تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

المرأة والعجز عن تعلم الجديد
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* أ. عتيقة الملوكي
لقد غرقت المرأة في عدة تحديات واقعية يصعب حصرها، ساهم عدم مواجهتها في تأخر النساء، وعدم تواجدهن بالشكل الفعال داخل المجتمعات. وسأحاول في هذه المقالة رصد تحديين رئيسين فقط عند عامة المسلمات ـ دون إنكار وجود رموز متميزة لا تسري عليها القاعدة في كل عصر ومصر ـ ألا وهما: الأمية والتقليد.
أولاً: الأمية
تُصنفُ كثير من الدول الاسلامية للأسف على رأس قائمة الدول الأكثر أميةً، وذلك لأسباب عديدة من أهمها أن الأسر المسلمة طيلة أربعة قرون من الانحطاط أعطت الأولوية للرجل، وهمّشت تدريس النساء، وحصرت دورهن في خدمة الرجل، فكان أهم هدف تحققه المرأة هو الحصول على زوج، وليس استكمال الدراسة، فضلاً عن الوصول إلى وظيفة لخدمة مجتمعها.
لقد خسرت المرأة قروناً من عمرها لم يسجل التاريخ فيها إنجازاتها نظراً لغياب أعمالها. وكأن المجتمع لم يَع الحكمة الربانية في التنبيه على أهمية العملية التعليمية للرجل والمرأة معاً، وكونها مفتاح الخير الدنيوي والأخروي.
ولكن المرأة حاولت جاهدةً في القرون المتأخرة أن تتحرر من أميتها الحرفية، فارتفعت نسبة المتعلمات من كل مستوى وخاصة الحاصلات على الشهادات الجامعية. وهذا مكسب إيجابي ولا شك، إلا أن المشكلة تتمثل في أن المرأة، حتى وإن حملت بعض الشهادات، ظلت تحمل موروثات قديمة حجبت عنها الانتقال إلى مستوى أرقى من العلم والمعرفة. وذلك لأنها بقيت تشكو من أمية من نوع آخر وهي ((العجز عن التفكير العلمي والعجز عن تعلم الجديد)) حسب تعريف منظمة اليونسكو للأمية. ولا زالت فئة كبيرة من المتعلمات ومعهن أخريات في حاجة إلى تجاوز المرحلة التالية التالية للأمية الحرفية وهي: العجز عن التفكير العلمي، والطموح إلى تعلم الجديد.
ويظهر المثال جلياً في نماذج لنساء تواجدن في ديار الغربة، حيث مجال التعلم أكثر تيسيراً، لكنهن لم يستفدن من فرصة تواجدهن في دول الشمال لاستكمال الدراسة، أو للدخول في مجالات جديدة من تلك المجالات الرحبة الواسعة الآفاق والتي يوفرها الحقل العلمي الأكاديمي في الغرب، لأنهن قانعات بما درسن قناعةً يغلب أن تكون قناعة كسل وخمول. بل إن الهم المادي صار يأخذ وقت الرجل والمرأة معاً، ولا يُهتم بالتعلم نظراً لغياب الطموح المعرفي من جهة، وبرودة الحس الدعوي من جهة أخرى. فقلما تجد مَن يحملن مشروع التغيير في المحيط الجديد، أو يحاولن استغلال سقف الحرية لرفع مستوى الوعي عند النساء. ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في قلة الكتابات النسائية، فضلاً عن المجلات والدوريات، وكذلك في غياب الأنشطة إلا من بعض حلقات تناقش المواضيع الشرعية البسيطة في بعض المراكز والمساجد.
إن واقع حال المرأة المسلمة وهي تتعامل مع العالم من حولها لا يمثل في قليل أو كثير الفهم الاسلامي المتألق الأصيل لدور المرأة.
هذا وإن للأمية الحرفية وغير الحرفية مستتبعات عديدة سلبية نذكر منها الآتي:
ـ غياب تمثيل النساء داخل المجتمع المسلم وخارجه. فلا دور لها لا ثقافياً ولا سياسياً، ولا دخل لها في وضع برامج التربية ونظم المجتمع.
ـ قلة الأقلام النسائية والمجلات المتميزة والأصوات المعبرة من خلال الأفراد. وبالتالي ضياع المساهمة النسائية الإعلامية والتربوية.
