|
مصطفى أمين
عندما ارى شاباً طموحاً يتعجل النجاح, ويريد ان يقفز بسرعة اتساءل هل نحن نظلم شباب هذه الايام عندما نتهمهم بالتسرع وبقلة الصبر؟ وهل نحن نخطئ عندما نقيس سرعة انطلاقهم بسرعة انطلاقنا!
في ايامنا كانت الناس تركب الحمير والجمال والقطارات والسيارات.
وفي ايامهم اصبحت الناس تركب الكونكورد وتتحدث عن الصاروخ!
اليوم تستطيع ان تفطر في القاهرة وتتغدى في لندن وتتعشى في نيويورك فهل نطلب من شاب اليوم ان يركب حماراً او جملاً وينطلق الى احلامه!
في ايامنا كان الصبر مفتاح الفرج, وفي ايامه يصبح الانطلاق هو المفتاح! جاءني شاب لم يصل بعد الى سن الثلاثين وقال لي انه يفكر في الاستقالة من عمله, لانه مضى عليه وقت طويل جداً بغير ان يحصل على علاوة أو ترقية! وسألته عن هذا الوقت الطويل جداً, فأجاب انه خمسة اشهر و21 يومياً!
وتذكرت انني عندما كنت في مثل عمره كنت محرراً في جريدة الاهرام ومكثت ثماني سنوات دون ان احصل على علاوة واحدة! ولم اغضب ولم أحتج ولم أفكر في الاستقالة. فهل كنت في تلك الايام شاباً بلا احلام وبلا طموح؟ كلا؟! كانت أحلامي كبيرة, وكنت أعلم أن تحقيق هذه الاحلام يحتاج الى عمل كبير, والى جهد كبير, والى عرق يبذل, والى اعصاب تحرق ولقد قلت لهذا الشاب ان تجربتي في الحياة ان الفرص لا تنتظر في الشارع! انها دائماً تدخل المكاتب, وتذهب الى الذين يشغلون وظائف, فاذا وجدت شاباً بغير وظيفة وبغير عمل تركته الى شاب اخر يعمل, وانتزعته من وظيفته لتعطيه فرصة اكبر! بمعنى ان الفرص لا تدق الجرس على ابواب العاطلين, وانما تدق باب العاملين الناجحين. تجربتي ان الشاب الناجح الذي يبقى في عمله يزاوله, ويتحمل متاعبه, ويصبر على الاجر غير الكافي, سوف يجد يومياً من يدق الباب ويعرض عليه مرتباً أكبر وعملاً أكبر وفرصة أكبر وأكبر!
ولم يقتنع الشاب برأيي واصر ان يستقيل. ورفض ان يصبر. وقال ان فلسفتي قديمة عفى عليها الزمن. وان الدنيا تغيرت, وان الفرص لم تدق ابواب العاملين. انها تنتظر الناس في الفنادق والحانات والكبريهات والشارع العام!
واستقال صاحبي الشاب من وظيفته وجلس في بيته بنتظر.
ومضى عامان ولم يدق الباب حتى الان!
يبدو ان "الفرصة" هي الاخرى من الجيل القديم الذي لا يركب الكونكورد والصواريخ!
www.balagh.com
|