملك الحجة المنطقية لدحض هذا التقدم والتطور الذي حصلت عليه المرأة في جميع الحقول.
الخوف الأساسي الذي يلاحقه هو جنسانية المرأة، وحرية رغبتها- يفضل الوهم على مواجهة هذا الواقع- فإذا حجّبها كيف يضمن معالم جسدها من الإثارة؟ وإذا غطّى كامل جسدها وأبقى على عينها، كيف يضمن أن تخون النظرات ما أخفاه الحجاب؟ وإذا وضع البرقع، كيف يضمن من وراء حجبها أن ترى ولا تُرى، فتتكوّن عندها كل هوامات الإثارة الجنسية كموضوع مخفي.
الشيء الذي يصعب على الرجل، وإن كان رجلاً شرقياً أو غربياً، أن يمتلكه هو رغبتها. يملك الجسد ولكنّه لا يستطيع ضمان ملكية الرغبة- والعمل العيادي شاهد على ذلك. فكثير من النساء يصرّحن بإخلاصهن التام لأزواجهن، ولكنهنّ لا يستطعن الإمتناع عن التفكير والحلم بالشاب الذي يحظى بموضوع الرغبة في خلال الجماع- كما لو كانت تمارس الجنس معه عبر زوجها.
هذه الحالات معروفة في كل الأوساط النسائية التي تقع تحت سلطة القمع- فيأخذ المتخيّل مجاله الواسع ليحل محل الواقع- وأي رجل لا يستطيع أن يتحكّم بخيال زوجته أو حتى بأحلامها الجنسية.
ولا أبالغ إذا قلت أنّ أهم الأمور التي يواجهها المجتمع الشرقي في عصر الحداثة: هي مواجهة المرأة وتحقيق ذاتها عبر تمتّعها بحريتها- فتقبل هذا الحدث الجديد يتطلب منه إعادة النظر بموقعه الفحولي المتوارث منذ أجيال عديدة.
يقول فرويد: أن الرجل في الغريزة متعدد النساء ولم يصبح وحيد الزوجة إلا تحت تأثير الحضارة ورغماً عنه. فلذلك نراه يتسنح الفرصة لإقتناء أمراة ثانية وثالثة أو مغامرات متعددة، تحت ستر السرية التامّة. في الواقع أن طبيعة الرجل مطابقة لهذا الوصف- ولكن الإنسان الحضاري- أي الإنسان عندما أخذ منحى الثقافة وترك الطبيعة، أصبح بالتدرج أي وحيد الزوجة- ومفترق الطرق بين الطبيعة المتوارثة والمكتسب الثقافي هو الأوديب.
بالمقابل يشهد العالم منذ بداية القرن الماضي، تحرُّر المرأة واكتسابها الحقوق المدنية والإجتماعية. فحق الإقتراع حصلت عليه في فرنسا في الأربعينات وتعمّم على معظم المجتمعات ودخلت ميادين لم يكن يُسمح بها سابقاً كالشرطة والجيش والقضاء. وأصبح حضور المرأة قوياً، وحجتها في الدفاع عن حقوقها مقبولة ومنسودة بقوانين جديدة أعطتها حقوقاً جديدة قي الطلاق وفي حضانة الأولاد. فهذا التطور السريع على الصعيد العالمي حاصر الموروث السائد في المجتمع الشرقي، وبيّن تنافره مع المفهوم الحضاري الحديث.
كيف يواجه الشرقي هذا التطور السريع سيّما بعدما دخلت المرأة مجال العمل- وأصبحت معيلة للعائلة بنفس النسبة للزوج؟ هل من الممكن ان يتخذ امرأة ثانية على حساب الأولى؟
تطوّر وجود المرأة وحضورها على الساحة العملية والإجتماعية والنفسية، فرضا على الرجل وضعاً جديداً لم يعهده في السابق- فإن تطلّب هذا التطور العديد من العقود والنضال حتى نالت حقوقها في الغرب، إلا أن المجتمع الشرقي بقي غريباً عنها وبمنأى من تأثيرها بسبب الحدود الجغرافية واختلاف المفاهيم الدينية والثقافية. فاقتصر وجودها على مربية منزل، والخضوع التام لزوجها، لأنها مرهونة به مادياً وعائلياً وإجتماعياً، فهذا أولاً معيلها الرئيسي يستطيع في أي لحظة حرمانها من حاجاتها الحياتية - وثانياً اجتماعياً: كما يشاع في الأوساط التقليدية "ساتر عرضها" أي إذا ما طلقت أشارت إليها أصابع الإتهام أينما ذهبت- بل تصبح ناقصة بنظر المجتمع وعبئاً على عائلتها- ثالثاً: بإمكانه في حال الطلاق حرمانها من أولادها: برغم حاجتهم الماسّة إلى عطفها وحنانها.
الآن بعدما انفتحت أبواب المعرفة على مصراعيها، أصبحت المعرفة في حكم الوجود الدائم والذي يتنكّر له الجميع سواء بصيغة دينية، أم بالإتهام بأن هذه الحرية تدخل في خانة المنكر إن لم تتهم بالخلاعة التي يجب على كل مسلم أن يتجنّبها حتى لا يعرّض نفسه لمخاطر الشهوات.