ـ غياب المؤسسات التي تحمل آمال وآلام النساء بشكل صحيح وفعال.
ـ الاكتفاء بوضع المرأة كديكور لإرضاء الداعين لإشراك المرأة.
ـ عدم تقديم نساء يشرحن هذا الدين لمن تريد من المهتمات أو المعتنقات الجدد، بل استدعاء الرجال لمناقشة القضايا النسائية.
ـ وجود فئات نسائية تعمل بوسائل ضائعة ليس لها أهداف، وأخرى تنشغل بأهداف دون أن يكون لديها وسائل مناسبة لتحقيقها.
ـ ترك المرأة حبيسةً على الأشغال المنزلية دون أن توجد وقتاً لتغذية عقلها وعقل أبنائها، وهي التي لا زالت تسأل عن فتوى لمشاركتها.
إن اليقظة الدينية الشكلية تظل دائماً في حاجة إلى دعائم فكرية قادرة على التجديد والعمل البناء، وحينئذ تتحول أعداد أغطية الرأس إلى أقلام وأصوات فعالة. ومع أننا لا ننكر وجود رموز نسائية حرة ونزيهة هنا وهناك، لكنها لم تتحول بعد إلى فئة مؤثرة تلقى احترام المجتمع بشكل عام، وتعمل بجد في توعية النساء بدورهن في عمارة الأرض. ولا بد من العمل من أجل إعادة صياغة نماذج كاللواتي حضرن في المسجد مع الرسول (ص)، وشاركن في مختلف المناسبات والمجالات المتاحة في عصرهن.
وإن على المنظمات النسائية أن تجعل في مطلع أولوياتها، القضاء على الأمية بأنواعها. لأن مما يدمي القلب أن يكون هذا الدين هو الذي حارب الجهل والجاهلية منذ قرون، بينما لا يزال يعاني رجاله ونساؤه من الأمية. إن القرآن الكريم يُعلنها صريحةً واضحة (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وفي حين احتفلت كثير من الدول بتوديع آخر أمي فيها منذ زمن، لا يزال البعض في عالمنا الاسلامي يتحاور في شرعية تعليم الفتاة.
قد يحس الانسان بنبرة الشدة في هذه السطور، ولكنني أؤمن بأن القسوة في محلها رحمة، والرحمة في غير محلها قسوة، وأن النقد البناء يدفع إلى الأمام بإذن الله، على طريق البحث المستمر عن نماذج من النساء الواعيات بالشرع والعصر، والراغبات في العمل لإخراج المرأة إلى وضع أحسن يليق بأداء وظيفتها الاستخلافية المنتظرة. ولنا في تراثنا مثال آخر في خديجة (رض)، وهي أول مَن اعتنقت هذا الدين. ولنا سمية (رض). وهي أول دم أريق في سبيل هذا الدين. ولنا خولة ونسيبة وغيرهن كثيرات. وكل ما فعلته الواحدة منهن أنها تعلمت، فآمنت، وشاركت، وجاهدت، واستشهدت. والمسلمة اليوم تحتاج أن تعلم وتتعلم، ومفتاح العلم التعلم ومحو الأمية بكل أنواعها. ثم إنها بحاجة إلى أن تشارك وتُجاهد فتنال خير الدنيا والآخرة، وتساهم في صناعة الواقع وتغييره نحو الأفضل في كل زمان ومكان.
ثانياً: التقليد
بدايةً لا بد أن نفرق بين التقليد والعرف، فالعرف: مصدر من مصادر التشريع الاسلامي، عرفه العلامة الجرجاني بأنه ((ما استقر في النفوس بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول)). وهو اجتهادات وقوانين لا تخالف الشرع، وتختلف بحسب الزمان والمكان.
أما التقاليد: فهي في معظمها لا أصل لها في الدين، وإن كانت للأسف تأخذ أحياناً صبغته وقدسيته في مجتمعاتنا العربية والاسلامية خاصة بين النساء، يصدق هذا على تلك المجتمعات وعلى الأقليات المسلمة الموجودة في الغرب. والمقصود بالتقاليد على سبيل المثال لا الحصر، أنماط المأكل والملبس والتعامل اليومي وكيفية إحياء المناسبات، ورصيد الأمثال الشعبية لكل شعب..
