• ١٤ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٢ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

«ونفسٍ وما سواها»

الشيخ نعيم قاسم

«ونفسٍ وما سواها»

قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 7-10).

 

المفتاح:

النَّفْسُ الإنسانية هي المنطلق، نُجاهدها ونُزكيها لنقودها إلى طريق الخلاص، ولا نستسلم لهواها كي لا تحرِفنا إلى الهاوية.

قال تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا) (الشمس/ 1-6)، ثمّ قال: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا). أقسَمَ الله تعالى بالشمس والضحى والقمر والنهار والليل، والسماء وما ظهر فيها من قدرة الله تعالى في بنائها، والأرض وما طحاها في تعبيرٍ واضح عن عظمة خلق الله تعالى، ثمّ أقسَمَ قائلاً: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، فالقَسَم لأمرٍ عظيم، لينتبه الناس ويهتمون.

 

1- ضوابط الفطرة:

ما هي النفس؟ النفسُ الإنسانية هي محطُّ الأعمال، فعندما يموت الإنسان يفنى جسده في الأرض، ولكن نفسه تبقى حيَّةً في البرزخ، فالنَّفس الإنسانية هي الروح المبثوثة في جسد الإنسان والتي تنعكس الأعمال عليها. ماذا فعل الله تعالى بهذه النفس؟ (سوَّاهَا) بأن منَحَها أفضل المقومات، وخلقها وأعطاها (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الرّوم/ 30)، بخصائص ومميزات تتناسبُ مع أفضلِ حياةٍ للإنسان إذا أحسَنَ الاختيار.

ما هي ضوابط الفطرة؟ (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس/ 8)، أعطى هذه النفس قدرة أن تَفجُر وتنحرف، وقدرة أن تتَّقي وتستقيم، فيستطيع الإنسان أن يرتكب المعاصي أو أن يختار الطاعات. الفجر هو الذي يمزِّق الليل، كما في بعض التفاسير، والفجور هو تمزيق الإيمان وارتكاب المعاصي، فالفاجر يخالف التقوى والاستقامة، والتقوى هي الحماية والحذر والوقاية والانتباه من أن يعصي الإنسان ربه. فتحصَّلَ أنّ الله تعالى أودع النفس الإنسانية قدرة أن تختار طريق الفجور أو أن تختار طريق التقوى.

البدايةُ من النفس، ويقوم عملنا التربوي على توجيه هذه النفس الإنسانية، فالأهل يربّون أولادهم بمحاكاتها، والمعلمون والمربون يركِّزون على متطلباتها وما يؤثر فيها. في المقابل: شياطين الأرض والفاسدون يعملون أيضاً على النفس الإنسانية لحرفها، فيحرِّكون المشاعر والأهواء والرغبات نحو الفساد، بالترويج للانحراف كمصلحةٍ للإنسان. فالفعل على النفس الإنسانية هو البداية وهو الأساس.

قال أمير المؤمنين (ع): "إنّ النبيّ (ص) بَعَثَ بِسَريَّةٍ فلمّا رَجَعُوا.

قال (ص): مَرْحباً بقَوْمٍ قَضَوا الجهادَ الأصغَرَ، وبقي الجِهَادُ الأكبَرُ.

قِيلَ: يا رسول الله وما الجهاد الأكبرُ؟

قال (ص): جهادُ النَّفْسِ.

ثمّ قال (ص): أفضلُ الجهاد من جاهدَ نفسَهُ التي بين جنبيه".

جهادُ النفس هو نقطةُ الانطلاق، فمن جاهَدَ نفسَهُ وقهَرَ شيطانه امتلك نفسه، وأصبح مستعداً ليجاهد عدوَّه دائماً، أما الإنسان الذي لا ينجح في جهاد نَفسِه فقد يصبح أنانية وشهوانياً ومنحرفاً، يفكِّر بلذاته ويغرق في متطلباتها، فلا يُقدِم على الجهاد الأصغر، ولا يهتم بشؤون أُمّته.

 

2- طريق الخلاص:

قال أمير المؤمنين عليّ (ع): "رأسُ الدِّين مخالفةُ الهوى". الهوى هو الرغبات الموجودة عند الإنسان، منها ما هو محرَّم، ومنها ما هو محلَّل، فالإنسان يأكل ويشرب،وهي رغبة فطرية مرتبطة بحاجته إليهما، لكن الإشكال عندما يرغب طعاماً حراماً وشراباً حراماً. أوامر الإسلام ونواهيه أن امتنِع عن الطعام الحرام وكُلْ الطعام الحلال، امتنِع عن الشراب الحرام واشرب الشراب الحلال، امتنِع عن النظرة المحرمة والزنا فغُضَّ بصرك واختَر الزواج كما أمر الله تعالى، امتنِع عن الكلام الفاحش الذي يؤدي إلى الإساءة وقُلْ الكلام الحسن الذي يؤلِّف القلوب. فالنهيُ عن الهوى هو النهيُ عن الرغبات المحرمة التي تخالف الدين، وهذا ما عبَّر عنه أمير المؤمنين عليّ (ع): "رأس الدين مخالفة الهوى".

