|
عبلة أبو علبة*
شهدت المجتمعات العربية منذ بداية التسعينيات، عهدًا جديدًا في تاريخ وبرامج عمل المنظمات الأهلية النسوية، التي أصبح يُطلق عليها عالميًّا، المنظمات غير الحكومية، فقد تعددت هذه المنظمات وتضخمت كثيرًا قياسًا بعدد السكان، دونما تطوير جَدِّي على برامج العمل أو مضمون العلاقة مع الفئات النسوية العريضة. والملاحظ يستطيع أن يشهد على ذلك في كل من: مصر، فلسطين، لبنان، الأردن، تونس، والمغرب.
إن السمة البارزة التي باتت تحكم علاقة المنظمات النسوية بمجتمعاتها، وبجمهورها النسوي بشكل خاص، هي سمة الاغتراب والتشويش، فقد أصبحت وظائفها غامضة فيما يتعلق بإبراز شخصيتها الوطنية والقومية، على عكس ما كانت عليه الحركة النسوية العربية في الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات.
لقد شكلت المنظمات النسوية العربية منذ الخمسينيات، نموذجًا كفاحيًّا واضحًا للعمل في اتجاهين: أولهما مقاومة الاحتلال والتبعية للأجنبي، وثانيهما معالجة الآثار الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها سياسة الاستعمار والتبعية والتخلف وغياب الديمقراطية. لقد عملت الحركة النسوية في ذلك الزمان ضمن ظروف صعبة على المستويات الوطنية والاجتماعية، ولكنها تمكنت بفضل وضوح برامجها وتحديد أولوياتها واعتمادها على الجمهور العريض من النساء، أن تُكَوِّن ملامح شخصيتها الوطنية الساعية إلى التغيير الاجتماعي والتحرر من الاستعمار. وإذا ما أخذنا بالاعتبار ضعف مؤسسات المجتمع المدني في بلداننا العربية أو عدم وجودها أصلاً، نستطيع أن نتصور ونُقَدِّر - بصورة أكثر دقة - حجم المهمة التي حملتها هذه المنظمات على عاتقها في التصدي للمهام الوطنية والاجتماعية الكبرى، ولدينا هنا أمثلة بارزة من فلسطين، ومصر، ولبنان على الحالة الكفاحية المتقدمة التي مثلتها الحركة النسوية في هذه البلدان منذ الخمسينيات.
الآن، وعندما أصبح مطلوبًا الإجابة على الأسئلة الكبيرة المتعلقة بطبيعة الصراع الوطني والقومي الذي تخوضه شعوبنا العربية منذ أواخر القرن العشرين، فقد رافق هذا الوضع اختلالاً واسعًا في وحدة الحركة النسوية العربية وتشوشًا كبيرًا فيما يتعلق بهويتها والأهم من ذلك كله: عزلة كبيرة عن جمهورها ومجتمعها بمكوناته الحضارية وآمالها المستقبلية في التحرير والانعتاق من التبعية الاقتصادية والسياسية.
إنه لأمر غريب حقًّا ومستنكرًا أيضًا أن يتبنى عدد واسع من المنظمات النسوية الحديثة العهد - في فلسطين المحتلة مثلاً - الدعوةَ إلى فصل المهام الاجتماعية عن الواقع السياسي هذا في ظل استمرار وجود الاحتلال واستفحال مشروع الاستعمار الاستيطاني على حساب الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وبدلاً من أن تعمق هذه المنظمات من وعي النساء بطبيعة المشكلات الاجتماعية ربطًا بسياسة الاحتلال والمصائب اليومية التي تقع على كاهل الشعب الفلسطيني بسببها، فهي تدعو للتركيز على بعض الظواهر الاجتماعية المتخلفة بمعزل عن واقعه ومحيطه السياسي. لقد حدث قبل عام من هذا التاريخ، أن دعت مجموعة منظَّمَة من النساء الفلسطينيات إلى تعديل بعض قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالإرث والطلاق، وتعدد الزوجات، وكان التعديل باتجاه المساواة في الإرث ومعاقبة الذي يقدم على الزواج من ثانية وثالثة دون عذر مشروع.. إلخ، هذا في الوقت الذي تسود فيه عادات اجتماعية متخلفة عما جاء في نصوص القرآن الكريم حول الإرث والطلاق وتعدد الزوجات، حيث يتم مثلاً حرمان المرأة في القرى تحديدًا من الإرث عَنوة أحيانًا، وبالتهديد أحيانًا أخرى، وبدلاً من المطالبة بتطبيق ما جاء في القرآن حول حق المرأة في الإرث فقد جاءت الدعوة للتغيير؛ لتقفز عن واقع اجتماعي شديد التعقيد والمحافظة، الأمر الذي آثار ضجة عدائية واسعة ضد كل من يساند هذه الدعوة، وكادت تحدث فتنة اجتماعية داخلية في المجتمع الفلسطيني الذي ما زال منذ 52 عامًا يعيش في ظل الاحتلال الصهيوني. فأين هي هذه الدعوة من أولوياتنا الوطنية والاجتماعية ؟!
