• ٢ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٦ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

إشكالية التفكير في سيكولوجية التعلم

تحقيق: تامر سفر

إشكالية التفكير في سيكولوجية التعلم
"ما الذي يسير على أربعة في الصباح وعلى اثنتين في الظهر وعلى ثلاثة في الغروب؟" إن أودويب حين أجاب "الإنسان" كشف لغز أبي الهول وحرّر شعب طيبة من طغيانه. هكذا تقول الأسطورة. إن الإنسان حين يستعمل قدرته الفريدة على التفكير والمحاكمة وحل المشكلات يحرر نفسه من ضغوط الحياة الناتجة عن القوى المحيطة به وعن حاجاته الداخلية وقد تحتم عليه، من أجل أن يتغلب على المصاعب الكثيرة في طريق نموه، أن يحللّ هذه المشكلات وأن يبدع لها الحلول وأن يقوم بتنفيذ هذه الحلول. إن الانتقال من دراسة التعلم إلى دراسة الوعي ثم إلى دراسة التفكير انتقال منطقي؛ لأننا نفكر بما تعلمناه ووعيناه. وإذا كنا نفكر بما تعلمناه ووعيناه فعن طريق التفكير نتعلم أشياء لم نعرفها من قبل. وبعبارة أخرى فالتفكير في أشياء نعرفها يلعمنا أشياء لانعرفها. فالمخترع يربط بين طائفة من المعلومات التي تتصل بمشكلة يعالجها ثم ينظم هذه المعلومات فيصل إلى شيء جديد يزيد من علمه. والتفكير هو كل نشاط عقلي أدواته الرموز، أي يستعيض عن الأشياء والأشخاص والمواقف والأحداث برموزها بدلاً من معالجتها معالجة فعلية واقعية. ومثل هذه الرموز تشمل الكلمات والأرقام والإشارات والصور والمخططات والصور البصرية بصورة خاصة. وكذلك الخرائط الجغرافية والعلامات الموسيقية والصيغ الرياضية. بهذا المعنى العام يشمل التفكير جميع العمليات العقلية، من التصور والتذكر والتخيل وأحلام اليقظة إلى عمليات الحكم والفهم والاستدلال والتعليل والتعميم والتخطيط والنقد وغيرها. ويمكن للتفكير أن يتخذ أشكالاً متعددة بدءاً من حل مشكلة عملية إلى أحلام اليقظة وتطاير الخيال. ونحن حين نحاكم فإن تفكيرنا يسمى واقعياً، ولكننا نتجاوز ذلك إلى أبعد منه، ذلك بأننا نلعب بمحيطنا ونلعب مع أقراننا. لقد تعلمنا أن نُسرَّ بالمحاكمة ذاتها ومن أجلها أيضاً وأن نجد المتعة بممارسة ألعاب المهارة والحظ والجسارة. وحين لايكبت تفكيرنا الخيالي فإنه يستعمل لخدمة الواقع وحينئذٍ يصبح الإنسان مبدعاً. وتكون حلوله للمشكلات التي يصادفها (وكذلك للمشكلات التي يخلقها) جديدة وغير عادية ومبتكرة. وسيعني هذا البحث بدراسة التفكير باعتباره من العمليات العقلية العليا محاولة منا لفهم عمله وكيفيته ومن ثم الاستفادة من هذا الفهم في تطوير عملية التعلم.   - أدوات التفكير: مم تتألف الأفكار؟ وما هي طرائق التفكير؟ وكيف تتأثير أنماطنا التفكيرية؟ تلك هي بعض الأسئلة الأساسية التي يحاول علماء النفس الإجابة عنها. وكما ذكرنا، فإنه لايمكن التفكير دون استرجاع ماتعلمناه من قبل، فنحن لانستطيع حل تمرين هندسي أو الإجابة على سؤال أو حل مشكلة إجتماعية أو حتى الاستسلام لأحلام اليقظة دون استخدام ماتعلمناه في الماضي. فالاسترجاع شرط ضروري للتفكير. غير أن التفكير يتضمن أكثر من مجرد الاسترجاع إن كان يستهدف حل مشكلة أو ابتكار شيء جديد، إذ يقتضي في هذه الأحوال إعادة تنظيم الماضي لحل المشكلة الحاضرة. وقد دل الاستبطان التجريبي على أننا نستطيع أن نسترجع الماضي بطرق مختلفة منها: 1-الصور الذهنية وتشمل الصور الحسية والصور اللفظية وهذا هو التصور أو التخيل. 2-عن طريق الكلام الباطن واللغة الصامتة، أي عن طريق نشاط حركي دقيق غير ظاهر لأعضاء النطق، وهي الحنجرة واللسان والشفتان. وتبدو هذه اللغة الصامتة حين يتحدث الإنسان إلى نفسه وهو يفكر، إذ كثيراً – وليس دائماً – مايكون التفكير حديثاً أو حواراً بين المرء ونفسه، يكلم الفرد في أثنائه نفسه، ويصدر الأوامر إلى نفسه، وينقد نفسه، أو يزجي لها النصح، وقد يكون هذا الحوار الداخلي من العنف بحيث يرتفع صوت المفكر أثناء تفكيره، كما هي الحال لدى الأطفال وهم يفكرون بصوت يسمعهم من يحيط بهم من الناس. كذلك يبدو هذا الكلام الباطن أثناء القراءة الصامتة وأثناء الكتابة، وقد دل التجريب على أن التفكير غالباً مايقترن بهذا الكلام الباطن. ففي إحدى الدراسات كان يضع قطبان كهربائيان على لسان المفحوص أو تحت شفتيه ثم يصل القطبان بجلفانومتر – وهو جهاز يسجل مرور التيارات الكهربية – فكان مؤشر الجهاز يتحرك إذا طلب إلى الشخص أن يعد سلسلة من الأرقام، أو يتذكر قصيدة أو أغنية، أو يتخيل أنه يذكر تاريخ اليوم لأحد أصدقائه، أو أن يفكر في اللانهاية أو الخلود. وبالرغم من أن بعض علماء النفس السابقين اعتقدوا أن التفكير يقتضي استعمال الصور، فإن الكثير من الدراسات قد أثبتت أن التفكير ممكن دون صور. ومثال ذلك أن واحدة من الدراسات الرائدة دلت على أن الكثيرين من العلماء والرياضيين، بالرغم من انهماكهم في أشد أنواع التفكير، كانوا مرضى فيما يخص الصور البصرية، ولقد وصف بوانكارية عالم الهندسة الفرنسي الشهير نفسه أنه تنقصه القدرة على تصور الفضاء. وهذا بالطبع لايعني نكران أن التصور يستعمل في كثير من أنواع التفكير، وإنما يعني فقط الإشارة إلى أنه ليس ضرورياً دائماً. وهكذا فقد دلت التجارب الاستبطانية على أننا نستطيع أن نسترجع الماضي وأن نفكر دون صور ذهنية ودون كلام باطن، بل عن طريق التصور العقلي لمعان وأفكار غير مصوغة في ألفاظ، كما في التفكير الرياضي والفلسفي. بل إن ظهور الصور والكلام الباطن في مثل هذه الأحوال قد يعوق التفكير ويعطله عن السير في مجراه المتدفق. وإذا كانت العمليات المعرفية الأخرى كالإدراك والتذكير والتصور والتخيل تترابط مع التفكير فإنها كثيراً ماتنتهي هذه العمليات إلى التفكير، لذا فهي تشكل خلفية للتفكير، وليس من الممكن القيام بالتفكير دون بعض أو جميع هذه العمليات. وبسبب التلازم بين هذه العمليات يخلط البعض بينها، فيقال إننا (نفكر) عند محاولة تذكر تاريخ موقعة أو استعادة صورة صديق في الذهن، أو إنشاء صورة جديدة، مع العلم أننا في الحالة الأولى "نتذكر" وفي الحالة الثانية "نتصور"، وفي الحالة الثالثة نتخيل".   - فرضية واطسن في التفكير: أما فرضية واطسن عن التفكير فهي تتلخص في أن التفكير سلوك حسي حركي من نوع ما، وهو باطن وذلك باعتبار أن أفكار الإنسان لاتظهرها الحركات المرئية أو الكلام المسموع. والتفكير سلوك باطن يستعاض به عن العمل المكشوف. والطفل كثيراً مايصف مايفعل أثناء فعله إيّاه، وبعد هذه المرحلة يصل مرحلة جديدة يصبح كلامه لنفسه غير مسموع ويقتصر لجوءه إلى هذا النوع من الكلام على الأحيان التي لايقوم فيها بعمل فعلي بل (يفكر) كما نقول. فمثلاً عوضاً عن أن نحرك شيئاً بالفعل من مكان إلى آخر لنرى ما إذا كان مناسباً وضعه في المكان الجديد، نقول لأنفسنا: "لو أني حركت البيانو من هذا المحل إلى ذلك المحل".. ثم نتابع: "ولكنه يمنع فتح النافذة"، "إن هذا المكان غير صالح". ولذلك يرى واطسن أن من المحتمل أن يكون السلوك الباطن الذي يحل محل تحريك البيانو ليس إلا حركات كلامية في معظمه. وقد يزداد وضوح هذه الفرضية إذا قارنّاها بفرضية أوسع بعض الشيء قال بها (هو لنكورث- Hol Lingworth) الذي يعرف التفكير في حل مسألة بأنه استعمال بدلاء أو رموز يستعاض بها عن الأشياء الحقيقية والعمليات الفعلية التي تكون المسألة. وكثيراً ما يكون الرمز كلمة، وقد يكون خطاً بيانياً، وقد يكون صورة نفسية أو شيئاً حقيقياً يمثل الشيء الذي تفكر فيه. فالقائد العسكري يتتبع المعركة بواسطة أعلام على دبابيس يحركها على الخارطة ويحكم على النتائج بواسطتها. صحيح أنه يتحدث إلى نفسه أثناء دراسته الموقف على الخارطة، ولكن الخارطة والأعلام تشغل، بلا شك، دوراً هاماً في عملية تفكيره. وهكذا نستطيع أن نقبل الفرضية القائلة إنّ التفكير هو استبدال الأشياء والأوضاع الحقيقية بأخرى رمزية دون الحاجة إلى الاقتصار على الحركات الباطنة في الرمزية. أو قل إننا نستطيع قبول فرضية كون التفكير مؤلفاً من حركات باطنية، وذلك دون قصر الحركات الباطنية على حركات الكلام. فواطسن لايمانع في قبول لغة الإشارات إلى جانب لغة الكلام ضمن فرضية، كما لايمانع في قبول الحركات الباطنة الأخرى إذا بدت محتملة الوقوع ولكنه يقصر إيمانه في الأعم الأغلب على الحركات الباطنة لأعضاء الكلام. وقد تبدو هذه الفرضية معقولة بدليل أن غالبيتنا تشهد أننا نتحدث إلى أنفسنا حين نفكر وكثيراً مانتنبه إلى كلامنا الداخلي. ولكن معقولية هذه الفرضية تقوم على أساس من هذه الملاحظة المشتركة التي هي استبطانية بصورة واضحة. وإنها لمفارقة أن تبنى فرضية تدعم السلوكية على الاستبطان. ويلاحظ أن القول بأن التفكير كلام باطن ليس فكرة جديدة، ولعل الجديد الذي تقوله السلوكية هو أن هذا الكلام الباطن مؤلف من حركات فعلية، وإن كانت صغيرة تقوم بها أعضاء التكلم، ولذلك قال واطسن بوجوب اللجوء إلى آلات تسجيل هذا الحركات ولم يكتف بالاستبطان. إن بعض الناس يشعرون بالكلام الباطن في الفم والحلق والمجاري التنفسية، إنهم يحسون بما يشبه الحركات الفعلية هناك، وبعضهم الآخر يكون الكلام الباطن بالنسبة إليهم سمعياً. ومن المؤكد أنه ليس بالإمكان الاعتماد على الاستبطان في التأكد مما إذا كان الكلام الباطن يشتمل دوماً على حركات كلامية. وبالرغم من أو واطسن استوحى فرضية من الاستبطان، بل اقترح استعمال آلات تسجيل حركات أعضاء الكلام أملاً منه في الحصول على دلائل موضوعية تثبت وجود حركات كلامية أثناء التفكير. ولقد بدا له أن الحبال الصوتية (الحنجرة) هي التي قد تصدر عنها مثل هذه الحركات ويليها اللسان. لقد حاول عدد كبير من الباحثين التأكد من صحة هذه الفرضية او خطئها وذلك بتسجيل حركات الحنجرة واللسان أثناء التفكير وقد لاحظوا – كما ذكرنا آنفاً – حدوث مثل هذه الحركات أحياناً دائماً. وحتى في حالة الكلام الباطن المؤكد، حين يسمعّ المجرب عليه جملة مالنفسه، فإن حركات أعضاء الكلام هذه كانت خفيفة وغير منظمة ولاتتجمع في نمط يشابه النمط الذي يتكون حين يلفظ المجرب عليه الجملة نفسها بصوت مسموع. وهكذا تكون النتائج سلبية ولكن الآلات المستعملة كانت بدائية ويمكن أن تكون عاجزة عن تسجيل التقلصات العضلية الخفيفة مما لايعني نفي الفرضية. ومن الممكن تماماً ألا تكون الحنجرة خير مكان للتحري عن حركات الكلام الباطن، ذلك أن الحنجرة التي تصدر عنها الأصوات تبقى صامتة في حالة الهمس. وبما أن الهمس مرحلة متسوطة بين الكلام المسموع والكلام الباطن. أفليس من الخطأ أن نبحث عن حركات كلامية في مكان لايصدر مثل هذه الحركات حتى في حالة الهمس؟ إن المحل الأكثر احتمالاً في حالتنا هو التنفس، والحق أن ثمة دلالات كثيرة على اضطراب التنفس أثناء الكلام الباطن الفعلي ولكن هذا الاحتمال لم يستقص الاستقصاء الكافي حتى الآن. إن مصير السلوكية غير متوقف على هذه الفرضية بالذات، وحتى لو كانت الحركات الكلامية موجودة دوماً فإن السؤال يبقى وارداً بالنسبة لاستمرارها. فما الذي يسبب هذا الاستمرار؟ ثم أليست الفاعلية الدماغية التي سبب الاستمرار أقرب إلى العملية التفكيرية ذاتها منها إلى الحركات الناتجة؟ ومن جهة أخرى فلو ثبت عدم وجود حركات كلامية في كل تفكير فإن هذا لاينفي وجود حركات عقلية وتوترات أخرى يمكن أن تسبب العمليات الحسية الحركية التي تشير السلوكية إلى وجودها في كل فاعلية باطنة. هذا ونحن مع (ودورث) في رفضه المعادلة: التفكير= الكلام، لأسباب أهمها: 1- أحياناً يكون عندك فكرة ولكنك لاتجد لها الكلمة المناسبة. 2- لايمكن قلب المعادلة وجعلها: الكلام: التفكير، فقد تتلو قصيدة مستظهرة دون أن تفكر في معناها أو تتلوها وأنت تفكر في شيء آخر. 3- من المؤكد أن صلة التفكير بالرؤية لاتقل عن صلته بالتقليب، فالتفكير هو رؤية الاتصال وملاحظة العلاقات. وعادات الكلام التي قال بها واطسون وعدّها بديلاً للتقليب (تقليب الأمر) قاصرة عن إظهار كيف يجعل التفكير الإنسان يتجاوز عاداته السابقة. إن ثمة شيئاً يفوق مجرد الكلمات ونعني به رؤية العلاقات. إن اعتراض (ودورث) الرئيس على السلوكيين هو استخفافهم بالرؤية، فالرؤية في نظره هي القسم الأهم من الاستجابة الحسية الحركية باعتبارها تهيئة للعمل الظاهر أو الباطن، فالإنسان يتصرف بحسب مارأى لابحسب ما قال، فقد يخطئ القول ويقرر أنه رأى الضوء الأصفر بدلاً من قوله أنه رأى الأخضر، ولكنه مع ذلك يتصرف بما يناسب الأخضر ومعنى هذا أنه تصرف وفقاً لما رأى لاوفقاً لما قال.   - علاقة اللغة بالفكر: لقد تساءل علماء النفس عما إذا كان من الممكن وجود فكر دون لغة؟ وكان جوابهم أنه إذا كان من الممكن – نظرياً على الأقل – وجود فكر ابتدائي دون لغة فإنه من غير الممكن وجود فكر وتفكير حقيقيين عميقين دون لغة. وإذا كان المجال لايتسع لبسط نظريات العلماء وأقوالهم في هذا الصدد فلا أقل من أن نشير إلى تأكيد العلماء بأن التفكير في المستوى الحسي قد يكون ممكناً في حالة عدم وجود اللغة – كما هو الحال عند الحيوانات – أما التفكير التجريدي الحقيقي فلا بد له من اللغة. وهنا نحب أن نلاحظ أن التفكير معناه التحدث إلى النفس أو إلى الآخرين ذهنياً. ولقد دلت الملاحظة العلمية على أن الحبال الصوتية والجهاز الصوتي كله يعمل أثناء التفكير، وهنا لابد من أن نقف قليلاً عند اعتراض يقول بأن ثمة أفكاراً لانستطيع التعبير عنها، إننا نبحث عبثاً عن كلمات تعبر عن بعض أفكارنا فلا نجد مثل هذه الكلمات، وفي هذا دليل – في رأيهم – على وجود أفكار دون كلمات، وجوابنا على هذا الاعتراض أنه كثيراً مايخيل إلينا أننا نملك فكرة لانستطيع التعبي عنها في حين أن الواقع هو أننا نبحث عن الفكرة ولانملكها. هذه واحدة والأخرى أنه يحدث أحياناً أن نملك فكرة دون أن نستطيع التعبير عنها، وهنا يكون الذي ينقصنا هو اللغة الإجتماعية، اللغة التي يمكن نقلها إلى الآخرين، ذلك بأنه لكل منا لغتان: لغته الخاصة واللغة العامة التي يتكلمها. واللغة الخاصة بالإنسان الفرد تتألف عادة من اختصارات سريعة وأفكار مقتضبة لابد من ترجمتها إلى اللغة العامة إذا أردنا أن تكون مفهوم من الآخرين، وهذا هو الأمر الصعب أو المستحيل أحياناً. ولو أردنا أن نلخص الخدمات التي تقدمها اللغة للفكر في صفة واحدة لقلنا أنها توضحه، إنها توضح الفكر لأنها تسمح بالتجريد، ولو لا الكلمة لما أمكن التجريد. ثم إن الكلمة تثبت الفكرة وبدونها يبقى الفكر غامضاً مضطرباً. والكلمة بعد ذلك تحدد الفكرة وتحللها، وهذه كلها خدمات جلّى للفكر يستحيل التفكير بدونها.   - العمليات الفيزيولوجية في التفكير: ماهي العمليات الفيزيولوجية التي تحدث حين نفكر؟ بالرغم من كثرة الدراسات التي أجريت للجواب عن هذا السؤال فإننا نعرف عما يستطيع الإنسان أن يدركه ويتعلمه ويتذكره ويفكر فيه أكثر بكثير مما نعرف عن العمليات العصبية التي تحدث أثناء التفكير لقد اعتقد الإنسان دوماً أن الدماغ هو آلة التفكير، ولاشك في أن هذا الاعتقاد نجم عن ملاحظة أن الناس الذين يلحق بدماغهم ضرر كبير بسبب حادث فإنهم يضيعون قدرتهم على التفكير. ومع ذلك فإن العلماء – حتى في أيامنا هذه – لايعرفون كيف يعمل الدماغ أثناء التفكير. هل يشمل التفكير جميع الدماغ أم أن هناك مراكز للتفكير كالمراكز المخصصة للسمع والبصر؟ هل العمليات التفكيرية التي تجري أثناء حل المشكلات تختلف عن العمليات التفكيرية اليت تجري أثناء أحلام اليقظة؟ صحيح أن اكتشاف مقياس الكهربائية الدماغية كان اكتشافاً هاماً بهذا الصدد مازالت محدودة ونحن حتى الآن لانستطيع أكثر من تحديد حالة الوعي عند الإنسان وليس صيغة تفكيره في أثناء هذه الحالة. ولعل المزيد من الأبحاث قد يمكنّنا من التمييز بين الأنواع المختلفة عصبياً، وهذا سيضع بيم يدينا وسيلة تشخيصية قيمة، وعلى هذا فإننا سنتمكن من تحسين التربية التي يتلقاها الطفل إذا ماعرفنا ما إذا كان يعتمد على الصور البصرية في تفكيره وما إذا كان يستطيع التفكير تجريديا.