من الواضح أنّ الحرام جذّاب، فهو زينةٌ ورغبات، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران/ 14)، والزينة تُرغِّب وتجذُب، ولا يمكن مواجهة هذه الإغراءات إلّا بجهاد النفس، قال عليّ (ع): "بالمجاهدة صلاح النفس". عليك أن تجاهد نفسك، أي أن تبذل جهدك، فالجهاد من الجهد، وهو دفع العدوّ ومنعه. وعليك أن تواجه الشيطان الذي يوسوس لك: بأنّ هذه النظرة المحرَّمة بسيطة! وأنّ الله غفور رحيم! وهكذا في معظم الأمور المحرمة، حيث يستسهل بعض الناس تناول الطعام الحرام، والذبح غير الشرعي، والوقوع في الرغبة المحرَّمة، فيقعون في المحذور، والحل بالمجاهدة ففيها صلاح النفس.

ويقول أمير المؤمنين (ع): "سبب صلاح النفس العزوف عن الدنيا"، أي ترك الدنيا المحرمة، وقد سهَّلت شريعتنا المقدسة الأمر علينا، فحدَّدت المحرمات، وتركت المجال للحلال الواسع، فإذا امتنعنا عن الحرام، يعني أننا امتنعنا عن الدنيا المحرمة.

إنّ الالتزام الديني سهل، شرط أنْ يضع الإنسان قدمه على أول الطريق ويبدأ. جاء رجل إلى الإمام الباقر (ع) فقال له: "إنِّي ضعيفُ العَمَلِ، قَلِيلُ الصِّيامِ، ولكني أرجُو أن لا آكُلَ إلّا حلالاً. فقال (ع): أيُّ الاجتِهَادِ أفضَلُ من عِفَّة بَطْنٍ وفَرْجٍ"، فليس المطلوب أن تبقى قائماً ليلك وصائماً نهارك، ولا أن تمتنع عن ملذات الدنيا المحللة، (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف/ 32)، بل المطلوب أن تمتنع عن الحرام.

دعانا الله تعالى إلى الإيمان والالتزام فقال: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى/ 15)، أي لا تتبع المنحرفين الذين يرشدونك إلى المعاصي، وأحسِن اختيار الجماعة التي تسير معها: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف/ 28). أحسِن اختيار القرين والزميل والصاحب، واختيار البيئة والأجواء التي تعيش فيها ومعها. فلا يمكن أن تكون قوياً في طاعة الله تعالى، وأنت تزجُّ نفسَك في أجواء الفساد. يجلس بعضهم ثلاث ساعات في مجلسٍ كلُّه فساد بفساد، ويدَّعي قدرته في المحافظة على استقامته، فعندما يقولون كلاماً فاحشاً يسد أذنيه! وعندما يرتكبون المحرمات يبتعد قليلاً عن مجلسهم! وعندما يرى المظاهر غير الشرعية يصرف وجهه! أليس من الأفضل أن يترك هذا المجلس الموبوء!؟ فمن حامَ حول الحمى أوشَكَ أن يقعَ فيه.

تتأثر النفسُ الإنسانية بما يحيط بها، بشكل مباشر وغير مباشر، كما يحصل مع من يمرُّ في شارع مليء بالنفايات تفوحُ منها رائحةٌ نتنة وكريهة، ما يؤدي إلى أن تفوح الرائحة النتنة من ثيابه. أو إذا مرّ بالقرب من حديقةٍ فيها رياحين وورود، فتفوح من ثيابه رائحة عطرة وطيبة.

يتراكم النزر اليسير من السيئات يوماً بعد يوم، ليصبح كما قال تعالى: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين/ 14)، فالصدأ يتراكم على مراحل، وانسداد الشرايين لا يحصل فجأة، فكلُّ شيء يبدأ قليلاً ومحدوداً، ثمّ يزداد، ثمّ يصبح سداً صلباً. الصلاة وحدها لا تكفي، فإذا كانت محاطةً بالفساد تفقد فعاليتها، والصوم المحاط بالمنكرات يعيق قوة الإرادة والصمود، فعلينا أن نوفِّر الأرضية الصالحة – ما أمكن – لتحقيق الأهداف، بالطاعة والابتعاد عن المعاصي.

