|
توماس دانسامبورغ
ترجمة مصطفى الرقا وبسام الكردي
أنا أشتغل كثيراً حول مسألة المعنى والحرية مع الشبان.
وألاحظ أنهم يريدون كليهما ولكنهم لايعرفون كيف الوصول الى ذلك لأنهم يجدون بأنفسهم أن تنفيذ كل مايرغبون فيه لايتمتع بالضرورة بالمعنى وأنه على العكس عند اختيار معنى,ولو كان في ذلك إكراه,يؤدي ذلك الى إحجام وتراجع.
ولكي نشرح جيداً حالة الحرية فإن ذلك لايعني أننا نفعل مانشاء بل المعنى هو القدرة على أن نفعل مااخترناه وهو شرح أقترحه.
"فلنفترض أنكم 12 شخصاً في أرض خواء تحت الشمس المحرقة بعد الظهر.فما الذي تفعلونه؟
- حسناً ندور دون أن نفعل شيئاً,ننام أو نذهب في جولة في الحين ونكون في حالة ملل!
- تخيلوا أنني افرض عليكم بعض الإكراهات: رسم مستطيل كبير ابيض بواسطة الجير على الأرض,وتقسيم هذا المستطيل الى قسمين وتشكيل فريقين :وعدم استخدام أكثر من كرة واحدة للفريقين في وقت محدود مع تحديد طرق انتقال الكرة فما الذي سيحصل؟
- (الدهشة) آه,ذكي,نلعب بالكرة!
- أنتم ترون أن القاعدة أو الإكراه هو إطار اللعب.فهي التي تعطيكم الفرصة للتنفيذ بصورة مرضية لحرية اللعب.مثلها مثل الضوء الأحمر وقواعد قانون السير التي تعطينا الفرصة للتنفيذ بصورة مرضية لحرية الانتقال.
وما دمنا غير واعين لمعنى القاعدة تساورنا رغبة الذهاب للعب وحدنا خارج الإطار.وإذا كنا واعين بمعنى القاعدة فهناك فرصة أكبر في أن نتذوق لذة المقاسمة في دورة تسلية ولعب".
والإعلام الذي يتطرق الى المعنى صعب إذا لم يتم التساؤل بيننا وبين أنفسنا حول هذا الموضوع.
وانا ألحظ ارتياع العديد من الآباء والمدرسين امام هذا الموضوع: فالكلام مع المراهقين,بل حتى مع الأطفال الصغار,حول معنى مايفعلونه يتركهم في أغلب الأحيان لايحاربون جواباً! وأنا شخصياً يفرحني حقاً هذا العدد الكبير من الأطفال الذين يتساءلون عن المعنى ولايقبلون سماع "الأمر هو كذلك.. والذهاب الى المدرسة إجباري..ونحن نعمل لأجل كسب قوتنا...".
والشبان يدعون بأسئلتهم الراشدين الى التفكير بأولياتهم,بل والى مراجعتها وإعادة صياغتها والى تدقيق تعاريف ما له "معنى" بالنسبة إليها.
وأرى في ذلك إشارة الى التطور نحو "المعنى" أكثر ونحو المسؤولية والحقيقة.
ومن المؤكد أن هذا يزعج قليلاً المراجع القديمة والعادات وليس من السهل ان يفرض على الناس الرجوع الى بسط الموضوع من جديد.
الاحتفال بشدة في الحياة
"مايفتقده الإنسان هو العيش بحرارة"
كارل يونغ
تلقيت منذ عدة سنوات التحية في شارع تجاري من شوارع إحدى مدن كيبك في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الشديد البرد من مراهق على صورة ابتسامة,وكان في السادسة أو السابعة عشرة من عمره وكان يظهر عليه أنه ينتظر مستندا الى ركن الحائط.
وخاطبني قائلاً :"سلام كيف الحال؟ هل تبحث عن أحدهم؟". فعرفت مايفعله هناك في ذلك البرد الشديد على هيئة تلميذ في الإعدادية راجعاً من المدرسة.
ولم يكن يبيع المخدرات.فأجبته :"لا,لا أبحث عن أحد,ولكنني اقدم لك كأساً من القهوة إذا شئت".
كان البرد شديداً فعلاً وقد مسني شيء في هذا اللقاء غير المنتظر.فقبل.ودخلنا البار القريب من تلك الناحية وقدموا لنا شيئاً من هنا وشيئاً من هناك.
فقلت له: "تيم ,لقد تعلمت ماتعمله من الشبان وما أقوم به من عمل في مهنتي.فهل تقبل أن أطرح عليك سؤالاً يخصك؟".
- (خلال نفث الدخان من فمه) لايوجد أي مشكل,تفضل.
- ما الذي دفعك الى أن تقوم بما تقوم به في الشارع؟
- المخدرات.
- وما الذي دفعك الى المخدرات؟
- الحياة.
- وماذا في الحياة؟
- (فأرسل تنهيدة عميقة,ومص سيجارته بعمق وسحقها بانزعاج) لم أعد أحتمل أكثر من ذلك,أن أسمع والدي يقول لي يجب الذهاب الى المدرسة,لأن الأمر كذلك
وهو غير قادر حتى على أن يقول لي لم يعمل هو! فالأمر ليس حماقة,وليس للأمر من معنى!