والعجيب أن لبعض هذه التقاليد قيمة في حياة بعض المسلمين لا توجد حتى لتعاليم الدين. فقد يختل نظام توازن الأسرة إذا تعطلت أحد المراسيم مثلاً، في حين لا يؤثر غياب ركن من أركان الاسلام على الأسرة نفسها. وهنا يكمن الخطر عندما تُقدسُ التقاليد أكثر من الاسلام، ويُقدم الاسلام لخير المسلمين ومعه هذا الموروث الثقيل من التقاليد، الذي يعبر في كثير من الأحيان عن أنماط من التدين تتعارض مع قيم الاسلام وتعاليمه. فينعكس ذلك سلباً على نظرة غير المسلمين لهذا الدين.
ويا ليت المرأة المسلمة تبذلُ في إحياء الدين في أسرتها، وفي تجديد فكرها عُشرَ ما تبذله في الحفاظ على التقاليد. إذاً لانتشر الاسلام بشكل أوسع، ولصار واقعنا غير ما نحن عليه. لكن من لانفوس ما ينشط في الباطل أو التافه أكثر مما ينشط في الحق للأسف، وهذه آفة كثيراً ما يقع فيها الكثيرون دون انتباه إلى معانيها الخطيرة وآثارها السلبية.
وقد ذكر الشيخ محمد الغزالي (ره) مثالاً على علاقة الاسلام بالتقاليد حين قال أن أحد الأعراب في غضبه حلف قائلاً: والله لأبيعن هذه الناقة بدينارين، فلما هدأ روعه، وكي لا يحنث وضع قلادة بالية في عنق الناقة وبدأ يطوف بها في الأسواق قائلاً: مَن يشتري هذه الناقة بدينارين، والقلادة بألف دينار ولا يمكن شراء الناقة إلا والقادرة معها. فطاف الناس بها يقولون: ما أجمل هذه الناقة وما أقواها وما أرخصها لولا هذه القلادة فالناقة هي الاسلام والقلادة هي التقاليد.
وكما أن للأمية تبعات سلبية فإن للتقليد تبعات أسوأ منها، إن كان بالإمكان التفاضل في درجة السوء في هذا المجال. وإن من تلك التبعات:
ـ شيوع مجموعة أمثال شعبية خاطئة المضامين تقوم بدور القاضي الذي يصدر الفتوى والحكم في المعاملات دون تدبر أو تفكير قائم على الشرع والعلم.
ـ تقييد حركة المرأة بمجموعة عادات راسخة في المجتمع فيما يتعلق باللباس والإقامة والسفر والعمل، خاصةً فيما يتعلق بالمطلقات والأرامل والعوانس.
ـ إدانة المرأة وإصدار الأحكام الجاهرة في معظم حالات الصراع بين الرجل والمرأة من منطلق التقاليد وليس من منطلق الأحكام الشرعية.
ـ صياغة عقليات نرفض لتجديد بكل أنواعه وتقبع في القديم بكل أشكاله.
ـ إنه بغير العلم الشرعي والعلم العصري اللازم لفهم الواقع وآليات تحركاته، وبدون تجديد الفكر الاسلامي للرجال وللنساء في إطار القواعد والضوابط التي تجمع بين فهم النص والمقصد. وبغير التحرر من التقاليد المتحجرة والأفكار الميتة والمميتة، يصعب تجاوز التحديات الواقعية التي تواجه المرأة المسلمة المعاصرة.
وأخيراً، اعتقد أن ملف المرأة يجب أن يبقى مفتوحاً حتى تتجدد الأوعية والوسائل بتجدد المشاكل والمستجدات، صحيح أن لهذه الأمة مفاجآتها التي قد تستعصي على تقديرات أعدائها، ولكن الصحيح أيضاً أن على المسلمة أن تأخذ بالسنن الإلهية في مجال الإصلاح، لأن السنن الكونية لا تحابي أحداً على الإعلان ولأنه ليس هناك مجال لمعالجة مسألة المرأة التي تأزمت تاريخياً، وظهر تأزمها بشكله الفاضع بخير، دون العمل العلمي المنهجي الجاد والصريح إلى أبعد الدرجات.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com