• ٢١ حزيران/يونيو ٢٠٢١ | ١١ ذو القعدة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أزمة ما بعد الأربعين.. حقيقتها وأسبابها

د. سمير يونس

أزمة ما بعد الأربعين.. حقيقتها وأسبابها
تعتبر سن الأربعين سن الاتزان، وبلوغ الأشد، ونضج العقل، ورزانة الفكر، ورجاحة الرأي: ويؤكد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف/ 15). إلا أن الكثيرين من الذين كسا الشيب شعر رأسه ولحيته، يرى في ذلك مصدر جاذبية بدل أن يراه مُنذراً بقرب الأجل كما علمتنا السنة المطهرة، ويرى تجاعيد وجهه دليلاً على النضج والقوة، ويسمع دقات قلبه المضطربة فيخالها علامة الفتوة، فيمضي باحثاً لنفسه عن شهوة مؤقتة، أو لذة سريعة! وعلماء النفس يطلقون على هذه الظاهرة "أزمة ما بعد الأربعين"، أو "المراهقة المتأخرة"، وهذه الأزمة قد تأتي في الأربعينيات أو في الخمسينيات، أو الستينيات أو السبعينيات لدى الرجال!   - أسباب الأزمة: ثمّة عدة عوامل قد تؤدي إلى هذه الأزمة، منها ما يتعلق بالرجل ونشأته ونفسيته، ومنها ما يتعلق بالزوجة من حيث شخصيتها، وتعاملها مع زوجها، واهتمامها به، ومنها ما يرتبط بالمجتمع ونظرته لكل من الرجل والمرأة بعد سن الأربعين.   - أسباب تتعلق بالرجل: يرى علماء النفس أنّ الرجل عندما يصل إلى سن الأربعين يريد أن يثبت لنفسه ولكل من حوله أنّه لا يزال قوياً وجذاباً ومؤثراً، فيبحث عن فتاة صغيرة السن، ليعلن لمن حوله أنّه لا يزال شاباً مرغوباً فيه. وربما تحدث هذه الأزمة للرجل عندما يشعر بأنّ أحلامه قد تلاشت، وأنّ المشاريع التي كان يفكر فيها قد تبددت، وأنّه لا أمل في تنفيذها وتحقيقها؛ لأنّه لم يبق من العمر قدر ما مضى، ويشعر بملل في حياته وجمود، فيبحث عما يبدد هذا الجمود ويجدد حياته، وخاصة إن أهملته الزوجة ولم ير في أولاده من يَبرُّه، ويهتم به، ولم يعد لرأيه قيمة في بيته، فيلجأ إلى البحث عمّت تهتم به، ليثبت لمن حوله أنّه لا يزال يستحق الاهتمام.   - أسباب تتعلق بالمرأة: كثير من النساء يعتبرن أنفسهنّ تجاوزن مرحلة الخصوبة والحيوية والنضارة عندما يكبر أولادهنّ، وهذا لا يُرضي أزواجهنّ، وقد تتهم الزوجة زوجها بالتصابي، بينما يتهمها هو بأنّها استسلمت للشيخوخة، فتنشأ من هنا مشكلات وخلافات زوجية، تدفعه – في النهاية – إلى أن يبحث عن أخرى. إنّ المرأة الناجحة في حياتها الزوجية هي التي تستطيع أن تحتفظ بمشاعرها تجاه زوجها، وأن تجذب زوجها إليها، وتسكن في قلبه، وتستحوذ على عواطفه وحبه حتى آخر العمر، بيد أن كثيراً من الزوجات لا يقدرن على ذلك، ويفشلن في الاستحواذ على حب أزواجهنّ، بسبب إهمالها لمظهرها ورشاقتها وجاذبيتها وحيويتها، مما يؤدي إلى أفول شمس جمالها وشبابها، وتزداد خطورة الأمر إن هي فشلت في قيامها بدور الصديقة لزوجها، فتنصرف عن مشاركته أحلامه وهواياته، وتعزف عن تشجيعه على نجاحاته، وتخفيف فشله وإخفاقاته، كما يحدث لبعض الزوجات اكتئاب بعد خروج الأبناء والبنات من البيت، وانشغال كل منهم بحياته الخاصة، وذلك يؤدي إلى هروب الزوج من ذلك الجو البئيس، ليعيش جواً آخر وحياة أخرى مع فتاة أو مرأة أخرى. وأحب أن أؤكد هنا لأخواتي القارئات – سائلاً ربي أن يلهمهن فهم مرادي ومقصدي – أنني ما قصدت بكلامي هذا تبريراً للزوج كي يبحث عن حياة أخرى خارج بيته، وبعيداً عن زوجته وأولاده، وإنما قصدت بحديثي وإشاراتي لأخواتي أن ينتبهن إلى هذه المحاذير، كي لا يَنفُر الزوج ويهرب إلى بيت آخر، فتقع في واقع لا ترضاه لنفسها، فتكون بذلك قد نقلت نفسها من كآبة إلى كآبة أشد ألماً وضلاماً.   - أسباب ترتبط بالمجتمع: لقد شاع في عالمنا العربي انطباع مفاده أنّ المرأة إن جاوزت الأربعين عاماً فقد بدأت في سن اليأس وبداية النهاية. هذا فيما يتعلق بالمرأة، أما انطباع المجتمع العربي عن الرجل، فمفاده أنّ الرجل إذا جاوز الأربعين عاماً فقد بدأ نضجه، حيث يرى المجتمع أنّ المرأة في سن الأربعين يقبّحها الشيب، أما شيب الرجل فهو مظهر الجاذبية والوقار والجمال، ومن ثمّ فقد انعكس ذلك على أفكار الناس، فكثير من الفتيات مثلاً يرغبن في الزواج من رجل مُسن، وينظر كثير من أبناء المجتمعات العربية إلى هذه القناة على أنها عاقلة وناضجة، محبة لنضج الرجل، عازفة عن الشباب قليل الخبرة. لهذه الأسباب أو لبعضها قد يعيش الرجل بعن سن الأربعين وهماً، إذ يتوهم أن امرأته لا تكفيه، أو أن من حقه أن يستمتع بشبابه حتى وإن كان الثمن دمار بيته وتفسُّخ أسرته، وربما يتوهم أيضاً أنّه فارس أحلام الفتيات الصغيرات الجميلات!!   *أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

تعليقات

  • و ماذا اذا كان العكس وكانت المراة هي النشيطة وصاحبة الطموح خاصة ونحن في زمن فتح الباب على مصراعيه لمن تريد ان تحقق احلامها خارج ادوار الزوجة و الام.

ارسال التعليق

Top