شباب

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

مجالات تحرك الشاب وحدودها

د . زهير حطب
يقودنا هذا الإطار إلى الحديث عن مدى حركة الشاب داخل المنزل وخارجه ... بمعزل عن رقابة الاهل وسلطتهم ,ويمكن أن نتصور التالي :
وجود الأبن وجسده , (فكره وطريقة تفكيره) كلها من نتاج الأهل وملك لهم بالتالي ... يحددون للأبن والبنت إطار تحركهم , ساعة الخروج وساعة العودة , وكأن المنزل هو السجن , وكأن الأهل هم القيمون على إحترام ساعات العودة من الإجازة اليومية , لكي يظل الأبناء على مرمى نظر الأهل , وإلا فإن القيم العائلية تهمل وتذهب .
الفكرة الأولى :
في هذا السياق تتعلق (بالعودة إلى المنزل متأخرا ليلا) , وتشير ببساطة إلى مدى تقييد حرية الأهل للأبن في مجال الحركة والخروج من المنزل , وبخاصة في الليل ليتطابق في ذهن الأهل العمل السئ بالظلمة , وبأمكان التواري والأختفاء عن عيون الناس , عملا بالقول المأثور , (ما اجتمع رجل وامرأة (خارج أنظار الناس) , إلا كان الشيطان ثالثهما)؟ ونشير ثانية إلى أن المهم في كل هذه المعطيات هو ملاحظة مواقف الأهل حيال الأبناء الشباب قياسا بمواقفهم حيال الأبناء الفتيات , ومن الملاحظ أن هذه الفكرة وسواها من أفكار موضوع السكن تتلاقى في النهاية مع أفكار موضوع أشياء الجسد , في تشكيلها الأطار الخارجي الذي يتحرك فيه الجسد الشاب على شكل مسافة جسمانية واجتماعية , في بحثه عن الجسد الشاب من الجنس الآخر خارج رقابة الأهل والمجتمع , والواقع أن المتغير الجنسي العلائقي هو الذي يجمع ويفسر مدلولات أفكار الموضوع المشار إليا حتى الآن إجمالا - وهذا يعني أن الأهل يخافون إجمالا أن تفلت حلقة المعيقات المتعددة في إطار الحجاب , فعندما يتحلل الشاب من المسافة الإجتماعية التي تبعد مساحة جسده عن مساحة الجسد الآخر , يتحلل أيضا واستتباعا , من المسافة الجسدية ذاتها مما يقرب عورة جسده من عورة جسد الشاب من الجنس الآخر , مما يطال داخل الجسم بعد أن يكون قد تخطى خارجه .
والواقع أن هذه المعطيات النفسانية الهوامية اللاواعية في معظم الأحيان تقوى وتجد مبرراتها من خلال القيم الإجتماعية السائدة بدخول لعبة الزواج في مجالات العرض والطلب ,في إطار ظروف إقتصادية محددة لها تاريخيتها وقوانينها التي لا مجال لذكرها الآن , ولكن المهم هنا فهم أوالية سلوك الاهل وتصرفاتهم , والوصول إلى البعد اللاعقلاني العاطفي الذي يدفع الأهل إلى عمليات سماح ومنع لحركة الأبناء .
الفكرة الثانية : بالنوم خارج المنزل .
فإذا كان الأهل يسمحون جزئيا للأبناء الشباب بالعودة متأخرين ليلا إلى المنزل , فهل يمكن التغاضي عن النوم خارج المنزل ؟ وهل يسمح للفتاة في هذا المجال كما يسمح للفتى ؟ نحن في هذه الفكرة , نبقى في إطار الفكرة السابقة مع تعقيدات أكثر فقط , فالعودة الى البيت متاخرا في الليل يمكن أن تكون بداعي عمل ما مسئ للأخلاق والقيم والسلطة الأبوية , والعودة إلى المنزل بعد هذا العمل تعني بقية من حياء ...
أما النوم خارج المنزل , فبعده الأقصى يعني أن الأبناء تخطوا كليا حواجز الأهل ... الى القدر الذي يسمح لهم بالنوم وإغماض الجفن خارج المنزل , واحتمالا بعد القيام بالمحرم والممنوع , دون الشعور بالذنب والخطية لفعلتهم ودون تأنيب الضمير ...
وهذا يعني أيضا قطع أشواط بعيدة في رحلة تحرر الفكر والجسد الشاب خاصة من سلطة الأهل وقانونهم العلائقي , وتجدر الأشارة هنا إلى أن القسم الكبير من مشاكل الأهل وخلافهم مع الأبناء الشباب فتيات وفتيانا , تتأتى من هذه الزاوية : رفض الأهل التأخر في السهر ليلا ..إلا بشروط مقيدة جدا (وغير فعالة غالبا أمام إمكانات مداورة القانون عند الشباب , أو رفضهم النوم خارج المنزل , فيعود الشاب وفي إنتظاره الأهل صباحا.