ً   - التعلم بالتفكير وإدراك العلاقات: من المؤكد أن الإنسان يتعلم بالمحاولة والخطأ، كما يتعلم بالمقارنة ويتعلم بالتبصر والكشف، كما يتعلم بالتفكير والبحث عن العلاقات. وإذا كان صحيحاً أن بعض المخلوقات الدنيا لاتستطيع التفكير وإدراك العلاقات بالمقدار الذي يتمتع به الإنسان وإنها لذلك تتعلم – أكثر ماتتعلم – بطريقة دون أخرى، فإنه صحيح أيضاً أن الحيوانات – ولاسيما العليا منها – قادرة على إدراك نوع من العلاقات بل وقادرة على شيء من التجديد كما أن الإنسان – وبصورة خاصة في طفولته وفي ظروف التعلم الجديدة – يتعلم بجميع الطرائق آنفة الذكر، نقول هذا لنخلص إلى القول بأن إقامة حدود وفواصل بين أنواع التعلم وطرائقه المختلفة أمر مصطنع اقتضته ضرورات الشرح والتحليل. ونحن حين نقول بأن التعلم تلاؤم وتكيف- فإننا نشير إلى أن العضوية بمجموعها هي التي تتعلم، ذلك بأن الإنسان حين يتعلم أنماط سلوك جديدة يعدها وسيلة تحقق غايته يكون قد تغير بوصفه شخصاً، فالتعلم ليس مجرد الحصول على معلومات أو مهارات أو عدد الاستجابات الخاصة وإنما هو تغير في نظام السلوك يمكن العضوية من ضبط ظروف الخبرة ضبطاً أبلغ أثر وأحسن فائدة. يقول أحد علماء النفس: "للتفكير علاقة بإزالة العقبات، وفي هذا عنصر اهتمام وتقويم، لولا ذلك لما كانت ثمة حاجة للتفكير. وتتصف النهاية الناجحة للتفكير بصفة بديعية ترافقها. ومثل ذلك يحدث في الرياضيات حين يجد الإنسان حل مسألة ما، فيصيح (جميل، لطيف). ويشتمل التفكير – أكثر من ذلك – على جمع الحقائق بغية تجريب الفرضية، وهذا يتصل بدوره بالحصول على المعلومات وتنمية المهارة في ملاحظة الحقائق وتحليلها وتنظيمها. وهكذا يكون التعلم – الذي يُعدّ بمثابة إعادة بناء – مشتملاً على التفكير والمهارة والمعرفة والتقويم، وذلك كله في عملية واحدة تتصف بالمرونة بغية التكيف المستمر مع ظروف الموقف". وإدراك العلاقات بين ظروف الخبرة أمر ضروري للتعلم أو لإعادة تنظيم السلوك من أجل التعلم. وفي تجربة مشهورة قام بها الشكليون (الكشتالتيون) علمت حيوانات أن تجد طعامها في العلبة (آ) التي هي أكثر لمعاناً من العلبة (ب)، ثم استغني عن (ب) واستعيض عنها بالعلبة (حـ) التي هي أكثر لمعاناً من (آ) فذهب الحيوان في طلب طعامه إلى العلبة (حـ). ومعنى هذا أن الحيوان لم يتعلم الاستجابة إلى العلبة (آ) بحدِّ ذاتها في المرة الأولى بل تعلم الاستجابة إلى اللمعان النسبي بين (آ) و(ب) وأنه في المرة الثانية أعاد تنظيم سلوكه على ضوء المبدأ العالم الذي تعلم السلوك وفقه. وأجريت تجارب مماثلة على البشر ولكنها أكثر تعقيداً فدلت على أن تغير المثيرات تغيراً واسع الحدود فيما يتعلق بصفاتها المطلقة لايؤخر عملية التعليم شريطة أن يبقى التنظيم الداخلي للإثارة ثابتاً. كما أظهرت صفة أساسية أخرى من صفات التعلم وهي أن مايتعلمه الإنسان ليس مجموعة من ردود الأفعال المحدودة ضعيفة الارتباط ببعضها ولكنه استجابة منظمة على شكل نمط. وهنا تجب الإشارة إلى العلاقة المتبادلة بين نتائج التعلم، فقد يتعلم الطفل أثناء تعلمه دروسه صفات أخلاقية كالاعتماد على النفس أو الاعتماد على الغير، وغرفة الصف قد تكون مقبرة لاهتمام الطفل كما قد تكون مثاراً لأنواع جديدة وغنية من اهتمامه. وحياة المدرسة بكاملها قد تكون سبباً في نمو شخصية الطفل وتفتحها كما قد تكون سبباً في ضمور (أناه) وتهافتها. ومن خلال التجارب التي أجريت على الأطفال في المدرسة الابتدائية، فقد ثبتت إمكانية تحقيق مستويات أعلى بكثير (مما هو معروف) لاستيعاب المعلومات والنمو العقلي (نمو الإدراك، والملاحظة، والذاكرة، والتفكير، والكلام، والتخيل). ففي شروط جديدة للتعلم خضع التفكير لدى الأطفال لتطور نمائي هائل، فالانتقال من التفكير الحسي إلى التجريدي قد تمت بدرجة أسرع، وهم في ذلك قد تكونت لديهم الأداءات العقلية اللازمة لاستيعاب المفاهيم العلمية (المقارنة، التجريد، التعميم، التصنيف وغير ذلك). ويستطيع الأطفال إتقان المهارات المعممة في حل المسائل الحسابية باستخدام رموز من الحروف) والإمكانية الهائلة على نقلها إلى أنماط مختلفة من هذه المسائل. يقول "كوستيوك": "يتحدد التأثير النامي للتعلم المدرسي بمضونه وطرقه. فالبناء التركيبي للمضمون، واستخلاص المفاهيم الأساسية فيه ونظمها ومايرتبط بها من عمليات، يخلق إمكانات ملائمة هائلة لاستيعابها الكامل لدى التلاميذ مع المادة الدارسية، وبماهية خصائص وعلاقات الأشياء التي يعرفونها بواسطة هذه الأداءات (الإدراكية، التذكرية، التفكيرية، العملية وغيرها). ففضل التعلم في نمو التلاميذ يتعاظم إذا كان يعلّمهم عمليات الاستيعاب نفسها، والتعلم لايسرع فحسب من انتقالات الأطفال من المستويات الأدنى من بنية النشاط العقلي إلى المستويات الأرقى. فهو يمثل شرطاً ضرورياً لتكوين هذه البنى. وهنا لاتتأتى البنى الجديدة ببساطة من الخارج، ولكنها تتشكل في عملية التعلم من البنى المتكونة من مراحل مبكرة وتعمل الاستثارة الخارجية في هذه العملية دائماً من خلال الفاعلية الداخلية للتلاميذ". ولقد نبّه علماء النفس المشتغلون بالتعلم إلى عمليتين هامتين يقوم بهما المتعلم وهما التمييز والتوحيد. فالتعلم كثيراً مايحدث عن طريق ملاحظة المتعلم تفاصيل في وضع كان قد اختبره بشكل عام وهذا هو التمييز. ومثل هذا نظر الإنسان إلى تمثال، إنه يراه كلاً ويدركه ككل. وقد تتكرر هذه الرؤية مرات ولايتجاوز هذه النظرة الكلية، ولكنه حين يقترب منه وينتبه إليه يميز تفاصيله ويدرك أجزاءه وصفاتها. وحادثة تمييز التفاصيل أمر أكيد الوجود في حصول الطفل على مفاهيمه العددية. فالطفل – خلافاً للفكرة الشائعة – لاتبدأ فكرة العدد عنده بالتعداد، وهو لايميز – حين يميزّ – وحدات. بل مجموعات يقارن بينها فيقول (أكبر أو أصغر)، (أقل أو أكثر)، ويحصل الطفل على فكرة التساوي دون حاجة للتعداد