شباب

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

سؤال مشروع.. أليست حرِّيتي مهدّدة؟

* أسرة البلاغ
يمكن لأيِّ شاب أو فتاة أن يطرحا سؤالاً مشروعاً كهذا:
هذه العبادات.. هذه الفروض أو الفرائض والواجبات والالتزامات والتعهّدات.. أليست قيوداً تُقيِّد حرِّيَتي؟ ألا تنتقص منها؟ ألا تؤثِّر على اختياراتي فتضيِّقها؟
لابدّ لنا أوّلاً من أن نعرف: إنّ كلّ نظرة عامّة، كلّ نظرة أوّلية، تقدِّم انطباعات سطحيّة.. ربّما تكون مخيِّبة.. وقد تُسبِّب الإحباط، ولكنّ (التعمّق) و(الغوص) هو الذي يكشف (الكنوز) و(الأسرار).
العبادات في الإسلام نظام كلِّيّ.. أي أنّها تعمل عملاً تضامنيّاً وتكامليّاً، فهي ليست مفصولة أو مقطوعة عن بعضها.. هي متّصلة ومتداخلة مع بعضها البعض.. ولذلك فكلّ عبادة تنفتح على الأخرى وتغذِّيها وتقوِّي من أثرها.
إنّ الطبيب الذي يكتب لي وصفة بثلاثة أو أربعة أدوية، يعرف أكثر منِّي حاجتي لكلِّ دواء، وأنّ لكلِّ دواء خصوصيّة أو أثره المحدّد في الشِّفاء، فإذا تناولتُ دواءً واحداً من دون الأدوية الأخرى فقد لا أتماثل للشِّفاء كما ينبغي، وهكذا هي العبادات لا يغني بعضها عن بعض.
فللصّلاة دورها، وللصّوم أثره، وللزّكاة فعلها، وللحجِّ وظيفته. وللجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر موقعه من هذه التشكيلة المترابطة ترابطاً عضويّاً، ولا تعني مقولة إنّ الحجّ للمستطيعين أنّه فريضة أقلّ من بقية الفرائض دوراً أو شأناً، بل لأنّ الله اللّطيف الخبير لا يريد تكليفنا فوق طاقتنا، أو إلزامنا بما هو خارج عن وسعنا وتحمّلنا مادِّيّاً ومعنويّاً، وإلاّ فالحجّ فُرِضَ لـ(تقوية الدِّين)!
فإذا نظرنا إلى التشريع (العبادات) نظرة توحيديّة شموليّة متكاملة، عرفنا أنّها – ككلّ متكامل – (حصانة) و(حماية) و(تقنين) و(نظام) و(منهج حياة)، وبالتالي فلا خوف على حرِّيّتي من الانتقاص أو الانتهاك أو المصادرة، ما دامت مصونة ومحميّة ومقنّنة بما يحفظ لي حياتي وحياة الآخرين في سلام وهناء.
لقد أثبتت تجربة الإنسان الطويلة مع الحرِّيّة الكاملة المطلقة غير المنضبطة بضوابط. مدمّرة على الصعيدين الفردي والاجتماعي معاً. فالدكتاتور المتسلِّط والمستبدّ – فرداً كان أو نظاماً – يشعر بحرِّيّة مطلقة: لأنّه يعتبر نفسه أنّه فوق القانون، فماذا كانت نتائج الاستبداد والدكتاتوريّة؟
لذلك كلّه، فإنّ قراءة واعية ومستوعبة ومتأمِّلة في نظام العبادات المُصمّم لغاية نبيلة وسامية في حياة الإنسان، وهي (سعادته) في أن نأمل منه الخير ونأمن منه الشرّ، هذه القراءة ستضع أيدينا على أنّ تصوّرنا للحرِّيّة ضمن العبادة فيه شيء من سوء الفهم.
إنّها (كوابح) و(ضوابط) و(تقنيّات) من أجل المصلحة والمنفعة والنظام العام، وليست نتيجة عقدة أو رغبة في تضييق الخناق والتشدّد بلا سبب.
وإليك إثباتات ذلك:
1- لا تكليف – في العبادات الاسلامية كلّها – فوق الطاقة: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة/ 286). ولذا فإنّ حدود التشريع هي (القدرة)، فإذا انتهت القدرة أو تعطّلت لمرض أو إصابة أو تعويق أو ضعف شديد لا يُحتمل، توقّف التشريع!!
(المصلِّي) يُصلِّي بشكل اعتيادي في ظروفه الصحِّيّة السليمة، فإذا مرض وصعب عليه ذلك صلّى من جلوس، وتشقّ عليه العبادة – ومنها الصلاة – في السفر فيختصرها ويقتصر على ما حدّدتهُ الشريعة له.
و(الصائم) يصوم ما دام مستقرّاً في بلده، متمتِّعاً بصحّته، فإذا سافر أو مرض تأجّل صومه إلى أيّام أخرى.
وغير القادر على تكليف الحجّ ونفقاته.. لا يجب عليه الحجّ.. أي تسقط عنه الفريضة.
ومَن ليس لديه مال يزكّيه، فليس عليه زكاة.. وهكذا.
فهل هذا (تقييد للحرّيّة) أم هو مساحات مفتوحة للحرّية. كلّما ضيّق الخناقَ علينا ضعفٌ أو مرضٌ أو فقرٌ أو سببٌ قاهر؟!