 

3- نتيجةُ جهادِ النَّفْس:

قال رسول الله (ص): "جاهدوا أنفسكم على شهواتكم تحل قلوبكم الحكمة"، لأن مواجهة الشهوات يحمي النفس ونقاءها، فلا تختلط الأمور على الإنسان، ويكون أصفى عقلاً وتفكيراً فيما يُعرض عليه، فتصدر مواقفُهُ حكيمة بما أنعم الله تعالى عليه من صفاء واستقامة.

وقال أمير المؤمنين عليّ (ع): "من قويَ على نفسِهِ تناهى في القوة"، إذ إنّ السيطرة على النفس نجاحٌ في اختبار القوة داخل الإنسان، فيستخدم استعداداته وقدراته كاملة في مواجهة التحديات الخارجية، ما يجعله متناهياً في القوة، وثابتاً في مواجهة المعاصي والتحديات. قال تعالى في كتابه العزيز: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت/ 69)، فالمجاهدة تُراكِم القوة، وتفتح سُبُل الهداية، ومن وصايا الخضر (ع) لموسى (ع): "رُدَّ نفْسَكَ على الصبر تخلص من الإثم"، فالصبر نتيجة المجاهدة التي تؤدي إلى امتلاك القدرة للتخلص من الإثم.

وفي الأثر عن زليخا زوجة عزيز مصر، في زمن النبي يوسف (ع)، قولها ليوسف (ع) لما أصبح حاكماً: "إنّ الحرص والشهوة تُصيِّر الملوك عبيداً، وإنّ الصبر والتقوى يُصيِّر العبيد ملوكاً. فأجابها يوسف (ع): قال الله تعالى: إنّه مَن يَتَّقِ ويِصُبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المحسنين".

ولا تنسَ الخلاصة المهمة لكلِّ عمل الدنيا، وهي النتيجة في الآخرة: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات/ 37-41).

مرّ أمير المؤمنين عليّ (ع) بقتلى الخوارج يوم النّهروان مخاطباً إياهم: "بُؤساً لكم لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَن غَرَّكُمْ فقيل له: مَن غَرَّهُم يا أمير المؤمنين؟ فقال: الشيطان المُضِلُّ، والأنفُسُ الأمّارةُ بالسوء، غرَّتْهُم بالأمانيِّ، وفسَحَتْ لهم بالمعاصي، ووَعَدَتْهُمُ الإظهار، فاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ".

تكون المكانة العظيمة لمن قاد نفسه إلى صلاحها، فعن أمير المؤمنين عليّ (ع) "إنّ المجاهد نفسه على طاعة الله وعن معاصيه، عند الله، بمنزلة برّ شهيد".

 

4- بَذْلَ الجُهد:

الخطوةُ الأولى للامتناع عن الحرام عدم الاستجابة له في اللحظات الأولى، يدعمها الابتعاد عن أماكن الفساد وأجوائه، فاللَّذة تعبُرُ بسرعة، فإذا تخطى الإنسان مقدماتها، تمُرُّ لحظات المعصية من دون الوقوع فيها. ويقتضي الحذر أن لا نستخفَّ بالمعاصي مهما كانت صغيرة، فعن أمير المؤمنين عليّ (ع): "ولا تأمَنْ على نفسِكَ صَغِيرَ معصيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْه"، وعنه (ع): "فلا تجْعَلَنَّ للشيطانِ فِيكَ نَصيباً، ولا على نَفْسِكَ سَبيلاً". إنّ افساح المجال لارتكاب المعاصي الصغيرة، قد يفتح الباب على تراكمها وارتكاب المعاصي الكبيرة، فتصعب التوبة. قال رسول الله (ص) في حديث المعراج: "يموت الناسُ مرةً، ويموتُ أحدُهُم في كلِّ يومٍ سبعين مرةٍ من مجاهدةِ أنفسهم، ومخالفة هواهم، والشيطان الذي يجري في عروقهم"، فمع استمرار المجاهدة يعتاد الإنسان، لتصبح نمطاً وسلوكاً، أما مع التراخي والاستسلام فالخسارة كبيرة، (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر/ 19).

ينصحُنا أمير المؤمنين عليّ (ع) بأن نجاهد أنفسنا بتصميم وثبات، فيقول (ع): "جاهِد نفسك على طاعة الله مجاهدةَ العدوّ عدوَّه، وغالِبْها مغالبَةَ الضِّد ضدَّه، فإنّ أقوى الناس من قويَ على نفسِه". والفائز هو الذي يملك نفسَهُ وهواها ليوجهها كما يريد، من دون أن ينقاد إليها كما تُريد، فعن النبي (ص): "جاهدوا أهواءكم تملكوا أنفسكم".

 

المصدر: كتاب مفاتيح السعادة

ارسال التعليق

Top