وإن كان حصوله عليها أصعب من حصوله على فكرة التفاوت. أما مفهوم الأعداد الأصلية (1-2-3 إلخ) ومفهوم الترتيب العددي (أول، ثاني، ثالث إلخ) فينجمان سوية، ويرافق التعداد هذه العملية بوصفه عملية تمييزية متأخرة نسبياً. على أن التعلم أكثر من مجرد عملية تمييز، إنه إضافة إلى ذلك عملية توحيد وإعادة تنظيم، فالتفاصيل التي تنجم عن كليات واسعة يكون لها نوع من الفردية والخصوصية تمكنها من الامتزاج بتفاصيل أخرى وإعادة تنظيم الجميع في نمط جديد متماسك، وهكذا فكثير من مهاراتنا تشتمل على استخدام استجابات كونت في مناسبات أخرى،. ويحدث التوحيد أو إعادة تنظيم الخبرة حين يكتشف المتعلم الصلة بين أشياء تعلمها في أوقات ومناسبات مختلفة. وهذا هو السبب في قولنا أن من واجب التربية استثارة قدرة المتعلم على التنظيم والتوحيد بين مايتعلم وتمكينه من مواجهة مشاكله باستخدام معارفة السابقة وإعادة تنظيمها بصورة متجددة، فحين تنظم الأفعال والأفكار بطريقة جديدة أو على شكل جديد تضيع الأجزاء شيئاً من فرديتها لتصبح أعضاء في نمط سلوكي جديد. والمهم ليس الجزء بل علاقة هذا الجزء مع الأجزاء الأخرى في النمط. وليس التمييز والتوحيد عمليتين مستقلتين، إنهما يساهمان معاً وبالتبادل في نمو السلوك وتطوره، فالإنسان يستجيب أولاً للوضع العام ثم يميز بين أجزائه الخاصة، ثم يعود فيوحّد بينها أو بينها وبين صفات أخرى. ثم إن النظام والتنظيم يحددان العلاقة بين الأجزاء وعلى هذه العلاقة يتوقف تفسير الأجزاء وفهمها. ومثال ذلك العلاقة بين المجموعتين: (2-4-6-8-10) و(2-4-7-16-32) فللثمانية في كل مجموعة معنى مختلف. وهذا هو السبب في ان (العلاقة) أصبحت هي المفهوم المركزي في سيكولوجية التعلم.   - نظرية التعلم عند جيروم برونر: يعتبر جيروم برونر J.Bruner 1915، من مشاهير علماء النفس التجريبيين وقد أجرى أبحاثه حول عملية المعرفة في مخابر جامعة هارفرد، وعرض نتائج أبحاثه في بعض أعماله نذكر منها "بحث في التفكير" و"المداخل العصرية في مشكلة المعرفة" و"عمليات نمو القوى المعرفية" وغيرها. وفي نهاية الخمسينات من القرن التاسع عشر اشترك برونر في المناقشة القومية العامة عن المدرسة وانتقد آراء جون ديوي حول عملية التعليم وطبيعة المعارف وأصر مع الكثيرين من زملائه العلماء ممن شاركوا في هذه المناقشة على أن المهمة الرئيسة لملدرسة يجب أن تكون العمل على تنمية قوى العقل. واعتماداً على النتائج التي توصل إليها في أبحاثه يصوغ نظريته في التعلم، هذه النظرية التي تبتعد كثيراً عن السلوكية في فهمها لطبيعة التعلم. يقول برونر أن التعلم والتفكير يتطلبان من النظرية الجديدة رفض التفسير البدائي الفطري لعملية نمو العقل الذي تقدمه السلوكية ويبرهن على عجز تصورات السلوكيين في تفسيرهم لنمو القدرات المعرفية عند الإنسان. لقد حمل السلوكيون نتائج التجارب التي أجروها على الحيوانات – الجرذان والحمام – بشكل آلي وألصقوها بالإنسان وتحت تأثير السلوكية، أقلع علماء التربية والنفس الأمريكيون من دراسة النشاط العقلي للتلاميذ داخل الصف واستمروا يعملون على التحليل الجزئي للتعليم والتعلم، ضمن شروط بسيطة ومحددة، وفي حدود فواصل زمنية قصيرة. إن السلوكيين، كما يعتقد برونر يحسبون خطأ أن أعلى أشكال التعلم ماهو إلا زيادة كمية بسيطة للعلاقات التي تربط بين الظواهر والأشياء، إلا أن الحقيقة ليست كذلك – "فالنمو العقلي ليس – كما يعتقد السلوكيون – تجميعاً تدريجياً للاقترانات (الارتباطات) أو للعلاقات مثير – استجابة، أو جاهزية "هدف- وسيلة" أو أي شيء آخر، إن العملية المعرفية عند الإنسان تملك طابعاً آخر، يختلف نوعياً عن أشكال التعلم البسيطة، فهي تجري على مستوى أعلى للنفس الإنسانية ولا تقود إلى علاقة بدائية كعلاقة مثير- استجابة. يؤكد برونر بالاعتماد على تجاربه التي قام بها ان "النمو العقلي يتصف باستقلال استجابة الطفل عن طبيعة المثير، وكذلك بعزوفه عن المعلومات المباشرة والالتفات إلى المعارف المكدسة، والقدرة على التوقيع، كما يتصف أيضاً بإمكانية التعامل مع اختيارات متعددة في آن واحد. وبالمقدرة على توزيع الزمن والانتباه ضمن الشروط، وكذلك بالانتقال إلى السلوك المنطقي وبقدرته على القول لنفسه أو للآخرين شيئاً ما بواسطة الكلمة أو الإشارة. ويعطي برونر اللغة دوراً خاصاً في عملية النمو العقلي، فيكتب قائلاً "إنني أعطي اللغة مكاناً أساسياً عند دراسة طبيعة المعرفة" ويقدر تقديراً عالياً أعمال علماء النفس (السوفييت) الذين أعطوا دائماً كما يقول انتباهاً أساسياً إلى النظام الإشاري الثاني "إن اللغة تساعد على نمو الفكر، فبمساعدة اللغة ينظم الطفل إدراكه للعالم المحيط ويشكل نموذج هذا العالم ويستبقيه في ذاكرته ويستخدمه في المواقع العملية". إن أطروحة برونر تساعد على تفسير كيف أن عملية اكتساب اللغة في أي مجتمع تتضمن بآن واحد اكتساب عناصر المنطق والقدرة على أداء العمليات المنطقية التي يفترضها التفكير سلفاً. وهو يؤكد أن الموهبة المعرفية الأولية لطفل ما قبل اللغة تقدم الظروف التي لا تمكّن من إحداث التواصل قبل اللغة فحسب، بل تمكن من صياغة التواصل اللغوي مسبقاً. ويتابع برونر قائلاً إن القصور في النمو العقلي يعود في الدرجة الأولى إلى أن الطفل لم تكن لديه في طفولته الأولى الإمكانات الكافية لأن يتكلم "أو يساهم في حوار أو أن يسترجع ما سمعه ويستخدم الكلام كوسيلة للتفكير". إن الجواب