السؤال هنا إذا كان الحجاب يحجب جسد المرأة عن نظرات الآخرين، هل بالمقابل يحجب رغباتها عن اشتهاء الآخرين من وراء الحجاب؟
المشكلة لا تتوقف عند هذا المنظور بل تتعدّى ذلك لتطال بذلك ذاتية المرأة وتكوينها الذي يختلف عن الرجل. إلى الآن علاقة الرجل الشرقي مع المرأة تتأرجح بين نقيضين:
الأول: موضوع جنسي، يفقد قيمته عند استهلاكه- وجاذبيته وأهميته تكمن في مقدار اشتهائه- ولكن هل فكر الرجل أن وراء هذا الإغراء الجنسي تكمن ذات مقموعة، معذبة قد عانت ولا تزال تعاني من قمع العائلة. والمجتمع لأي فسحة للتعبير الصحيح عن مشاعرها وأحاسيسها الإنسانية؟ أمام هذا المطلب الموضوعي تفقد المرأة كل ذاتيتها وحتى وجودها كإنسانة. أهميتها في المنزل الزوجي تُقاس بمقدار طاعتها له ولنزواته وتقلُب مزاجه.
ونجد أنها لا تاخذ أهمية أو مكانة فعلية إلا بعد أن تصبح أماً، سيّما إذا أنجبت ذكوراً تؤمن سلالة الأب.
والأبناء يُربون عادة في حضن أمهم ورعايتها- ووجود الأب يخضع بحكم العمل إلى غياب متقطّع، يجعل من الأم رصيده الوحيد في الحياة. ولهذا الغياب آثار سلبية تنعكس على الطفل وعلى الأم في آن واحد. فهذه الأخيرة تعزز اهتمامها بابنها وتعوض بوجوده عن غياب الزوج عنها- فيحصل من جرّاء ذلك أن تقوي النرجسية عند الطفل وتدعم ذكورته إن لم تجعل منها الموضوع الأهم بين المخلوقات. فيساهم هذا المسلك في تقديس الأمومة وفي تعزيز نظراته الدونية إلى الأنثى.
الثاني: تقديس جسد المراة: ابتداءً من عذريتها وانتهاءً باكتساب صفة الأم فيما بعد.
وإذا نظرنا إلى الحجاب، فإضافة إلى ما ذُكر سابقاً: هنالك حرص وغيرة عند الرجل بصورة عامة أن يخفي عن الأنظار ما هو مقدّس بالنسبة له. والمقدس هنا بالمفهوم هو المجرّد من كل تلوّث جنسي.
فأي مقطع من الجسد يثير الغرائز ويظهر إلى العلن يُفقد هذا الجسد قدسيته.
وهذه القدسية تعود إلى مصدر الحياة الذي يعطي للمرأة مكانتها المقدّسة، التي تنطلق من الرحم، أو من جذعها الحرم- فنجد: رحم- رحمن- رحيم- مرحوم- رحمة- أو حرم- حرمة- حريم- حرام- محرّم- إلخ.
هذا الجزء من جسد المرأة يحاط بقدسية، تعادل مفهوم الشرف- فأي انتهاك للرحم، يشكل تعدّياً على حرمة الجماعة، ويتلطخ اسمها بالعار- لأن هذا المكان من الجسد يخضع لشرعية ولطقوس ولعقد ديني وإجتماعي يخول الدخول إليه. فهو مصدر الحياة ولكن بشرط واحد أن يحمل اسم الأب.
يتبين لنا أن حرية المرأة ليست مقتصرة على حقوقها التي هي حق، إنما على مدى تقبل الرجل لهذه الحرية. فإذا كانت لا تزال في مفهومه المتوارث على أنها موضوع جنسي فقط، فإنه سيبقى حريصاً وغيوراً على كل قطعة من جسدها لكونه يدخل في ملكيته الخاصة. أما إذا اعتبر أنه إلى جانب الموضوع الجنسي هنالك ذات إنسانية تتحكم بها رغبة خالية من الجنس، عندئذ تتغير نظرته ولا يمكن أن يبقى حبيس معادلة المرأة في الجسد. فتطبيع هذه العلاقة كما يتبيّن يتطلّب تطوراً في آن واحد: من المرأة أن تخرج دون خجل من الموقع الذي وجد لها في الموروث الإجتماعي، ومن الرجل، أن يسقط من تفكيره أن المرأة كناية عن موضوع جنسي استهلاكي، وأنها تحمل في طياتها ذاتاً إنسانية أكثر التزاماً وحرصاً على الكرامة والشرف والآدب العامة. ولكن هذا التطبيع لا يحصل إلا إذا أقر بواقع لا مفر منه، وهو أن هذه المرأة تملك رغبة تخرج عن إرادته وسلطته ولا يمكن بشتى الوسائل التي يمكن أن يستعملها أن يمتلكها بشكل نهائي- وألاحظ في العمل العيادي عند النساء اللواتي يتعرضن لحادث اغتصاب، وأتساءل لماذا هذا العمل الجنائي يأخذ أبعاداً كبيرة، برغم أنه لا يترك أثراً جسدياً يوازي الإعتداء؟ علماً كما يقول النبي سليمان الحكيم أن أربعاً إن مروا لا يتركون أثراً: النسر عندما يحلّق في الأجواء والمركب إذا أبحر في المحيط والحيّة عندما تزحف على الصخر والرجل إذا مر على جسد المرأة. إذاً جريمة الإغتصاب تكمن في اختراق رغبة المرأة، وهي قدس من المقدسات فعندما تتعرض للإعتداء تشعر بأنها سلبت رغبتها، وفقدت بالمناسبة ملكية جسدها. ولذلك عواقب وخيمة فيما بعد، تترجم عيادياً بفقدان الرغبة أو بالإمتناع عن العلاقات الجنسية، أو العكس بفصل الرغبة عن الجسد، فتستعمله كسلعة وقائية تعطيه للعديد من الرجال لكي تغير المشهد الصادم، بإمكانها الإحتفاظ برغبتها والهزء من الرجل لتحويله إلى موضوع استهلاكي لا فائدة منه إذا ما قضى حاجته.
المصدر: كتاب إشكاليات المجتمع العربي
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com