شباب

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الشاب العاطل.. عالة على نفسه ومجتمعه

* أسرة البلاغ
لقد كان بعيد النظر ذلك الشاعر الذي يقول:
إنّ الفراغ والشباب والجدة ***** مفسدةٌ للمرء أيّ مفسدة
فلقد شخّص الآفة تشخيصاً دقيقاً، فإذا اجتمعت للشاب مستجدات الحياة وملذّاتها وفراغ غير مملوء بالجاد والنافع والهادف من البرامج والأعمال، فإنّ شبابه يتعاطف مع المفسدين: الفراغ والجدّة، في ظلّ غياب التوجيه والرقابة والتعليم والتربية.
والذين يعانون البطالة من الشباب هم أحد إثنين، إمّا أبناء الأثرياء الذين يتّكئون على ثروة آبائهم، أو الفاشلون دراسياً الذين لم يجدوا غير الشارع مأوى لهم. وقد يضاف إلى هؤلاء وهؤلاء اُولئك الراغبون بالعمل ولم يجدوه.
وأيّاً كان الشاب العاطل عن العمل فإنّه سيكون عالة على نفسه وأهله ومجتمعه، وسيجني من بطالته عناءً وآلاماً يتجرّعها هو ويجرّعها الآخرين. فممّا لا شكّ فيه أنّ العمل يصلح أخلاق الشاب، ويهذّب سلوكه، ويخفّف من إصابته بالأمراض المعاصرة: القلق والسأم والاكتئاب.
ولقد كان رسول الله (ص) إذا نظر إلى شخص فأعجبه قال: "هل له من حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال: سقط من عيني". ذلك أنّ الذي يرفع الشاب والفتاة في أعين الناس ما يحسنونه يجيدونه من عمل "قيمة كلّ امرئ ما يحسنه".
والشباب العاطلون كثيراً ما تدفعهم البطالة إلى التسوّل والخضوع لذلّ السؤال ممّا يؤدِّي إلى الإحساس بانكسار الشخصية. فلقد جاء شخص إلى الإمام الصادق (ع) فقال إنّه لا يملك يداً سالمة ولا مالاً ليتاجر به، وكأنّه أراد الحصول على موافقة الإمام بطلب مساعدة الناس، ولكنّ الإمام رأى أنّه يملك جسماً سالماً فأبى عليه أن يحطّم عزّته وشرفه بذلّ السؤال، فقال له: "اعمل واحمل على رأسك واستغن عن الناس".
وقد تتاح لبعض الشبان والفتيات فرص عمل شريفة ونظيفة لكنّهم إمّا يستنكفون من العمل بها، أو يرفضونها لأنّهم اعتادوا الخمول والكسل والبطالة، ناسين أنّ تأمين العيش سيحفظهم ويحفظ المجتمع من جرائم وأعمال غير مشروعة.
ولقد ورد عن النبّي (ص): "طوبى لعبد طاب مكسبه"، وقال أيضاً: "اعملوا فكلُّ ميسّر لما خُلق به". الأمر الذي يجعلنا نطمئن أنّ لكلّ شاب وفتاة بل ولكلّ إنسان فرصة أو أكثر من فرصة للعمل والإنتاج والإبداع، فلِمَ يُلقي كلّه على غيره، وإلى متى يبقى عالة على والديه؟ فهناك بعض الشبان والفتيات في بعض البلدان المنتجة يستغلّون فرص العطل الشتوية والصيفية ليمارسوا مهنة ما فيكتسبوا أصولها ويكسبوا مالاً يؤمّن احتياجاتهم ويشعرهم بالاعتزاز والافتخار بأنفسهم.
كان رسول الله (ص) ذات يوم جالساً مع أصحابه فنظر إلى شاب ذي جَلَد وقوّة وقد بكّر يسعى، فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله؟ فقال (ص): "لا تقولوا هذا، فإنّه إن كان يسعى على نفسه ليكفّها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان".
ولينظر كلّ شاب وكلّ فتاة إلى قوله (ص): "فإن كان يسعى على نفسه ليكفّها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله" لأنّه بذلك يحفظ لنفسه عزّتها وهو أمر قد أولاه الاسلام غاية الأهميّة.
إنّ للشباب أو الفتاة احتياجاتهما الذاتية في شراء ما يشتهون من لباس وحليّ وطعام وكتب وأدوات تطوير للمواهب، بل أدوات للتسلية في أوقات الفراغ، إضافة إلى الحاجة لبناء شخصياتهم المالية بشكل مستقل، ولا يتم ذلك بانتظار ما تجود به يد الوالد أو الوالدة، وهم في العادة لا يبخلون، لكن ما تحصل عليه من مكسبك الخاص له طعم خاص.
ولقد كان من نتائج البطالة الوخيمة "التسكّع" على أرصفة الشوارع والمنعطفات وأمام واجهات المحلاّت وقبالة مدارس الفتيات، وشيوع ظاهرة المعاكسة وإطلاق الألفاظ المبتذلة، والايقاع بالفتيات صغيرات السنّ.
شكا داود بن زربي – وكان ثرياً – إبنه إلى الإمام الرضا (ع) فيما أفسد له. فقال: "استصلحه، فما مائة ألف فيما أنعم الله عليك". أي أعنه على إنشاء مشروع عمل يرتزق منه ويعتمد فيه على نفسه، فصلاح الشاب في عمله لا في ارتزاقه أو استطائه.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2008 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R