تاريخ كفاحي
مع العلم أن المنظمات النسوية الفلسطينية لها تاريخ كفاحي عريق منذ بداية القرن في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني؛ إذ جمعت في برنامجها بحنكة وبصيرة نافذة بين المهام الوطنية بمختلف أشكالها – بما في ذلك الكفاح المسلح – والمهام الاجتماعية الإنسانية. وكان يفترض اتساقًا مع التاريخ أن يتم البناء على هذه التجربة المجيدة وتطويرها والتعلم من دروسها، بدلاً من تجاهلها والاكتفاء بتوثيقها في المكتبات.
ولعل المثال في فلسطين هو الأكثر حدة، بسبب وجوده على أرض الصراع بأبعاده الوطنية والقومية، ولكن المثال ينطبق أيضًا على اتجاهات عمل عدد واسع من المنظمات النسائية في البلدان العربية التي تعاني من أشكال أخرى من الصراع الاجتماعي والاقتصادي.
فالجميع يعرف أن استمرار خصخصة القطاع العام في مصر وتونس والأردن واليمن، قد أدى إلى هبوط المستوى المعيشي لآلاف الأسر دون خط الفقر، ودون وجود أية ضمانات اجتماعية، وفي ظل غياب أو ضيق هامش الديمقراطية السياسة والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار. ودون الغوص في الجانب الاقتصادي، ولكن هذه السياسية لا تعني سوى شيء واحد وهو تشريع تبعية هذه البلدان للرأسمال العالمي. إن المطلوب والحالة هذه ليس انجرار المنظمات النسوية العربية أيضًا لسياسة التبعية للمنظمات العالمية غير الحكومية وبرامجها المسقطة على شعوبنا ونسائنا التي تستهدف إبعاد فئات اجتماعية واسعة عن خوص الصراع من أجل العدالة الاجتماعية وحماية استقلال البلاد، بل وضع إستراتيجية واضحة وأساليب عمل جديدة، وخطاب متطور يجمع بين الهموم الاجتماعية الوطنية، ويَمُدُّ أواصره إلى المصالح القومية في مقاومة الأشكال الجديدة من الاستعمار الحديث والتبعية والإلحاق الاقتصادي والسياسي.
دوافع أخرى
فما هو الدافع لدى هذه المنظمات من أجل تغيير برامجها واتجاهات عملها على هذا النحو الدراماتيكي ؟! ، وما هي محصلة المنظمات الدولية في إملاء شروطها البرنامجية عبر هؤلاء "الوسطاء" المحليين ؟
للإجابة على هذه الأسئلة المركبة، نستعيد ما قاله المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان في الأردن، وذلك في المؤتمر النسوي الذي نظمه الصندوق وحضرته ثلاثون منظَّمَة غير حكومية من البلدان العربية والعالم أوائل عام 97: "إننا معنيُّون بتخفيف الضغط عن حكومات دول العالم الثالث بسبب الهوة الشاسعة التي أحدثتها سياسة صندوق النقد الدولي في هذه البلدان بين الحكومات والشعوب، وحالة الفقر الشديد التي خلفتها نتيجة الديون وضعف الاقتصاد الوطني".
