|
مؤسسة البلاغ
كلنا شاهد الربيع وعاش أجواءه الجمللة التي تطرب الروح وتداعب الخيال.. كل شيء في الربيع يبدأ من جديد..
الأزهار تتفتح على الأشجار وتملأ الفضاء بعطرها الرائع.. المزارع والحقول تكتسي بالأوراق الخضراء والرياحين الفواحة.. الطيور تغرد فرحاً لعرس الطبيعة..
الفراشات تتراقص هي الأخرى بين الأزهار على أنغام النسيم الربيعي الهادىء.. والأضواء تلعب على لوحة السماء الصافية لعبة الشروق والغروب وقوس القزح..
هذا هو الربيع,حركة ونهوض وولادة..
شاء الخالق عز وجل أن تكون حياة الانسان كفصول السنة,تبدأ بالربيع وتزدهر في فصل العطاء..ربيع العمر يمر به الشخص منذ ولادته حتى ريمان شبابه..وتشكل فترة البلوغ أو ماتعرف بسنوات المراهقة فصل العطاء والإزدهار من هذا الربيع..
في هذه المرحلة من العمر يكتشف كل فرد عالمه الجديد كما يكتشف الرحالة أرضاً جديدة فيسير في آفاقها الواسعة ليقضي فيها أحلى أيام العمر..
الطير عندما يكون صغيراً لايعرف إلا عشه الدافىء الذي هيأته له الأم بعناء وصبر وغذته فيه من الأطعمة التي حملتها اليه,فإذا قويت جناحاه صار يجرب الطيران في آفاق الجو ,ويحلق فوق الأشجار والأنهار,ويختار لنسفه ماشاء من الحبوب والثمار.
كما هي دودة القز تعتاش في بداية حياتها على أوراق الشجر,تقظم ورقة من هذا الغصن وورقة من ذلك الغصن ,وتنتقل في بطء شديد,ثم تحبس نفسها في الشرنقة,فتخرج منها فراشة تسحر العيون بألوانها الزاهيةبينما جناحان يرفرفان تحت أشعة الشمس المتلألأة,تتفتح كذلك آفاق الحياة أمام المراهق فتى أوفتاة,في هذه المرحلة من العمر,فتدعوه للنظر اليها واكتشاف مجهولاتها وأخذ التجارب منها..
عالم جديد وتحولات جديدة في الجسم والفكر والعواطف..هذه التحولات ليست اضراباً أو فوضى تريد تخريب عالم الطفولة الذي نحمل منه أحلى الذكريات ,ولكنها تريد إعادة ترتيب الأمور,فهي ولادة جديدة للحياة كما هي في الطبيعة..
البراعم تخرج من تراب الأرض لتنمو على سطحها,وتكبر وتتفرع أغصانها حتى تصبح أشجاراً كثيفة الظل حلوة الثمار..
إننا نشاهد مثل هذه الولادة في أجسامنا أيضاً,فالأسنان تشق لثة الطفل الرضيع لتهيئه لمضغ الطعام الصلب,ثم تأتي الأسنان الدائمية بعد سنوات لتحل محل الأولى..
مايحدث لنا من تحول في سن المراهقة هو أهم بكثير من خروج تلك البراعم أو بزوغ هذه الأسنان وتعاقبها..علينا في هذه السن أن نهتم بهذا التحول الجديد ونحسن التصرف معه,ونستثمره في حياتنا استثماراً كاملاً حتى نصل الى الرشد.
رحلة التحول هذه تحتاج منا الى شيء من التفهم,وقليل من الصبر والتحمل,وقدر من المسؤولية ..
الفهم الصحيح هو الذي يربطنا بالحياة مباشرة ويعرفنا على مواهبها الحقيقية.
والمسؤولية تدفعنا الى تحقيق مانريد من هذه الحياة ليكون كل شيء بالنسبة لنا مفيداً وهادفاً..
والصبر والتحمل نحتاجها لصعوبات الطريق الذي يضعنا على أبواب الرشد..
ويمكن لكل مراهق أن يشعر بالمتعة والسعادة إذا تجهز لرحلة العمر هذه..فإن آفاق الحياة متفتحة لاسيما لمن كان في فصل العطاء..
www.balagh.com
|