تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

انتقام النساء طبق يؤكل بارداً
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* تحقيق سهى هشام الصوفي
المرأة تخطط له والرجل ينفذه على عجلة
هل قائل المثل المشهور: "من يرشني بالماء أرشه بالنار"، هو رجل؟ أم أن المرأة هي التي هددت وتوعدت من يقترب من منطقتها، ويمس كرامتها برد الصاع صاعين؟
تحقيق يسلط الضوء.
إذا سلمنا جدلاً بمقولة إن "الانتقام طبق يؤكل بارداً"، فهل يتشابه الرجل والمرأة في تحضير هذا الطبق؟ أم أن لكل منهما سياسته وأسلوبه، لا بل وطريقته في التعامل مع موضوع الانتقام والأخذ بالثأر؟ وهل صحيح أن رد فعل الرجل يأتي عفوياً ومن دون تفكير وتخطيط مسبق، في حين أن المرأة تخطط لرد فعلها وتدرسه من كل جوانبه ليأتي بنتيجة مضمونة؟ وما حقيقة الكلام القائل إن الرجل "لا يحقد" ولا يخبئ في قلبه، على العكس من المرأة التي "لا تنسى" وتظل تفكر في الانتقام؟
- العين بالعين:
ترفض بسمة في بداية حديثها أن تصف ما قامت به بأنه "انتقام"، فهو على حد قولها " بمثابة رد اعتبار لكرامتها التي أُهدرت أمام شلة من صاحباتها".
تستحضر بسمة الحكاية، من بدايتها، تقول: "فوجئت بصديقتي التي تعتقد نفسها واعظة اجتماعية، تستشهد بي كأم معذبة لا تقوى على تربية ابنتها".
وتمضي في سرد التفاصيل، لافتة إلى أن تلك المرأة "استغلت بعض القصص التي رويتها لها عن ابنتي من باب الصداقة و"فش الخلق" لتشهّر بي، مشيرة إلى أن "المسألة لا تتعدى رغبة ابنتها في الخروج إلى السينما مع صديقات الجامعة، أو تناول العشاء معهن".
بسمة، التي لم تجد رداً مناسباً على تصرف صديقتها في حينه، أقسمت بأن تنتقم منها. وإذ تكشف ما تُخطط له في هذا السياق، تقول: "أردت أن أجعلها تندم على اللحظة التي فكرت فيها في إحراجي". وتضيف: "كان عليَّ أن أستخدم السلاح نفسه الذي استعملته ضدي، فقررت أن أكسر قالب الوقار الذي تضع ابنتها فيه، ولقد حققت ما تمنيت". وتتابع: "فاجأتها بالسؤال: من أين تشترين ملابس السباحة لابنتك؟ فاحمرَّ لونها وتلعثم لسانها". لا تخفي بسمة، التي تصف لحظة تشفّيها بأنها "لحظة النصر"، أنها "لن تنسى كيف أربكت صديقتها (الواعظة)، ودفعتها إلى تبرير ذهاب ابنتها إلى البحر، على الرغم من أنها تخجل من ارتداء قميص بـ(نُص كم) كما تقول أمام الجميع".
- فضح أسرار:
تحاول دانا أشرفي (ربة منزل) أن تبرر ممارسة المرأة الانتقام، مؤكدة أنها تؤمن بأنه "لن يهنأ للمرأة جفن حتى تثأر ممن تسبب في أذيتها". وتُظهر دانا الفارق بين انتقام المرأة وانتقام الرجل، فتقول: "الرجل لا يستخدم سياسة التعبير مع رجل آخر، عكس المرأة التي ترى فيها ضرباً على الوتر الذي يوجع غريمتها". تضيف: "لا تمرُّ الكلمة عند المرأة إلّا بعد تفحص وتمحيص، بغية معرفة ما الذي تخفيه السطور، ما يدفعها إلى تحضير رد على (المسج) التي وصلتها بـ(مسج) أقوى وأشد قسوة". تتابع: "في المقابل، يختلف الرجل في التعبير عن انتقامه، حيث يتعدى حدود الكلمة ليصل إلى حدود الفعل"، مشيرة إلى أن "الكلام الذي يثير المرأة ويجرحها، ربما لا يهز شعرة في رأس الرجل". تضيف: "لا يشفي غليل الرجل من غريمه إلّا إذا تسبب في طرده من العمل، أو في جره إلى الإفلاس على سبيل المثال، في حين أن انتقام المرأة لا يتعدى فضح أسرار غريمتها أو إحراجها".