- أنت تحتاج الى أن تكون أمور الدنيا ذات معنى؟
- طبعاً بالتأكيد! ثم إن الحياة بدون طعم,وأبي بدون طعم,وقريتي بدون طعم.وأنا أحتاج الى اللهو,ولذلك آخذ من أحشائي هذه...(يقهقه ضاحكاً).
- أنت ترغب في أن تكون الحياة ساخنة وأكثر حيوية؟
- (بعصبية) نعم,أريدها أن تتحرك وأن ترحل.ولذا لاأحكي لك عن المحيط المنزلي.كل شيء منظم ومرتب في مكانه,ميت.
تحية أيتها الانفعالات!
- أنت تحتاج أن تشعر بالانفعالات لأنك حي؟
- نعم,هو ذاك الشعور بأنني حي بكل معنى الكلمة. وأنا لاأجد ذلك في حياتي,ولذا فأنا أدخن "الحيوانات" (السجاير المحشوة بالمخدرات).
ولم أجد الى الآن مغامرة أحياها,حتى ولو علمت أنها آتية".
وقد لخص تيم في بضع كلمات المسطرتين الأساسيتين في وجودناك فنحن نحتاج الى الشعور بمعنى حياتنا واتجاهها ومعناها الإنساني والفلسفي والروحي,كما نحتاج أيضاً الى الشعور بأن نتجسد جيداً في لحم ودم حيين نابضين نستطيع بهما أن نتذوق متعة الانتماء الى الدنيا,فإن لم نعتن بهذين الاحتياجين بصورة بناءة فإننا نغامر في محاولة تلبيتهما بصورة مدمرة.
وبعد ثلاثة ايام على لقائنا كنت أغادر المكان الذي أرأس فيه ندوة تكوينية فالتقيت بتيم يقوم بعرضه في الشارع الكبير.ودهشت كثيراً من لقائه ثانية.وكان شارداً شيئاً ما,وقد استهلك آخر موارده.وينقصه 20 دولاراً لكي يعود الى قريته.
- "عشرون دولار,أقولها لك,لكي أرجع الى قريتي,إنها على بعد 400 كلم!
- أريد طبعاً أن أساعدك ولكن من يضمن لي أنك لن تدخنها هذه العشرين دولار؟
- تعال معي تشتري البطاقة بنفسك فيجب علي الذهاب,كما قلت لك". ومشينا نحو المحطة الطرقية وأخذ تيم يشرح لي:
- خفت أن تفوتني الحافلة الأخيرة ووالدي ينتظرني غدا ويرفض رفيقي هنا أن يؤويني.ولذلك توسلت الى الله فأنا أصلي دائما في هذه الحالات.
- وتلبي صلاتك دائماً ؟
- حسناً,أنت ترى أنك مررت من هنا وقبلت أن تدفع ثمن التذكرة.
- وأنت تصدق ذلك..؟
- أصدق ماذا؟ بوجوده الله؟
- نعم".
- وكان مطمئناً.مطمئناً الى أنه سيكون له يوماً زوجة وأولاد وعمل.
وتكلم عما يعيشه بأنه حالة مؤقتة لحظية.وأنا أدين لتيم بذلك الدرس في الحياة وفي الإيمان.
وقد غذى هذا اللقاء عندي في أن أحفر أعمق لكي أجد جذور الصحة والحياة,حتى ولو كان ذلك في وحل الألم الإنساني اليومي.
وفي الختام أريد أن أحتفل بالحياة في جميع حالاتها وجميع حركاتها وجميع لحظاتها,الحياة التي تجعلنا نبحث عما نريده حقاً,من وراء الإكراهات التي تفرض علينا,الحياة التي تدفعنا,الى الجرأة على الثقة بأولادنا,والى أخذ حمام بدلاً من عملية طبخ على الرغم منا,التي تدفعنا الى الجرأة على السفر في شاحنة قافلة حاملين السلاح والأمتعة عوضاً عن قبول الملل والسأم,التي تجعل البنت السلاح الصغيرة تقاوم وضع خفيها لأنها تريد أن تعرف معنى مايطلب منها وأن تحس باحترام حريتها.
التي تدعو الآباء والأمهات الى أن يعيدوا تعريف أولوياتهم وترك الحديقة والمنزل والسيارة الجديدة من أجل الاهتمام بهم,التي تجعلنا نسعى الى استبدال مالم نعد نشعر بحبه وأن نجب مالا نستبدله,التي تجعلنا نعي ونتساكن مع قيمنا مثل الدركي الذي يراقب زمن خروج المدرسة في القرية.والتي تجعلنا نجلس ونعيد الجلوس مع الشبان من أجل تبادل المعلومات حول قيمنا والتحقق من حسن ملاءمتها وفعاليتها والمقاسمة,والتي تجعلنا نكتشف ثورة قديمة ونتحرر منها بعد أن دخلت علينا بثياب أنيقة,التي تجعلنا نتوقف عن السباق لكي نسمتع الى ذواتنا.
www.balagh.com
|