على سؤال ماذا نعلم في المدرسة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدراسة برونر لطبيعة المعرفة، فالمعرفة – كما يؤكد برونر – هي النموذج الذي نصممه كي نستطيع أن نكسب طبيعة الخبرة، معنى وبناء، فالإنسان يبتدع مفاهيم "القوى" في الفيزياء، و"الاتحاد" في الكيمياء، و"الأسلوب" في الأدب، و"الدوافع" في علم النفس. وكل تاريخ الثقافة ما هو في الواقع إلا تاريخ الأفكار العظيمة التي تنمو وتتطور من خلال الفهم العميق للطبيعة وللإنسان. وعندما يزداد حجم الحقائق في عالمنا المعاصر باستمرار فإنه ينشأ نتيجة لذلك تناقض بين نمو المعارف الإنسانية العامة وبين قدرة الفرد على استيعابها. وهذا التناقض يمكن أن يُحَل – كما يؤكد برونر – إذا ما سرنا في طريق استيعاب الأفكار المنظّمة أو بناء المعرفة، ومما لا شك فيه أن هذا البناء الجديد يتطلب درجة عليا من التعميم، فبناء المعرفة وعلاقتها ونتائجها التي تجعل كل فكرة تنشأ من أخرى يجب أن تؤلف المضمون الأساسي للتعليم. وعندما يكون بناء المعارف هو المطلب الأساسي في التعليم فإن المدرسة كما يرى برونر تتمكن من حل قضايا نفسية وتربوية ضرورية إلى حد بعيد وهذه القضايا هي: (1)- إن استيعاب الأفكار الرئيسة يجعل المادة المدروسة أكثر فهماً وبناءها أكثر وضوحاً. (2)- إن امتلاك الأفكار الرئيسة يساعد على شحذ الذاكرة والشيء الأساسي الذي يمكننا قوله عن ذاكرة الإنسان، بعد الأبحاث التي جرت خلال مئات السنين كما يقول برونر هو أن أية حقيقة خاصة إذا لم تدخل ضمن نظام فسوف تنسى حتماً. فالإنسان ينزع دوماً إلى تكثيف الذاكرة ويتذكر ما يدخل ضمن نظام محدد وتبعاً لذلك فإن تعليم المبادئ العامة أو الأساسية يساعد على الحفظ وهذا ما يسهل عملية استرجاع التفاصيل عندما يكون ذلك ضرورياً. (3)- إن فهم بناء المعرفة يضمن حل مشكلة هامة، هي مشكلة انتقال المعارف. فمعرفة الأفكار الرئيسة والمبادئ الأساسية وفهم الصورة العامة يساعد على تشكيل علاقات بين مختلف الظواهر، ويسهل استيعاب المادة الجديدة التالية، وحل المسائل المتنوعة. "أن تفهم شيئاً كظاهرة خاصة، ذات طبيعة عامة – وبشكل خاص عندما يكون الكلام عن فهم المبادئ – العامة – لا يعني أن تفهم الظاهرة المحددة فقط بل أن تملك أيضاً نموذجاً لفهم ظواهر أخرى مشابهة، عندما تقابلها. وفي الجواب على سؤال عن كيفية التعليم يعمد برونر وهو الداعية إلى إعادة تنظيم عملية التعليم، إلى المبدأ القائل بأن التعليم، هو فعل كشف. ويقف برونر بصلابة ضد التعلم الذي يركز على الاستيعاب الميكانيكي للمعلومات فيقول: "أن تتعلم مادة دراسية ما، لا يعني أن تتذكر نتائج شيء ما من النشاط العقلي، فعندما تضع المدرسة أمامها مهمة فهم التلميذ للأفكار الرئيسة للعلم وتكوين المهارات الأساسية للنشاط المعرفي فلابد من أن يساهم التلميذ نفسه في عملية إنتاج المعارف. وهو يقول في ذلك "نحن نعلِّم مادة، ليس من أجل أن ننتج مكتبات حية صغيرة، وإنما كي نعلّم التلميذ نفسه أن يفكر رياضيّاً، وأن يدرس المشاكل كما يدرسها التاريخي وأن يساهم في زيادة المعارف. إن المعرفة هي عملية وليست نتاجاً". ثم يؤكد أن خبرة الإنسانية تدل على أن المعارف التي تم الحصول عليها بطريقة الاكتشاف الشخصي أكثر رسوخاً وتأثيراً على الإنسان وبالتالي فإن برونر يتوصل إلى النتيجة القائلة بأن على طرق التدريس أن تقود الطفل إلى الكشف الذاتي وهو عندما يؤكد على أهمية طريقة الكشف في التعليم فإنه يعتمد بذلك على تجاربه الخاصة التي قام بها على مجموعات من الأطفال. وهو يرى أن تلك الطريقة تقود إلى نمو سريع في قوى الطفل العقلية إذ تعطي من خلال استخدامها إمكانية واسعة لنمو التفكير الحدسي الذي يلعب دوراً كبيراً في أي عمل إبداعي.   - نظرية التعلم في أبحاث علم النفس التربوي: لقد شكلت العلاقة بين التعلم والنمو المحور الذي دارت حوله أبحاث علم النفس التربوي في السنوات الأخيرة فقد انقسم العلماء المختصون في بحث هذه العلاقة إلى فريقين: فريق يجمع على أن عملية النمو تسبق التعلم وأن التعلم يحتل مكاناً كبيراً في عملية النمو النفسي، إلا أنهم يتفردون في آرائهم، فجان بياجية يرى أن عمليات النمو مستقلة تماماً عن عملية التعلم التي يراها عملية خارجية بحته، والتي يجب أن تتوافق بشكل أو بآخر مع مراحل نمو المتعلم، وأنه لا بد أن يمتلك المتعلم الخصائص النمائية المناسبة قبل أن يقدم على التعلم. قد بيّن بياجيه أن إدراك الطفل وتصوراته عن العالم وامتلاكه لأشكال التفكير المنطقية، كلها علميات مستقلة لا تتأثر بعملية التعلم وأن غاية المربي أن يسعى لتكوين طرائق النشاط عند المتعلم وإلى تربية القدرات العقلية الضرورية لاستيعاب المعارف المختلفة وامتلاك المهارات الخاصة. أي أن النموعند بياجيه يسبق التعلم وأن النضج يقود التعلم. أما وليم جيمس William James- فيرى أن التعلم هو النمو وأن عملية التعلم تطابق عملية النمو وأنهما تتمان معاً، وقد أعطى للتعلم دوراً رئيساً في عملية نمو المتعلم، وأكد على المنعكس الشرطي الذي هو الحقيقة الأساسية في كل من التعلم والنمو، فالتعليم يقود إلى تشكيل منعكسات شرطية والنمو هو عملية تربية المنعكسات الشريطة. إلا أنه يصل في النهاية إلى أن التعلم يوجه نشاط المتعلم بأكمله، وبهذا يقصر مفهوم النمو على أنه عملية طبيعية لا يمكن للتعليم أن يغيِّر منها أما كوفكا Kofka- فيرى أن عملية النمو مستقلة في الأساس