- بروفة انتقام:
الانتقام في الحكاية التي يرويها منير (محاسب)، لا يكشف قدرة المرأة على الصبر في التكتيك لانتقامها فحسب، بل يُظهر استمتاعها بأخذ الثأر ممن أهان أنوثتها وجرح كرامتها. يبدأ منير حديثه مستعرضاً النتيجة التي توصل إليها بعد أن اكتوى بنار الغيرة والشك على يد زوجته، ويقول: "لو كنت أعرف حجم وطبيعة انتقام الأنثى، لَمَا تجرأت على جرحها". ويتابع: "أقمت في لحظة طيش علاقة من زميلة لي في العمل، وحين وصل الخبر إلى زوجتي قبلت اعتذاري وتوبتي، بعد أن أقسمت لها بأنها نزوة عابرة لن تتكرر، لكن لم يخطر في بالي على الإطلاق أن زوجتي بدأت منذ تلك اللحظة تحضّر سم الانتقام على مهل".
يضيف: بدأ السيناريو عندما أخذت تسألني كيف تخفي المرأة الخائنة علامات خيانتها عن زوجها؟ مبرّرة سؤالها برغبتها في التعرف إلى نفسية المرأة التي أقمت معها علاقة سابقة". وإذ يؤكد أنه لم يفكر في أي هواجس تتعلق بأخلاق زوجته، إلّا أنه لا يخفي حقيقة أنه "سرعان ما وقع في الفخ"، فيقول: "توقفت زوجتي عن الرد على مكالماتي، أثناء خروجها من البيت، وراحت تتجنبني كلما حاولت الاقتراب منها". ويتابع: "غيَّرت مظهرها بشكل مفاجئ، صبغت شعرها، كثرت زياراتها إلى صالونات (المانيكير والبديكير)، وبدأت تغير في ساعات يدها وحقائبها، بحجة أنها هدايا من صديقاتها". مشيراً إلى أن الشك تملَّكه وهو يراقب تصرفاتها غير المألوفة، حتى هرب النوم من عينيه.
يعترف منير بأنه أمضى وقتاً عصيباً وهو يشك في زوجته، إلى أن عرف الحقيقة منها. وإذ يستحضر ما يصفه بأنه "يوم اعترافها"، يقول: "كنت ليلتها أفتش في خزانتها حين رأيتها واقفة أمم باب الغرفة تضحك". ويتابع كلامه: "سألتني إن كنت قد اكتفيت من تذوق الذل، الذي ذاقته وأنا أخونها". ومضت تقول: "لن أرحمك في المرة الثانية إذا فكرت في خيانتي"، مؤكدة أن ما فعلته كان "بروفة انتقام والبقية تأتي لو أعدت الكرّة" بحسب ما يقول.
- كيد:
يستحضر أشرف شريف (موظف) مثلاً تونسياً مفاده أن "كيد الرجل كيدين، وكيد المرأة 16"، مؤكداً أن "المرأة ماهرة في استعمال كل أشكال الانتقام حتى يرفع ضحيتها راية الهزيمة، معتمدة على فنون المكر والدهاء والتخطيط والكيد".
ويقول: "في المقابل، يبدو انتقام الرجل عنفي أكثر من كونه ثأرياً"، مشيراً إلى أن "الرجل لن يصبر على خيانة زوجته ليرسم استراتيجية انتقام، فقد يضربها، أو يطلقها، أو حتى يحرمها من أبنائها كأقصى شكل من أشكال انتقامه". ويلفت إلى أن "خيال الرجل لا يجنح كخيال المرأة"، معتبراً أن ذلك ما يجعل من انتقامها بمثابة ضربات قاضية.
- تملُّك:
في المقابل، يبدو انتقام حسن (رجل أعمال) أقرب إلى نزعة الغرور والتملك أكثر منه إلى نزعة الشر. فهو لم يُقدم على إلحاق الأذى بزوجته حين طلبت الطلاق، ولم يمد يده ليضربها، إنما ثأر لكرامته وخرج من الحكاية "كالرجل المسكين الذي ظلمته امرأة"، على حد قوله.
