|
د.فخري مشكور
عنوان الحلقة..صمت وتأمل ووجوم.
ترك الوالد ابنه حائراً من هول الصدمة,وانسحب الى غرفة نومه حيث أمه جالسة تنتظر نتيجة اللقاء,سألها مبتسماً,يبدوأنك سمعت الحديث ,أليس كذلك؟
أجابته: نعم,ولكن,هل سيتحمل هذه الصدمة؟
أجاب الأب: أظنه كذلك,كما تحملها أخوه من قبل.
أطلقت الأم آهة متصلة بدعاء :"اللهمأهده بهديك,واستخلصه لطاعتك,واجعله من جندك".
ثم خاطب الأب :"تذكرت الموقف من أخيه عندما بلغ سنالرشد,يومها كنت قلقة جداً,قلت لك: إنك تمارس لعبة خطرة قد تؤدي بالولد الى الانحراف,فطمأنتني الى النتيجة,وشرحت لي ضرورة تلك العملية,وها نحن الآن نشاهد النتيجة ,لقد أصبح في اوروبا علماً من أعلام الهداية الى الله,لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها ,ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها.
أطرق الأب قليلاً ,ثم قال:
لو تركناه على تدينه التقليدي,وعقيدته الموروثة,وصلاتهالمكتسبة من البيت ومن تقاليد المجتمع,فإنه قد ينحرف إذا واجه تيارات فكرية مخالفة ,أو تقاليد مجتمع مختلفة,أو عادات بيئية أخرى.
حدقت الام صوب غرفة ولدها وتنهدت,وقالت :"لهفي عليك يا ولدي كيف ستنقضي عليك هذه الليلة؟!".
رمقها الأب بنظرة ذات مغزى,وهو يقول :"كيف انقضت الليالي على إبراهيم,وهو يرى ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين,الى أن وجّه وجهه للذي فطر السماواتوالأرض حنيفاً مسلماًوما كان من المشركين".
أما الابن المراهق,فبعد أن أغلق أبوه الباب ظل متجمداً بلا حراك,ثم شعر بدوار,فألقى بنفسه على السرير ,ودارت في ذهنه خواظر عديدة متلاحقة ومتضاربة,ولم يستطع أنيتبين ماذاحدث ولاكيف يواجهه.
أحس للحظة أن رأسه يريد أن ينفجر,لكنه سرعان ماتمثلت أمامه صورةأمه,وهي تجلس في مصلاها مستقبلة عند الشدائد ,رافعة يديها بالدعاء,مكررة بصوت شجي.
"الهي من لي غيرك أسأله كشف ضري والنظر في أمري؟".
وباستجابة سريعة الى إيحاء تلك الصورة,نهض من مكانه,وتوجه على عجل الى صنبور الماء ليسبغ الوضوء ويعود الى غرفته,ليتوجه نحو القبلة ويصلي ركعتين ,اعتراه خلالهما شعور بالخشوع المشوب بالخوف والقلق,كما راحت تساوره أفكار متناقضة,وترن في أذنيه الكلمات التي سمعها من أبيه.
"كل ماتعلمته من الدين قبل البلوغ كان خطأ".
توقف أثناء صلاته وكاد يقطعها,لكنه واصل جهده في استحضار فكره فيما يقرأ.
فقد كان أبوه يعلمه على التوجه في الصلاة,والانتباه الى معاني مايقرأه من ذكر أثناءها.
نعم,كادت تقطع سلسلة أفكاره جملة أبيه.
"ومن هو الله؟"
يهتز ويضطرب لكنه يتمالك نفسه حتى يصل الى القنوت,يرفع يديه وتنطلق منه الكلمات بقوة وحرارة.
"يادليل المتحيرين,ياهادي المضلين,ياأرحم الراحمين,يا هو اقراب الي من حبل الوريد,أنقذني من حيرتي"
يتوقف لحظات,وأفكاره تتقاطع مع بعضها,وقلبه يخفق بشدة ثم يسكن,فجأة تعتريه حالة من الاطمئنان,عندما تنطبع في ذهنهصورة لوحة يقرأها كثيراً في المسجد.
(وإذا سألت عبادك عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
www.balagh.com
|