الذين يتحولون إلى قضاة إدعاء , يدعون الشاب إلى المحاكمة وأحيانا دون ترك امكان الدفاع لماذا عدت متأخرا ليلا . لماذا نمت خارج المنزل؟ مع من كنت, أين قضيت ليلتك ؟ وماذا فعلت ؟ ماذا يقول الناس عنك ؟ ولا يهمنا من هذه الأمور الاسباب الأمنية التي تبرر مواقف الأهل بالأبناء , وإنما تهمنا مواقفهم في حال غياب مبرر لهذه الأسباب , والتي تعتمد فقط منطق التأخر أو الغياب بحد ذاته .
الفكرة الثالثة :
تشكل قفزة نوعية في علاقة الأهل بالأبناء , وهي تتعلق بإمكان (السكن وحيدا , إنه مشكلة تفهم أساسا إذا ما قارنا واقع الشاب العربي بالشاب الغربي , فالشاب الغربي , عندما يبلغ سن النضج أي بعد سن الثامنة عشر إجمالا , يستطيع أن يحمل مسؤولية كاملة عن نفسه وشخصه ويصبح له الحق من جملة ما يحق له أن يسكن وحيدا , علما بأن هذا الحق يصبح واجبا عليه في معظم الأحيان إنطلاقا من مسؤوليته عن ذاته .
أما عندنا فإن النضج والمسؤولية عند الشاب تتعثران كثيرا لأسباب متعددة , إقتصادية اجتماعية وخاصة بنيوية علائقية وخاصة بنيوية علائقية تتعلف بطبيعة العلاقات داخل أنماط الأسر السائدة في مجتمعنا .
وهذا موضوع مهم جدا,إن مفهوم السيادة الذاتية عند الشخص على وجوده وحركته واستقلاليته الاقتصادية , وفكره وحياته عامة لا يملكها بقدر ما هي ملك للمحيط والأسرة والأهل , وهذه جوانب أخرى من جوانب استمرارية النرجسية الأبوية عن طريق تقمص جسد الأهل في جسد الأبناء .
وطموح الأهل لأشباع رغبات غير مشبعة عندهم في تاريخ جسدهم .. عن طريق جسد الإستمرارية النرجسية , أي عن طريق الأبناء , والواقع أن ما يسمى غيرية وتضحية عند الأهل صحيح على الصعيد الأقتصادي ولكنه من مؤشرات الذاتية والنرجسية على الصعيد العلائقي النفساني .
الفكرة الرابعة : تتعلق بإمكان السفر للسياحة أو الأختصاص.
وهي ظاهرة إجتماعية تلتف حولها مجموعة من عناصر الصراع والتجاذب بين الاهل والأبناء في مجتمعنا , فالشاب الذي يرى أنه دائما أمام سمع الأهل وبصرهم , داخل المنزل وخارجه , يحلم بقضاء مدة من الوقت خارج إطار هذه الرقابة , ويحاول أن ينظم حلمه هذا في اطار مطالب معقولة ومقبولة إجتماعيا , وبطريقة عقلانية , كأن يسافر الأب للأختصاص أو السياحة , والأساس في هذا الحلم هو الغياب عن نمطية العلاقات الرقابية مع الأهل , واكتشاف أنواع العلاقات المميزة في أجواء أخرى وثقافات أخرى .
والأهل أمام هذا الحلم الشاب في تخطي المشكلة الإقتصادية أي الأمكانات المادية للسماح بهذا المشروع , يمكن أن يتوزعوا في إتجاهين :
الأول : يمثل الأهل المتحولين نسبيا عن النمط التقليدي , فيجري القبول لفكرة السفر , لأعطاء الأبناء فرصة للتنفس والتجديد بعيدا عن عيونهم وبعيدا عن خاصة عن عيون المجتمع والآخرين تصورا بأن ما يمكن أن يقوم به الأبناء يبقى خارج إطارهم ولا يؤثر على سمعتهم أمام الرأي العام , ويعود الأبناء بعدها ومعهم الأهل فيتباهون بالنمط العلائقي الأجنبي الجديد الذي يكسبهم أوراقا جديدة في عملية العرض والطلب وخاصة في إطار الزواج .
والثاني : يمثل الأهل المتشددين , والذين لا يقبلون مطلقا الخروج , إلا في حالات إضطرارية ومع رقابة الأهل , فإنهم في الواقع يرفضون مجرد فكرة إحتمال تغير الأبناء نتيجة عملية التأثر بالثقافات والأنماط العلائقية الأخرى .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2008 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R