يدخل حسن في التفاصيل، فيقول: "لم يكد يمرُّ عام على زواجي، حتى طالبتني زوجتي بالطلاق". ويتابع: "كان طلبها بمثابة الضربة على رأسي، فكيف أترك الناس ينهشون سمعتي ويقولون ابن الحسب والنسب تركته زوجته؟".
رغبة حسن من الانتقام من زوجته "كانت ملحة"، كما يقول، فهو لم ينتظر يوماً واحداً حتى أطلق شائعة مفادها أنه "سيطلقها لأنها عاقر"؟ ويمضي حسن في كشف أوراق انتقامه، فيقول: "طلقتها في غضون أسبوع، وحولت النميمة عن خبر الطلاق إلى مواساة أغرقني بها الناس، آسفين على حظي السيئ". وماذا فعلت مطلقتك؟ يجيب ضاحكاً: "تزوجت في العام نفسه وأنجبت ولداً".
- تحدٍّ فاشل:
يبرر محمد حلاق (تاجر) انتقام الرجل بأنه "بمثابة رد فعل غاضب على فعل لا يتحمل تبعاته. أما المرأة ففي انتقامها ذكاء أكثر وتهور أقل". كما يقول، لافتاً إلى أن "الرجل ينتقم رغماً عنه حتى ينقذ ماء وجهه، في حين تنتقم المرأة عامدة متعمدة، ولو مرّ وقت على حدوث ما يؤلمها".
- ثأر غريب:
بخلاف الروايات السابقة، ثمة شكل آخر للانتقام في عرف فاتن، انتقام لا يشبه سواه، لكونه صادراً عن امرأة تخشى خراب بيتها، وفي الوقت نفسه تريد الثأر لكرامتها الجريحة.
كتبت فاتن سيناريو الانتقام في ذات الليلة، التي فاجأها فيها زوجها بخبر زواجه. تتذكر تفاصيل ما جرى، مستعيدة ذكرياتها المؤلمة، تقول: "برر رغبته بأن قلب الرجل يتسع لامرأتين، وكم بكيت وأنا أتخيله في حضن امرأة ثانية، وأنا أتذكر سنوات زواجنا الـ15 من دون أن أفتح فمي بكلمة اعتراض واحدة". تُبرر فاتن صمتها في ذلك الوقت بالإشارة إلى اقتناعها بأن "قرار الرجل الزواج الثاني لن يتغير، حتى ولو غرق بيته بدموع امرأته الأولى". وتضيف: "كان علي ألا أتهور في ردِّ الفعل، حتى لا أخسره إلى الأبد". على الرغم من ذلك، لا تتردد فاتن في استحضار تفاصيل ما تصفه بـ"سيناريو الانتقام". وتقول: "أرسلت إلى بيت العروس ليلة عقد القرآن باقة زهور باسمي، وباسم أبنائنا الثلاثة، ورتبت حقيبة سفره لشهر العسل". وتتابع: "كان يراقبني بذهول وأنا أشاركه ترتيبات زواجه"، متحدثة عن "قدرة المرأة الفائقة على إخفاء انفعالاتها خاصة، وهي تسنُّ أسنان الانتقام لتستعملها ضد زوجها".
تؤكد فاتن أن انتقامها من زوجها "أثمر محبة مضاعفة لها". وتسترسل في سرد التفاصيل، فتقول: "منذ يوم زفاف زوجي، وأنا أعد الطعام لأهل بيتي وبيت ضرتي. وحين أنجبت ابنها الأول نمتُ في غرفتها، وحملت لها ابنها كي تنام وترتاح، وبذلك حصدت مكانة كبيرة في البيتين". تضيف: "لم أعد فاتن العادية بعد ما قدمته لضرتي من مساعدة واهتمام، إنما أصبحت (ست الكل) كما يناديني زوجي، و(أحلى ضرة في العالم) كما تناديني زوجته".
