• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

احتضان المسنّين ودعمهم بالحبِّ والحنان

عمار كاظم

احتضان المسنّين ودعمهم بالحبِّ والحنان

الشيخوخة ليست عارضاً أو مرضاً أو حالة نفسيّة أو مرضيّة أو اجتماعيّة. نحن جميعنا مسنون مع وقف التنفيذ، نحن سائرون وصائرون إلى الشّيخوخة الأولى، هذه المرحلة لها مواصفاتها الخاصّة، نتيجة الضعف ونتيجة الخوف ونتيجة القلق ممّا هو أصعب من ذلك.. فكلّما تقدم المسنّ بالعمر، شعر بالقلق أكثر، وبالخوف أكثر، وبالضّعف أكثر.

المسنّون هم آباؤنا وأمّهاتنا الذين وصلوا إلى عمر باتوا بحاجة إلينا، إلى دعمنا واحتضاننا وحبّنا ورعايتنا، بعد أن قاموا بأكثر ممّا عليهم طوال عمرهم تجاهنا، وأدّوا ما عليهم من مسؤوليّة وأكثر، وتحمّلوا منّا ما لا يتحمّله أحد غيرهم، وأوصلونا إلى ما نحن عليه.. هم الذين أشادوا، وبنوا، وأنجبوا، وربّوا، وسهروا، وناضلوا من أجل أن يكون لنا وطن نرتاح فيه، ونسند إليه رؤوسنا، وننتمي إليه، ونحفظه، وندافع عنه. هم المسنون الذين كانوا بالأمس شباباً يتمتّعون بالنّشاط والحيويّة وراحة البال، منهم من قضى نحبه قبل أن يصل إلى مرحلة الشَّيخوخة، ومنهم من بقي ليشهد الإنجازات التي صنعها بيده في هذه الحياة. من حقّهم وهم يعيشون العمر المتقدّم، أن نكون إلى جانبهم، أن نشعرهم بالرّعاية والحبّ والاهتمام، أن لا نتركهم يعيشون الوحدة والحزن.

المسنّ ينتظر ردّ الجميل من محيطه، نتيجة الضعف الذي يضرب مختلف نواحي حياته الصحية والجسدية والنفسية، فيتكوّن لديه شعور بالنقص من كلّ الأشخاص الذين يحيطون به، وهذا يحتاج إلى تعويض واحتضان من قبل الجميع، فالمسنّ يتشابه مع الأطفال بنواحٍ كثيرة، وهو يحتاج إلى الحنان والعاطفة اللذين لطالما أعطاهما في حياته، ويحتاج إلى أن يعطى مثلما أعطى. وحتى يكون مستقبلنا في أمان، علينا أن نُشعِر من صنع حاضرنا بكلّ محبّة ومودّة واحترام. فالمسنّون اليوم هم شباب الأمس، هم الماضي ونحن الحاضر. فالتنكّر للماضي هو تنكّر للأصل وللقيم، وتنكّر للأهل والأجداد، ونحن امتداد لهم، فنكون بطريقة أو بأخرى، كأنّنا نتنكّر لذواتنا.

لقد بذل الوالدان كلّ ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعاية أبنائهما وتربيتهم، وتحمّلا في سبيل ذلك أشد المتاعب والصعاب والإرهاق النفسي والجسدي وهذا البذل لا يمكن لشخص أن يعطيه بالمستوى الذي يعطيه الوالدان. ولهذا فقط اعتبر الإسلام عطاءهما عملاً جليلاً مقدساً استوجبا عليه الشكر وعرفان الجميل وأوجب لهما حقوقاً على الأبناء لم يوجبها لأحد على أحد إطلاقاً، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده بشكل مباشر، حيث يقول تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) (الإسراء/ 23). من خلال هذه الآية المباركة، نرى ضرورة التعاطي مع الأهل في مرحلة الكبر، بكلّ حبّ وعاطفة واحترام وتقدير، فالإنسان المسلم يجب أن لا يُشعر أهله بتقصيرهما في هذه المرحلة، وبخاصّة بعد عطاءاتهم الكبيرة في الحياة. المسلم مطالب بتأمين احتياجات والديه على قدر استطاعته، كما هو مطالب بتأمين احتياجات أولاده وأسرته، فالله لا يكلّف نفساً إلّا وسعها. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : «لا تمل عينيك من النظر إليهما إلاّ برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدّم قدّامهما».

كما واعتبر الإسلام أنّ عقوق الوالدين من الكبائر، وهذا ما جاء في كتاب الله العزيز في سورة لقمان، حيث ربط الشرك بالله بمسألة الوالدين: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان/ 13، 14).

ارسال التعليق

Top