|
د. زكي نجيب محفوظ
يتقسم العصر في تاريخ الأمة جيلان: جيل صاعد وجيل هابط ,أما الصاعدون فهم أولئك الذين ما يزالون من أعمارهم دون الأربعين أو نحوها, لاتزال خطاهم ترتقى بهم – في حساب الحياة – من درجة أسفل الى درجة أعلى, وما تزال أبصارهم أثناء السير شاخصة الى قمة تحجب عنهم نهاية الطريق, فيحسبون أن ليست للطريق نهاية, كنت أتحدث الى شاب في الخامسة والعشرين ,جاءني يستشير في أمر مستقبله, فقلت له ان الطريق الفلانية أضمن لك حين تبلغ الستين, فابتسم قائلاً: إن هذه الستين لاتطوف لي ببال, كأنما خلقت الشيخوخة لغيري من الناس, وكأنما يخيل الى أدنى سأعيش أبداً في شباب يتجدد له إهاب كلما أبليت منه إهاباً.
قال لي ذلك, فذكرت من فوري كيف كانت حالي أيام الصعود, من عمل متصل فيه الجد والحرمان, لا أبالي بنتائج عملي كيف تجىء, أتكون كسباً أم وبالاً, فكيف أبذل من عافيتي وجهدي بذل المسرف المتلاف, الذي ينفق الألوف بغير حساب, مستنداً الى رصيد لايفنيه تبذير, كنت أعمل الليل والنهار ثم النهار والليل, حتى لقد سألني أستاذ كبير كريم ذات يوم, حين رأى ما أكتبه أكداساً تتلاحق حملا بعد حمل, على الرغم من عمل مضن لكسب العيش يطول ما طال النهار, سألني من ذا يعاونك في هذا كله من جماعة الجن...؟ فوا أسفا, كأنما كنت أصب الماء في إناء مثقوب, أو أبذر البذور في حقل يثمر الحنظل, لقد أكملت من عمري سبعة وأربعين عاماً, نركتني كالأسطوانة الجوفاء, فزرع ولاحصاد, وحركة ولاسير, وشيخوخة ولانمو...
وأما الهابطون فهم أولئك الذين قد جاوزوا قمة الأربعين وأخذوا ينحدرون على السفح خطوة خطوة في سير وئيد, يرون النهاية بأعينهم هنالك في أسفل ,لم تعد في الطريق قمة تحجبها ,كانت الأبصار إبان الصعود شاخصة الى السماء, وهي الآن منحدرة الى الأرض تتبين مواضع القدم, إنه لم يعد في الرصيد المخزون ما يحتمل إتلافاً وإسرافاً, ان شمعة الضوء قد ذهب أكثر من نصفها, فينبغي أن يحيطوا شعلتها بالحواجز الواقية حتى لاتتعرض للأنواء والعواصف, ذهب زمان المخاطرة وجاء الوقت الحذر, لم يعد في طريق الحياة غيب مجهول يستحق المقامرة والمغامرة, فكل شيء قدوضح وانجلى عنه الدخان والقتام, ستكون كيت وكيت بعد كذا وكذا من السنين إن طال بك امد السنين...
والعادة – إذا كانت حياة الامة قوية سليمة – أن يسلم الجيل الدابر مصابيحه الى الجيل التالي عند قمة الجبل التي تفصل بين الصعود والهبوط.
فتظل المشاعل الهادية عند القمة العالية يتسلمها جيل بعد جيل, فتزيدها الأجيال المتعاقبة وهجاً ونوراً, وبهذا وحده يصعد الصاعدون على ضوء فلا تزال لهم قدم في شعاب المرتقى, ويهبط الهابطون وقد خلفوا وراءهم مشاعل الطريق, تطرح أمامهم الظلال التي تزداد طولا كلما أمعنوا في الهبوط, فيزدادون بطول ظلالهم ثقة واطمئناناً بما صنعوا لمن جاء بعدهم في مراحل الطريق.
وإني لأستثنى حياتنا السياسية وحدها, وأسأل بعد ذك: هل حمل جيلنا الدابر في أيديه المشاعل ليهتدى بضوئها الجيل الصاعد, أم أن أبناء هذا الجيل الصاعد يشرئبون بأعناقهم عبثاً, ويشحصون بأبصارهم سدى فلايجدون أمامهم إلا ظلاماً يتخبطون فيه على غيرهدى؟ - بعبارة أخرى: هل رسم الجيل الدابر لخلفه المثل العليا التي يترسمها في شتى جوانب حياته؟ وقد اسثنيت الحياة السياسية, لا لأني راض عنها كل الرضا, بل لأن رجال السياسة – الى جانب نقائصهم الفادحة وعيوبهم البشعة – قد رسموا المثل الذي نترسمه: وهو أن نعمل في سبيل تحرير انفسنا من الغاصب, وها نحن أولاء ما ضون فيما دعونا اليه, وكأنما ينظر شبابنا فلا يرون أمامهم افكاراً تنتظر التحقيق, إلا الأفكار التي يدعوهم الساسة اليها, فينصرفون بكل جهدهم نحو هذه الغاية وحدها, ولاعجب, فلم يقم غير رجال السياسة بوضع غايات أخرى امام الشباب الى جانب تلك الغاية, فيستحيل أن يقع اللوم كله على الشباب ,إذا رأيناهم قد ذابوا في مجرى الحياة السياسية ذوباناً يختل معه توازن الحياة.
www.balagh.com
|