- للنساء فقط:
استناداً إلى حكاية فاتن مع "الانتقام الإيجابي"، هل في إمكان الرجل أن يتعامل بهذه الطريقة، فيضمد جرحه ويرد الأذى "بالتي هي أحسن"؟
لا يؤمن وسام بن علي (مسؤول صحة وسلامة) بقدرة الرجل على "إخفاء مشاعر غضبه كما تفعل المرأة". لا بل إنه يبدي تعجبه "لقدرة المرأة على التخطيط ووضع التكتيك المناسب قبل الإقدام على انتقامها". وإذ يؤكد أن "انفعال الرجل وغضبه السريع يفجران انتقامه المباشر، بحيث يأتي على شكل رد فعل سريع"، فهو يتساءل في المقابل: "من أين تأتي المرأة بكل هذا المكر لتغطية رغبتها في الثأر، في حين تكون الضحكة تعلو شفتيها؟".
يجد وسام أن "انتقام الرجل السريع يعكس قدرته على النسيان وفتح صفحة جديدة"، لافتاً إلى أن "الغضب يبدأ كبيراً، وينتهي صغيراً، ولهذا يسهل على الرجل أن ينسى مع الأيام قصة انتقامه، بينما تعكس نية المرأة المبيتة في الانتقام، قراراً ضمنياً بعدم الغفران، ليأتي انتقامها مطبوخاً على نار هادئة".
- عاطفية:
تعترض داليا خطار (جامعية) "على صبغ انتقام المرأة بالحقد، من دون الدخول في دوافعها". وتقول: "كيف نطالب المرأة بنسيان الأذية، وهي وحدها من يحدد عمق الجرح الذي سببه لها الآخر؟"، مصرة على أن "أذى الرجل هو أكثر المحرضين على شحن المرأة بهوس الانتقام، ذلك الهوس الذي يستمد حجمه من مكانة الرجل العاطفية التي كلما كانت كبيرة، جاء الانتقام كبيراً".
وإذ تعترف داليا بأن "لانتقام المرأة مذاقاً مراً"، تدافع من جهة أُخرى عن حقها في الثأر، فتقول: "لا تُمحى الإساءة من قلب المرأة بسهولة، فمشاعرها مثل لوح الزجاج، بينما يملك الرجل قدرة كبيرة على تخطي الأذى، بسبب عدم تمتعه بحساسية مفرطة تجاه ما يحدث مِن حوله".
- سألقنه درس العمر:
إثر سماعها صوت زوجها، وهو يغازل خادمتها، راحت رجاء (ربة منزل) تكتب "نوتة" انتقامها، "رأيته مع الخادمة في غرفة نومي عندما عدت باكراً من زيارة أهلي"، تقول رجاء بغصة، لافتة إلى أنها تركت المنزل بسرعة وراحت تستجمع قواها "حتى لا أنهار أمام زوجي المثقف وخادمته الوضيعة".
تعترف رجاء بدهاء المرأة، وهي تحضّر انتقامها، مبررة اعترافها بالإشارة إلى أن "حجم الفعل هو من يشعل في المرأة مكراً فريداً من نوعه". وتمضي في سرد تفاصيل ما جرى، وتقول: "رحّلت الخادمة في اليوم الثاني إلى بلدها، ورحت أستعد لرمي كرة النار في قلب زوجي"، مشيرة إلى أن انتقامها "تخطى حدود الأذى الذي رسمته"، خاصة وهي ترقب انهيار زوجها لحظة تنفيذ الخطة.
تضحك رجاء، وهي تقول: "اتصلت بزوجي متصنعة الخوف ورحت أردد: "تم حجز الخادمة في المطار للترحيل بعد أن تم التأكد من إصابتها بالإيدز". ماذا أفعل؟ تجيب بسخرية: "جن جنونه وراح يكسر ما يراه، وحين سألته عن السبب ادعى بأنه يمرُّ بضائقة مالية"، لافتة إلى أنها استمتعت بعذابه يومين، قبل أن تُعلمه بخطتها وببذاءة ما فعل.
- حساسية وليس شرّاً:
من ناحيتها، تتعاطف زين أشرفي (ربة منزل) "مع المرأة التي تأخذ من جرحها عكازاً كي لا تنهار"، فالانتقام "يعكس ضعف المرأة لا قوتها، وطيبتها لا خبثها". على حد قولها، بدليل أن ثأرها لكرامتها، على الرغم من مرورها بأكثر المواقف حساسية، لا يحرق الرجل بل يحتويه ويحضنه.
تعتقد زين، وهي أم لولدين، أن "تكتيك الانتقام عند المرأة، ليس سوى عجز عن الرد المباشر"، ما يؤكد حسب قولها "حساسية المرأة وسرعة تأثرها بما لا تتوقعه.