عن عملية التعلم وأن المتعلم يكتسب من خلال تعلمه مجموعة كاملة من أنواع السلوك الجديدة، وهذا الاكتساب يتطابق مع النمو أي أن كوفكا ينطلق من أن التعلم في حد ذاته هو عملية نمو، وأن النضج يرتبط بصورة مباشرة بنمو الجهاز العصبي ويهيئ لعملية التعلم كما أن عملية التعلم تدفع عملية النضج إلى الأمام. وقد واجه هذا الفريق الذي أكد أن عملية النمو تسبق التعلم انتقادات كثيرة من علماء نفس معاصرين من الفريق الثاني. فقد وصف برونر تفسيرهم للعلاقة بين التعلم والنمو العقلي أنه بدائي فطري يثير الضحك. وقد أخذ بهذا الرأي جميع علماء النفس التربويين في الاتحاد السوفييتي السابق وعلى رأسهم مؤسس علم النفس الروسي "فيغوتسكي Vigotsky" الذي يرى أن كل عملية تعلم تستند إلى تاريخ قديم من المعارف وأن التعليم المدرسي لا يمكن أن يبدأ على الإطلاق من قاعدة فارغة، ورفض آراء الفريق الأول التي ترى استمرار عملية التعلم في المدرسة الابتدائية لخط سير نمو الطفل قبل هذه المرحلة والذين لا يأخذون بالحسبان أثر عملية التعلم السابقة. ويؤكد فيغوتسكي أن التعلم والنمو لا يلتقيان لأول مرة على مقعد الدراسة وإنما يرتبط أحدهما بالآخر منذ اللحظة الأولى التي يرى الطفل فيها النور. والإنسان كما يقول غالبرن- Galbern لا يولد بأدوات جاهزة للتفكير ولا بمعارف سابقة عن العالم وإنما يكتسب خبرة الأجيال السابقة ويتمثلها. كذلك عمد فيغوتسكي إلى دراسة صفات التفكير كما ينمو أثناء عملية التعلم بدلاً من دراسته من خلال ما سماه (بالتجارب المصطنعة)، وبعمله هذا طرح مسألة تكوين المفاهيم طرحاً جديداً وذلك على اعتبار أنه، في حالة التعلم النظامي، تستند جميع المراحل الجديدة للتعميم على التعميم الذي كان قد جرى في المراحل السابقة. ولقد توصل فيغوتسكي نتيجة أبحاثه إلى النتيجة القائلة بأن "النمو العقلي يسجل في عملية التعلم، انتقالاً إلى مستويات عقلية جديدة كيفياً. وهذا ما فتح آفاقاً جديدة في البحث في عملية التعلم. وهكذا يعيب الفريق الثاني على الأول وضعه العربة أمام الحصان ويؤكدون أهمية التعلم في عملية النمو العقلي، فالتعلم مدخل إلى العقل. ويصف غالبرن التعلم أنه القوة المحركة لنمو الإنسان. ويؤكد فيغوتسكي ضرورة تحديد منطقة النمو القريب وذلك من خلال معرفة الفرق بين قدرة المتعلم على حل المسائل التعليمية بمساعدة الآخرين وإشرافهم، وقدرته ذاته على حلها على نحو فردي، فإذا استطعنا أن نحدد منطقة النمو هذه أمكننا التنبؤ بمستقبل نمو الطفل.   - التبصر في التربية: من أهم مساهمات "ماكس ورتايمر Max Wertheimer 1880-1942" في نمو سيكولوجيا الغشتالت، كان تطبيقها في التربية. لقد عني عناية خاصة بالتعلم التبصري عند طلاب المدارس، ففي الحين الذي درس فيه كولر التبصر عند القردة الكبيرة من أجل الأغراض النظرية، فقد اهتم ورتايمر بتطبيق النظرية على تعلم الطلاب، لقد بدا له أن المعلمين يتشددون أكثر من اللازم في الحفظ الخام على حساب الفهم، ومن أجل ذلك قد وجه دراساته نحو إيجاد طرق يستطيع التعلم بواسطتها أن يحدث بمزيد من التبصر من قبل المتعلم. لقد ميّز ورتايمر في كتابه (التفكر المبدع Productive Thinking) بين نوعين من حلول المسائل التي يحاولها المتعلم: الحلول من الصنف (آ) وهي الحلول التي تشتمل على أصالة وتبصر، والحلول من الصنف (ب) وهي الحلول التي تطبق فيها القواعد القديمة تطبيقاً سيئاً وهي، من أجل ذلك، ليست حلولاً إطلاقاً. وهذا التمييز لا يعني أن الحلول من الصنف (ب) تتوقف على الخبرة السابقة في حين أن الحلول من الصنف (آ) لا تتوقف عليها، كلاً فإن الصنفين يعتمدان على الخبرة السابقة ولكن الفرق هو في التنظيم الأصيل الذي يميز الصنف (آ). ولقد وجد ورتايمر في الهندسة مجالاً مفيداً يدرس فيه المعالجات المختلفة للمشاكل. إن واحداً من المشاكل التي قدمها ورتايمر للراشدين والأطفالطلبه إيجاد مساحة متوازي الأضلاع. ولقد كان ورتايمر يبدأ بأن يرى المجرب عليه كيفية إيجاد مساحة المستطيل، ولم يكن يلجأ إلى إعطائه الدستور الذي يقول بضرب طول القاعدة بطول الارتفاع، وإنما بإعطائه الأسباب التي توصل إلى مثل هذا الدستور. وكان يتوصل إلى ذلك بتقسيم المستطيل إلى مربعات صغيرة وإظهار أن المساحة هي حاصل ضرب عدد المربعات في صف من الصفوف مضروباً بعدد الصفوف. ومن بعد ذلك كان يقدم متوازي الأضلاع المصنوع من الورق للمجرب عليه ويطلب منه إيجاد مساحته. لقد كان بعض المجرب عليهم يجيبون بأن هذه مشكلة جديدة وأنه من غير الممكن لهم أن يحلوها إلا إذا أُخبروا كيف يفعلون ذلك. أما بعضهم الآخر فكان يردد القاعدة السابقة القائلة بأن الحل يكون يضرب ضلع بآخر، وهي قاعدة خاطئة في هذه الحالة، وهذا حل من الصنف (ب). أما الفريق الثالث فقد كان يحاول إيجاد حل أصيل ولكنه كان يعجز عن رؤية العلاقات الأساسية، ولكن بعضهم استطاع أن يتقدم بحل مبتكر من الصنف (آ). لقد لاحظ طفل مثلاً أن طرفي الشكل هما اللذان يخلقان الصعوبة. وطلب مقصاً فقطع طرفاً ووضعه لصق الطرف الآخر فتحول الشكل إلى مستطيل. ولقد توصل طفل آخر إلى الشيء نفسه بواسطة حني موازي الأضلاع وتحويله إلى حلقة بحيث تطابق الطرفان ثم قطع الحلقة فحوّل الشكل إلى مستطيل. لقد أظهر هذان الطفلان فهماً حقيقياً للوضع مكنهما من إيجاد الحل الصحيح المبتكر. ولو أن هذين الطلين طبقا الدستور (القاعدة مضروبة بالارتفاع) التي تعني بالنسبة للمستطيل ضرب طول ضلع في طول الضلع الآخر، لكانا قد قاما بحساب صحيح، ولكنهما لم يكونا ليظهرا فهماً حقيقياً للمشكل، ولذلك فإن عملهما يكون أقرب للصنف (ب) بالرغم من أنه يوصل إلى نتيجة صحيحة. إن الحل الأخير يتوقف إلى حد كبير على الخبرة السابقة، ولكن هذه الخبرة السابقة انتظمت بطريقة جديدة. والشيء الهام في الحل كان التبصر الذي قام وراء إعادة بناء الوضع المشكل. إن ما قام به الطفلان اللذان حلا المشكل هو أنهما حوّلا متوازي الأضلاع إلى غشتالت أحسن أي إلى مستطيل. إن قيمة حل المشاكل حلاً مبدعاً ليست محصورة في مثل هذه الأوضاع العقلية المحضة، ولكنه ينسحب على كل المشاكل بما في ذلك المشاكل الاجتماعية والمواقف المشكلة في كل الحقول.   - التفكير جوهر التعلم: لقد سادت في أوساط التربية الغربية نظريات متعددة حول مشكلة التعليم، ففي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ظهر في الأدب التربوي والنفسي مصطلحات كثيرة كان أهمها ما يسمى بالتعليم الشكلي والتعليم المادي الذي يعنى بالمادة العلمية ويعتبرها هدفاً أساسياً له. وكان يقصد بالتعليم الشكلي تنمية المواهب العقلية عند التلاميذ. أما التعليم المادي، فكان المقصود منه هو العمل على استيعاب أكبر كمية من المعارف ولقد أصر الكثير من منظري التربية على عدم أهمية محتوى التعليم، وأكدوا أن لا أهمية لمسألة (ماذا نعلم؟) بل أن على المدرسة أن تهتم بتنمية مواهب التلاميذ وقدراتهم وأشكال تفكيرهم وتصوراتهم وذاكرتهم. ولقد أشار أنصار نظرية التربية الشكلية إلى أن المهم ليس معرفة أسس العلوم بحد ذاتها، وإنما المهم هو ذاك التأثير المتنامي الذي تتركه دراسة تلك العلوم على القدرات العقلية عند الإنسان، وانطلاقاً من هذا، فقد أكد هؤلاء على أن اللغة، وعلى الأخص اللغة اللاتينية واليونانية، والرياضات، تعتبران من أهم المواد التي تنمي التفكير عند التلاميذ، لقد تعرضت هذه النظريات لنقد كثير من بعض المربين، فالمربي الروسي "أوشينسكي" يقول: "إن النمو الشكلي للعقل، كما يفهمه هؤلاء، ليس إلا محض خيال، فالعقل ينمو، فقط، من خلال المعارف الحقيقية". فكل علم ينمي الإنسان بقدر ما ينهل منه، ويحيط بمحتواه، ويعمل على تطوير هذا المحتوى. إن على المدرسة أن تسلح تلاميذها بتلك المعارف التي تساعدهم على نموهم العقلي، ويستفيدون منها في نشاطهم المقبل ومن الخطأ الفادح أن ننظر إلى قيمة العلم بمقدار فائدته المباشرة اليت يحصل عليها الإنسان في حياته العلمية، فدراسة التاريخ القديم قد لاتكون ذات فائدة كبيرة مباشرة لنشاط الإنسان المعاصر، لكن معرفة التاريخ القديم تساعد على تفسير مسيرة التطور التاريخي للمجتمع الإنساني بشكل عام. ولقد وقف أوشينسكي ضد مذهب النفعية في دراسة العلوم الذي ينادي به أصحاب النظرية الشكلية في التعليم وعلى المدرسة أن تغني الإنسان بالمعارف وتدربه على استخدامها، وبما أنها تتعامل مع إنسان ينمو ويتطور، وله حاجاته المتنوعة، فيجب أن لا يقتصر عملها على تلبية هذه الحاجات في اللحظة الراهنة، وإنما عليها أن تأخذ بالحسبان المستقبل. وقد أشار العالم الروسي برولوف إلى العلاقة بين حجم المعارف والتفكير فأكد أن تحسين التفكير يرتبط دائماً بغزارة تلك المعارف الموجودة في رأس الإنسان ونوعيتها وأن عملية الاستيعاب نفسها تحتوي على نشاط عقلي. لقد أكد جون ديوي أن التفكير يتحقق بصورة أساسية عن طريق حل المشكلات، فعندما يصطدم الإنسان بصعوبات معينة، يلجأ إلى إيجاد أنماط جديدة للعمل والنشاط مما يدفعه إلى التفكير. والواقع أن ثمة اتجاهاً حديثاً لتلقريب بين سيكولوجية التفكير وسيكولوجية التعلم. ويؤكد بعض علماء النفس في هذا الصدد أن طريقة المشكلات التي تشغل مكاناً في سيكولوجية التفكير تعد في الوقت نفسه إحدى المبادئ الأساسية لسيكولوجية التعلم. إن طريقة المشكلات يمكن أن تتحقق عملياً باعتبارها طريقة خاصة من طرائق التعليم وبوصفها نظاماً تعليمياً كاملاً والتعليم القائم على حل المشكلات يتوجه نحو خلق الظروف المناسبة لتنمية المبادهة والاستقلالية عند المتعلم وقدرته على استخدام المعارف في الممارسة بخلاف طرائق العرض والشرح التقليدية اليت تقوم على نقل المعارف والمهارات والخبرات بشكل جاهز. وقد أثبتت بحوث عديدة أن حشر المعلومات في ذهن الطفل لا يشكل في الغالب صدى في نفسه، كما أن الطفل ينسى الكثير منها ويمكنه أن يفهمها كمعلومات دون فهم ما تنطوي عليه من أفكار. وليس صحيحاً ما كان شائعاً أن مرحلتي الطفولة المبكرة، والمتوسطة هما فترة تخزين للمعلومات والأفكار الجاهزة بسبب ما للطفل من قدرة على التذكر، إذ ثبت أن الطفل قادر خلالهما على التفكير في حدود مستوى نموه، وعلى أي حال فالقول إن للثقافة دورها في تشكيل طرق التفكير يعني أن التفكير هو طريق اكتساب كثير من عناصر الثقافة، لأن التفكير يقود إلى الفهم. والتفكير ليس أداة لفهم ما هو قائم في كيان الثقافة فحسب، بل هو يساعد على تحفز الأطفال لاكتشاف حقائق جديدة ونمو اتجاهات يقظة إزاء جوانب الحياة، وهو إضافة إلى ذلك يهيىء الأطفال لمواجهة مواقف الحياة المختلفة حيث ينتهي التفكير في العادة إلى حلول، وعلى هذا يقال إن التفكير هو جوهر التعلم. وبسبب أهمية التفكير في حياة الطفل ذهب البعض إلى القول إن أبرز مهماتت مؤسسات التعليم والتثقيف والاتصال هو تنمية قدرة الأطفال على التفكير، وتعليمهم كيف يفكرون.   *باحث من سورية

ارسال التعليق

Top