2- العبادات أيضاً محكومة بقاعدة (اليُسر) والتبسيط والسهولة والسماحة: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة/ 185). فالدّين الإسلامي لا يُجبرك على قراءة القرآن، ولكن يقول: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزَمِّل/ 20). والدّين لا يُلزمني على عمل النوافل والمستحبّات، بل يقول لي: هذه أشبه بالمكتبة التي في المدرسة.. بعض الطلبة يكتفي بالمنهج الدراسي والكتب المُقرّرة، يقرأها ويُمتَحن فيها، فينجح ويتخرّج ويحصل على الشهادة.
وبعض الطلبة لا يكفيه المنهج المحدّد، فيطلب المزيد، ففتحت له إدارة المدرسة مكتبة يُنمّي فيها معارفه، ويُلبّي فيها احتياجاته العلميّة والعقليّة، ويروّي عطشه ويُشبع نهمه من كتب ليست إلزاميّة.
المنهج المقرّر (واجب)..
لكنّ المكتبة (تطوّع)!
3- لم يجعل الله في أيّ تكليف عبادي حرجاً عليك: (وما جعلَ عليكُم في الدِّين من حَرَج) (الحج/ 78).
الطّهارة والنظافة وتخليص الجسد من النجاسات التي تضرّه وتشوِّه صورته الجمالية، واجبة، لكنّ الماء إذا لم يتوفّر، أمكنك أن تتيمّم بالتراب. يقول تعالى: (ما يُريدُ اللهُ ليجعل عليكُم من حرجٍ ولكن يريد ليُطهِّركم) (المائدة/ 6).
والإنفاق في سبيل الله (لتلبية احتياجات المعوزين والمحتاجين والفقراء) واجب لمَن يتمكّن عليه، ولكن مَن لا يملك الكثير لا يعدم القليل، يقول سبحانه: (ولا على الّذينَ لا يجدونَ ما يُنفقونَ حرجٌ إذا نصحوا لله ورسوله) (التوبة/ 91).
ولذلك عدّد الإسلام الصّدقات ولم يحصرها بالمال فقط، فالكلمة الطّيِبة صدقة، وتبسّمك في وجه أخيك صدقة، ورفع الأذى عن طريق المسلمين صدقة.. والقائمة طويلة عريضة.
إنّ (الأعمى) و(الأعرج) و(المريض) يجدون حرجاً وصعوبة في القيام وأداء بعض الأعمال الواجبة (الفرائض)، ولأنّ خالقهم أدرى بمعاناتهم، قال: (ليسَ على الأعْمى حَرَج) (ولا على الأعْرَجِ حَرَج) (ولا على المريضِ حَرَج) (النور/ 61).
أي..
مَن له (ظرف) خاصّ.. له (تكليف) خاصّ.
4- وفي حالة العجز والقصور يُرفع التكليف نهائياً: فلا عبادات على الصبيان والمجانين والنائمين والمضطرّين. فالمضطرّ الذي اضطرّته الحاجة الشديدة كالجوع القاتل مثلاً أن يأكل من لحم الميتة (الحيوان غير المذبوح على الطريقة الإسلامية)، والمقتول قتلاً أو الذي مات من مرض رغم أنّ أكل الميتة في الشريعة الإسلامية حرام.
5- في مقابل الواجبات والفرائض (العزائم) هناك (رُخَص) ومسامحات وعفو، فالفتاة أو المرأة لا تجب عليها الصّلاة في فترة الحيض (الدوّرة الشهرية)، ولا تقضي صلاتها بعد ذلك.. وتؤجِّل صومها لتقضي ما فاتها بعد شهر الصيام.
والله تعالى يُعبَد في هذا وفي ذاك.. فالرّخصة (نعمة) و(فضل) و(لطف) ومسامحة، وليست انتقاصاً من الأجر، والله يحبّ أن يُطاع في (الفرائض) وفي (الرُّخص).
فحتى لو أنني استطعتُ الصلاة كاملة في السفر، لكنّني يجب أن ألتزم وأعمل بالرّخصة (القصر في الصّلاة) وأشكر الله أن سهّل عليَّ ذلك.
6- ومن قواعد الحرّية في العبادة قاعدة تقول: "إذا شككتَ فابنِ على اليقين". أي لا ترتِّب أثراً على الشكّ لأنّ اليقين لا يُنقَض إلّا باليقين ولا يُنقَض بالشكّ. فمجرّد الشكّ أنّني لم أفعل العبادة لا يكفي في أدائها إلّا إذا كنتَ على يقين تامّ من عدم الأداء فأؤدّي ما عليَّ.
7- وكل شيء مُباح لك و(حلال) إلّا ما ثبت بالدليل أنّه حرام، فليس لي أن أجتهد وأقول هذا حلال وهذا حرام إلّا بمعرفة ودليل وشهادة، وما لا أعرف حرمته وقد عملته فهو من المعفوّ عنه، وإذا استوقفني شيء لا أعرف هل هو حلال أم حرام سألتُ العارفين، كما يسألُ السائق: أين الطريق؟ إذا سارَ في طريق لأوّل مرّة.
هذه وغيرها من القواعد تجيب إجابة عمليّة على أنّ العبادات في الإسلام ليست قيوداً حديديّة، وإنّما هي (تمارين) لتقوية الدّين والإرادة والضّمير والتقوى والشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2008 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R