- حسبي الله ونعم الوكيل:
يؤمن أحمد (مهندس مدني) بأن "الانتقام شر يعود على صاحبه قبل غريمه"، مشيراً إلى أنه تنازل عن حقه في رد الأذى، لأن انتقام البشر مسلسل لا تنتهي حلقاته، ونهايته في الغالب غير سعيدة.
يمضي أحمد في قص روايته، فيقول: "سجَّل صديقي بيتي باسمه في دمشق، من الوكالة العامة، التي كتبتها له بسبب إقامتي في أبوظبي". يضيف بغصة: "لم يكن في يدي دليل على إدانته، فالتوكيل الذي استغله كان رسمياً والعملية كلها سليمة مئة في المئة".
يتذكر أحمد كيف انهار في البداية "فتحويشة العمر راحت، والغربة الطويلة عن الوطن لم تُثمر إلاّ غصة وحرقة قلب". وإذ يتحدث عن الفرق في الموقف من القضية بينه وبين زوجته، يقول: "زوجتى كانت تريد زج السارق في السجن، وتجميد أمواله، ومطالبة أشقائه بدفع ثمن بيتنا". لافتاً إلى أنه عبثاً حاول إقناعها بنسيان ما جرى، "ولكنها كانت دائمة الحديث عن رغبتها في رؤيته يشحذ على الأبواب"، كما يقول، مبدياً تفهمه موقف زوجته. على الرغم من ذلك، لا يخفي أحمد حقيقة أنه كان يأمل في "فتح صفحة جديدة لا وجود فيها لحكاية "(بيت العمر) الذي سرقه صديق العمر". متسائلاً: "ألا يمكن أن يكون انتقام الله أكبر من انتقامنا، حتى لو تمكنا من زجه في السجون؟".
- ليس مَلاكاً ولكن:
لا يستغرب بشار القوصي (مدير الموارد البشرية في شركة خاصة)، قدرة الرجل على الغفران، فالانتقام في رأية "رد فعل نسائي يكشف عصبية المرأة وممارستها الخاصة للغضب"، مبرراً وجهة نظره بالإشارة إلى "تعقل الرجل وعدم تهوره في الإقدام على ما لن يفيده بشيء". يعتقد بشار أن "مشاغل الرجل تُبعد فكرة الانتقام عن باله"، محملاً الفراغ الذي تعيشه المرأة "مسؤولية التفرغ لرد الصاع صاعين"، فـ"التسامح كلمة غريبة عن قاموس النساء" كما يقول، متحدثاً عن إصراره على أن "الانتقام صورة من صور العجز عن فتح صفحة جديدة في حياة المرأة"، إلاّ أنه يعود ليستدرك أن الرجل "ليس ملاكاً ولكنه أقدر على النسيان والغفران من المرأة".
- أسباب الاختلاف:
قبل الدخول في تفاصيل الفرق بين انتقام الرجل والمرأة، يقف الدكتور محمود فاضل (طبيب نفسي) عند تعريف الانتقام، فيصفه بأنه "استجابة انفعالية، تتأتى بعدها سلوكيات ظاهرة، من الممكن أن تكون لغوية أو جسدية، أو حالة غضب تُترجم بردود أفعال".
ويجد د. فاضل أن "من أهم مصادر الفرق بين انتقام المرأة وانتقام الرجل، اعتماد المرأة على العاطفة في حياتها النفسية"، مؤكداً أن "حاجتها إلى التعبير عن اضطرابها الانفعالي، تدفعها إلى التحايل النفسي، وتفريغ الشحنة الانفعالية من دون اللجوء إلى فعل جسدي بشع، بينما يؤدي اضطراب الرجل الانفعالي إلى شحن عالٍ للقوى الجسدية والتركيز الفكري، والأسلوب الواضح الحاد والمباشر".