وتعتبر هذه المقولة حسب رأينا اعترافًا حسن النية بما آلت إليه أحوال العالم الثالث بسبب تمدد المصالح الغربية ونهب الثروات لهذه البلدان، بكل ما ينجم عن ذلك من مظاهر فقر وتخلف وتردي أحوال منظمات المجتمع المدني وتضييق هامش الديمقراطية، ولكن المساعدات المشروطة التي تقدمها هذه المنظمات الدولية بغض النظر عن نواياها الحسنة لن تحل المشاكل المستعصية التي خلفتها سياسة الغرب الاستعمارية بثوب مدني اقتصادي، بل على العكس، فإن مثل هذه المساعدات تعيد برمجة اهتمامات الفئات اجتماعية، وتوجهها نحو القضايا الثانوية بعيدًا عن المشاركة في صنع القرار الوطني.
الأخطر من بين هذه المنظمات هي تلك المرتبطة مباشرة بالدوائر السياسية لبلدان الغرب، والمخابرات المركزية الأمريكية التي بدأت تتوالد مثل الفِطْر في مجتمعاتنا تحت عناوين حقوق الإنسان ومقاومة العنف ضد المرأة، ومراكز الدراسات والأبحاث. إننا لا ننكر ضرورة تطوير عمل المنظمات غير الحكومية باتجاه تحسين وظائفها وترقية اهتماماتها نحو رصد حقوق الإنسان، وتحصيل المعلومات الضرورية من أجل رفع سوية برامجها وخطط عملها، ولا نعتقد أنه يمكن وضع الجميع في سلة واحدة من الاتهام، ولكن التركيز على هذه النقطة يستهدف إيقاظ القائمين على هذه المؤسسات ومن حولها بضرورة أن تبقى المرجعية وطنية خالصة.. قومية خالصة.. وعدم الانجرار إلى المرجعيات الخارجية والفتن الداخلية واستسهال الانقسامات والاختلافات في ظل ظروف نحن أحوج ما نكون فيها إلى التوحد في مجابهة مجمل الأخطار التي تهدد هويتنا الحضارية وثقافتنا العريقة.
انقسامات متعددة
وبمناسبة الحديث عن الوحدة، فالاتحاد النسائي العربي العام، الذي تأسس عام (1944م) انقسم على نفسه إثر توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979م، ثم عاد وانقسم مرة أخرى عام 1990م إِثْر حرب الخليج وإعادة الاصطفافات على أسس أخرى مختلفة. هذه المؤسسة النسوية العربية التي يجب أن نحافظ عليها بحدقات عيوننا، تخضع الآن لكل أنواع الخلافات بين الدول العربية، حيث تعكس المنظمات النسوية هذه الخلافات حرفيًّا ودون عوازل جماهيرية أو ارتقاء فوق مستوى الخلافات الرسمية إلى ما يمكن أن يبقى موحدًا لنا..
في نفس الوقت فقد تشكلت خلال السنوات الاخيرة العديد مما يسمى بالشبكات للمنظمات النسوية غير الحكومية في "البلدان العربية، الأمر الذي يدعونا للاعتقاد بأنه يتم عمليًّا تجاوز صيغة الاتحاد النسائي العربي العام، ببرامج وتوجهات لا تأخذ بالاعتبار الأولويات العربية عامة والوطنية بشكل خاص.
لعل هذه الفوضى في الانتماء، هي انعكاس لحالة الفوضى العامة في مؤسسات المجتمع المدني العربية، ودورها المتناقص في ظل انحسار الهامش الديمقراطي وخلط الأوراق والخلافات المدمرة على كل المستويات، ولكن مثل هذا الوضع لا يمكن أن يبقى بمعزل عن حالة النهوض من الكبوة التي بدأت بالاستيقاظ لدى عدد لا بأس به من الفعاليات والمنظمات الأهلية العربية، تحت وطأة الضمير الوطني والانتماء للشعب والأمة. لقد شاهدنا مؤخرًا في مؤتمرات عربية وعالمية هذه الصحوة لدى منظمات نسوية لم تُبْهِرْها دعوات التغيير المزيفة، ولم تُسْحِرْها عمليات التمويل الخارجي، تلك هي كلمة السر الطاغية على برامج عدد واسع من المنظمات الأهلية.
*ناشطة فلسطينية - عمان
|