|
د. عبد اللطيف معاليقي
إن وضعية المراهق هي وضعية لا تخلو من المغالطة : فمن ناحية يشعر المراهق أنه أصبح راشدا يتألم من العوائق التي يضعها الأهل أمام تحرره واستقلاليته , ولكن من وجهة ثانية فإن الأهل لا يمكنهم ترك الحرية الكاملة لأبنائهم , إن هذه الوضعية تشكل في أغلب الأحيان , أساس الصراع بين الأهل والمراهقين .
إن مسؤولية الأهل هي في وضع مبادئ وإقامة حدود للحرية والبرهنة على قيمتها ,وعلى المراهقين أن يعرفوا ماهو موضوع إحترام الأهل وما هو موضوع موافقتهم , فأمر طبيعي أن يعارض المراهقون مبادئ الأهل وأن يقاوموا سلطتهم , إذ لا يمكن أن تتشكل شخصية الفرد بالرضوخ الأعمى والقبول المطلق , فمن واجبات الأهل التنبؤ بمشاعر أبنائهم ضد سلطتهم , وقبولهم بمواقفهم .
ولكن يجب أن يدرك الأهل أن هناك فرقا بين المنع المطلق والدائم , والمنع الذي يضع حدودا للحرية والتصرف , فلا ينبغي أن نتجاهل ما يفكر به المراهقون , وأن نمنع استجاباتهم الدفاعية بالغضب والثورة , على الأهل أن يفرضوا الحدود التي يؤمنون بها بطريقة تحفظ كرامة المراهقين ومواقفهم , ولا ينبغي أن تكون هذه الحدود اعتباطية أو خاضعة للمواقف الحالية بل قائمة على مبادئ واضحة والأسلوب الصحيح في التعامل مع المراهقين يجب أن ينطلق من التمييز بين المشاعر والأفعال , فلا بأس في أن يكون هناك هامش من التسامح في ما يتعلق بالمشاعر والرغبات , ولكن التشدد أمام كل تصرف غير مقبول يجب أن يكون أمرا ضروريا .
إن احترام آراء المراهقين وعدم التبخيس في قيمة أحلامهم وطموحاتهم هي حقوق لهم , كما أن واجب التدخل في بعض الأفعال وتقويمها , هما من الحقوق المشروعة للأهل .
فما هو أفضل بكثير من النصائح , صورة الاهل والمحيطين لتوجيه المراهق في اتجاه طريق المسؤولية والوعي , وبصورة عامة إن البحث عن حرية وهمية من قبل المراهقين , هو نتيجة لتربية قاسية , أو لفقدان أي شكل من أشكال التربية , ففي كلا الحالتين يشعر المراهق بالحاجة إلى الرغبة في فرض نفسه ككائن مختلف عن الراشدين , أكثر مما يشعر بالحاجة إلى الحرية , فالأهل الذين يفرضون عليه تربية غير متوافقة , يخلقون مناخا من عدم الإطمئنان , فيحاول عندئذ التخلص من هذه التأثيرات الصادة ويتخذ الموقف الإنسحابي بأسم الحرية .
موقفان يعتبران سلبيين يتخذهما الأهل عادة تجاه مطلب الحرية من قبل المراهقين , في الموقف الأول نجد محاولة إظهار القوة من قبل الأهل , ومحاولة التثبت من منهما الأقوى , فيستجيب الأله لعدوانية المراهق ووقاحته بحرمانه من الخروج من البيت أو بحرمانه من المال ...إلخ , وفي الموقف الثاني يستجيب الأهل للعدوانية والوقاحة بمحاولة عدم الإهتمام أو عدم الإكتراث , إما ظاهريا وإما بطريقة مقنعة .
إن هذين الموقفين يؤديان إلى أن أزمة النمو في مرحلة المراهقو , التي هي أزمة مؤقتة , قد تصبح أساسا لنزاع عميق ومستمر بين المراهق والأهل .
إن المراهق الذي بدأ يعي ذاته يرغب في أن يرى فغي أهله قيم الراشدين , لأن الوعي بالذات يصاحب , في الوقت نفسه بالوعي بالآخرين , فالمراهق لا يتطلب من الأهل الكمال الذي بدأ يدرك أنه وهم من الأوهام , بل يطلب أن يتحملوا بإخلاص مسؤوليتهم لمساعدته على تقبل ذاته .
www.balagh.com
|