|
ناصر مكارم
هناك نظريتان متضادتان في موضوع الزواج:
الأولى: هل أن الزواج يجب أن يكون برأي الآباء والأمهات واختيارهم.
الثانية: أو أن تفوض هذه المسألة المهمة للشباب أنفسهم وليس لأي أحد شأن في ذلك.
لكل من هاتين النظريتين أصحاب ومؤيدون, وقبل أن نجد الرأي والطريق الصحيح يجب أولاً أن نتعرف على أدلة أصحابهما.
جماعة من الشباب يقولون:
"هل أن الآباء والأمهات يريدون أن يختاروا زوجة لأنفسهم حتى أن رضاهم يكون شرطاً أساسياً؟!
الشخص بنفسه يجب أن يختار شريكة حياته.
إن الفتاة التي تكون في نظر آبائنا وإمهاتنا ملكاً من الملائكة, إذا كنا نحن لانرغب فيها فهي في نظرنا شيطان لا بل اسوء من ذلك.
تظهر تحقيقات علماء الإجتماع والقضاة, بأن أكثر وقائع الزواج التي تنتهي بالطلاق هي وقائع الزواج التي تقع في سن مبكرة, والتي يكون ملاكها رضا الأب والأم.
إن سبب فرار أو انتحار الكثير من البنات والأولاد – الذي نقرأه في الجرائد دائماً – هو بسبب أوليائهم وإلا فإن الإنسان العاقل لا يقدم على الفرار أو الإنتحار بدون سبب.
إذا فرضنا أن الشباب كانوا في وقت ما صماً عمياً غير قادرين على تشخيص مصالحهم, ففي عصرنا الحاضر ليسوا كذلك فهم قبل بلوغهم يعرفون كل شيء.
إن تفكير الآباء والأمهات – أساساً – يجب أن لايتدخلوا في هذه المسألة الحياتية ويجب أن يتركوا الميدان لذوق وابتكار أبنائهم".
أما الآباء والأمهات فيقولون:
الإنسان في بداية شبابه خال من التجربة حتى لو كان عالماً وفيلسوفاً مثل أفلاطون أو إبن سينا, وبعبارة أخرى, إن الشاب باعتبار عدم تجربته للأمور يكون سليم القلب, وعلى هذا الأساس, فإنه يأخذ الأمور بظاهرها, ولهذا فإنه ينخدع بسرعة بالمظاهر الخارجية الجذابة بدون أن يعلم أن هناك شياطين تختفي تحت هذه المظاهر الخارجية الخلابة.
نجد كثيراً من الأفراد لأجل أن يوقعوا الأولاد والبنات في مصيدة العشق يحفظون عبارات جميلة جذابة وجملاً ساحرة عذبة, وبالإستفادة من قوتهم وفنونهم الشيطانية وباستعمال هذه العبارات يسرقون قلب الطرف المقابل ويوقعونه في شراك حبهم, وبعد أن يتزوج الطرفان ويتم كل شيء يتبين خلاف ذلك.
مهما كان الشباب أذكياء ومجربين فإنهم محتاجون الى مرشد ودليل في هذا الطريق الذي يقطعونه لأول مرة.
فيجب أن يسألوا عنه سالكيه, خوفاً من أن يضلوا فيه.
هل أن الآباء والأمهات أعداء لأبنائهم حتى لايريدون مصلحتهم, إن أبناءهم أعز عليهم من أنفسهم ويحبونهم أكثر مما يحبون أنفسهم ولذلك فإنهم يفدونهم بأرواحهم.
ولو فرضنا أن الآباء لايعرفون شيئاً وليس لديهم اطلاع وثقافة أليس أنهم ذاقوا طعم الحياة وجربوها؟ ذاقوا مرها وحلوها, فهم يعرفون خصوصيات الحياة الزوجية ومزاياها ويستطيعون أن يميزوا بين الواقعيات وبين الأوهام والخيالات.
ومع غض النظر عن ذلك فإن عزل الإبن أبويه – اللذين لهما حق التربية عليه واللذين ضحيا بتمام قدرتهما وقوتهما في سبيل إسعاده – عن هذا الموضوع الحساس الذي يؤثر في حياتهما تأثيراً – شديداً يعتبر أمراً قبيحاً وبعيداً عن الأخلاق جداً.
إن إنتخاب الإبن لشريك حياته بدون رضا أبويه وإن نسيانه لديونهما عليه لايتفق مع أي أصل إنساني.
نحن نعتقد بعد صحة وواقعية كل من النظريتين, فلا الآباء والأمهات لهم الحق في أن يحملوا أبناءهم عقيدتهم الخاصة في اختيار الزوجة, ولا من صالح الشباب اختيار الزوجة بأنفسهم فقط.
بل الصحيح هو أن يتشاور الأبناء والآباء – حول هذه المسألة الحياتية ويتبادلوا النظر فيها حتى يوصلوها الى الهدف المطلوب.
الآباء والأمهات يجب أن ينتبهوا الى هذه الحقيقة وهي أن مسألة اختيار الزوج أو الزوجة ليست كلها أستدلالاً وجدالاً بل العامل الأصلي فيها هو الذوق, وأي ذوق؟ ذوق الأفراد أنفسهم, ومن الطبيعي أن الأفراد متفاوتون في هذه المسألة كثيراً حتى الأخوين.
من النادر جداً أن يبقى الزواج التحميلي طويلاً, ومع بقائه مدة طويلة فإنه ينتهي بالفراق حتماً.
المسألة المهمة والخطرة جداً هو أن ينظر الآباء والأمهات الى مصالحهم الشخصية عند انتخاب زوجة لابنهم.
إن مثل هؤلاء الأفراد منحرفون عن الحقيقة وضالون عن جادة الصواب.
ثم من جهة أخرى يجب أن لاينسى الشباب بأن الحب والعشق في هذا الوقت – وقت الشباب – يدل ستاراً امام العين بحيث يجعلها تغفل عن مشاهدة العيوب ولاترى الا المحاسن.
يجب على الآباء والأمهات والأصدقاء المخلصين أن يساعدوا الشباب في هذا الاختيار بأفكارهم القيمة والصحيحة.
إضافة الى ذلك فإن الشباب مهما كانوا أقوياء ومنعاء فإنهم لايستغنون عن مساعدة الآباء والأصدقاء في طوفانات حوادث الحياة.
إن الشباب إذا عزلوا آبائهم وأمهاتهم عن هذا الأمر فإنهم لايستطيعون أن يعتمدوا عليهم في حل مشاكل حياتهم القادمة, ولا ان يركنوا اليهم مع العلم بان الاعتماد عليهم ضروري بالنسبة لهم, وعلى هذا فيجب على الشباب ان يقنعوا آباءهم قدر المستطاع.
ان الاسلام قد نظر في قوانينه الى هذه المساعي المشتركة بين الطرفين وخاصة في موضوع البنت البكر حيث اشترط رضاها أولاً ثم موافقة وليها.
أما موارد الزواج التي ينظر فيها الى المصالح الشخصية للأب أو الابن فهي خارجة عن روح القانون الإسلامي.
www.balgh.com
|