- لحظة التشفي:
ويتحدث د. فاضل عن الاختلافات التي تميز انتقام المرأة عن الرجل، فيقول: "هناك ثلاثة أجهزة في التشريح الداخلي النفسي هي (الهو)، و(الذات) و(الضمير الأعلى)". ويتابع شارحاً: "يتميز الضمير الأعلى للمرأة بأنه أقل وضوحاً ونضجاً مما هو عند الرجل، ما يجعلها تعيش حالة التشفي بسعادة وزهو من دون وخز ضمير". أما في ما يخص انتقام المرأة الممتد والعشوائي، فيجد الدكتور فاضل أن "كمية العنف عند الرجل، التي تفوق كميتها عند المرأة، هي السبب في توزيع انتقامها على مراحل ودفعات، فتراها تكثر من الحديث عن الموضوع، لعجزها عن تفريغ غضبها بطريقة الرجل"، لافتاً إلى أن "انتقام الرجل ينتهي في ساعته، حيث يتوقف عند حدود معينة".
وعن أسباب امتلاك الرجل القدرة على التسامح والغفران، فيفسر د. فاضل المسألة، بالإشارة إلى أن "انتقام الرجل من غريمه، يساعده على تفريغ الشحنة الانفعالية". مشيراً إلى "ظهور مساحة نفسية للتسامح بعد ذلك، بخلاف المرأة التي تزخر بندوب نفسية". واصفاً تلك الندوب بأنها: "بقايا قديمة سببها العجز عن القيام بتسوية حقيقية مع اضطراباتها النفسية".
- الانتقام الإيجابي:
ويجدر الدكتور فاضل، أن "هناك ردود فعل نفسية إيجابية تتضمن تسوية نفسية داخلية معتدلة"، مشيراً إلى أن "المرأة التي تقبلت واقع زواج زوجها، تتمتع بتمكن نفسي عالٍ، وبذات نفسية مرنة دفعتها إلى تقبل ما حدث". ويضيف: "لم تحشر تلك المرأة عمليات ضميرية ضخمة في القصة، بل أحرجت الزوج والضرة، بفعلها الإيجابي، مسجلة نصرها على الاثنين معاً".
- زهو ونسيان:
بدوره، يتحدث عيسى الحمادي (ماجستير في علم النفس الإجرامي) عن طبيعة الحالة النفسية، التي ترافق عملية الانتقام عند كل من الرجل والمرأة، موضحاً أن "انتقام المرأة يمدها بنوع من القوة والزهو نتيجة ما أقدمت عليه، في حين أن لجوء الرجل إلى العنف المباشر، مثل الضرب وغيره، يساعده على التخلص من آثار انتقامه النفسية". ويؤكد الحمادي أن "الرجل يتعافى تماماً من حالة الانتقام مع مرور الوقت، بينما تعيش المرأة تحت مظلة انتقامها أياً كان لونها".
وعن الاختلاف في طريقة التعبير عن الانتقام بين الرجل والمرأة، يقول الحمادي: "لا شك في أن نزعة الانتقام لدى المرأة أقوى وأشد منها لدى الرجل". موضحاً أن "المرأة لا تعرف اللون الرمادي في ردود أفعالها، وليست لديها أنصاف حلول". ما يجعلها حاسمة "في مسألة الأخذ بثأرها". مشيراً إلى أن "مرونة الرجل العاطفية، هي التي تساعده على عدم اختزان الأحقاد في داخله".
* جنسية المرأة وطريقة انتقامها
يُقال إن المرأة الفرنسية إذا انتقمت قتلت عشيقة زوجها، والإيطالية قتلت زوجها، والإسبانية قتلت نفسها، والإنجليزية قطعت عقالتها به، والألمانية انصرفت إلى رحل آخر، والأميركية كتبت مذكراتها، والعربية فضحت زوجها.
* يوم عالمي للانتقام
اكتُشفت في الهند طريقة جديدة للتخلص من انتقام المرأة، نتيجة لأخطاء زوجها طوال العام، حيث تم تنظيم "مهرجان لضرب الأزواج"، مرة كل عام في القرى، تقوم النساء خلاله بضرب أزواجهنّ طوال اليوم، ومن أسس تنظيم المهرجان، تحديد المكان الذي سينفذ فيه الحكم بضرب الأزواج، حتى لا تتعب المرأة صباح يوم المهرجان في البحث عن زوجها، الذي يُضرب ضرباً مبرّحاً. وفي معظم الأحيان يكون هذا المكان عبارة عن ساحة في وسط القرية، تتوجه إليها المرأة حاملة العصا لتضرب زوجها على ظهره، كتكفير عن كل ما ارتكبه من أخطاء طوال أيّام السنة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com