• ٢٢ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٨ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإنسان ابن تربيته

الإنسان ابن تربيته

يقرر القرآن الكريم حقيقة في منتهى الوضوح والأهمية، وهي أنّ الإنسان يأتي إلى هذه الحياة وهو لا يعرف أي شيء، ولكنه في الوقت نفسه مزود بالاستعداد لأن يتعلم كلّ شيء، يقول الله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل/ 78). في ثقافتنا الموروثة العديد من الأوهام حول تأثير التربية في شخصية الطفل، فهناك من يزعم أنّ الطفل أشبه بالعجينة بين يديك تستطيع تشكيلها على النحو الذي ترغبه، وهذا ليس بصحيح، والدليل هو أنّ الأبوين يمارسان أسلوباً واحداً في التربية لكن سلوكات أبنائهما ونظراتهم للحياة مختلفة، والآباء والأُمّهات يشعرون في قرارة أنفسهم أنهم نجحوا في تربية فلان أو فلانة من أولادهم على نحو أفضل بكثير من نجاحهم في تربية بقية أولادهم، وما ذلك إلا لأنّ الطفل ليس مثل العجينة أو قطعة الصلصال. وهناك من يزعم أنّ الجهود التربوية أقرب إلى أن تكون عقيمة، وأنها مسألة هداية ربانية، ويستدل هذا الفريق من الناس بما يرونه من أولاد صالحين وممتازين تربوا في أسر سيئة، يغلب عليها عدم التدين وسوء الأخلاق، كما يستدلون على ذلك بما يشاهدونه من أولاد سيئين نشؤوا بين أبوين صالحين. وهذا أيضاً ليس بصحيح، فالآباء الصالحون قد يربون بطريقة خاطئة، وقد يكون لدى الأبوين صلاح، لكنهما يعجزان عن تكوين أسرة جاذبة للأطفال، فيتأثر أبناؤهم بما يرونه ويسمعونه لدى الأقرباء أو في الشارع من صور وسلوكات سيئة ومشينة، ثمّ إنّ الظاهرة التي يشيرون إليها هي إلى الشذوذ أقرب منها إلى الاطراد، فالحقيقة أن معظم الشباب والفتيات يتأثرون تأثراً  كبيراً بأسرهم في كلّ جوانب شخصياتهم ولا شك أن هداية الله – تعالى للأبناء أساسية، لكن لابدّ من الأخذ بالأسباب. ومن الأوهام الموروثة في شأن تأثير التربية في الأبناء ما يعتقده بعض الناس من ضآلة مساهمة المعرفة والثقافة التربوية الجيدة في صياغة شخصيات الأطفال، ويستدلون على هذا بوجود عدد كبير من الرجال العظماء الذين نشأوا في أسر غير متعلمة، وبوجود عدد كبير من الرجال الأشرار والنساء الشريرات الذين تربوا في رعاية آباء وأُمّهات يحملون شهادات عليا، ونالوا حظاً من العلم. وهناك من يعتقد العكس حيث يعطون للمعرفة التربوية لدى الأبوين أهمية بالغة في صلاح الأبناء ونجاحهم. ولعلي أضع بعض النقاط على بعض الحروف في هذه المسألة المهمة:

1-    إنّ طبيعة الإنسان طبيعة مؤجّلة أو غير منجزَة تمام الإنجاز، بمعنى أنّ المرء حين يولد يكون قد ورث عن آبائه وأجداده خصائص روحية وعقلية ونفسية ومزاجية محددة، لكنه في الوقت نفسه يملك الكثير من الاستعدادات والقابليات التي تمكِّنه من أن يختلف اختلافاً كبيراً عن أشخاص لديهم نفس الموروثات النفسية... وهذا من رحمة الله – تعالى بالعباد إذ لو كانت الملامح النهائية لشخصية الطفل تولد معه، لكان ذلك شاقاً وقاسياً جدّاً على الذين ورثوا عن آبائهم وأجدادهم الكسل والخمول والنَزَق وسرعة الانفعال وسوداوية المزاج وضعف السيطرة على الرغبات... لكن مع هذه الرحمة هناك شيء آخر هو (الابتلاء) حيث إنّه ما دام هناك إمكانية لتأسيس شخصيات الأبناء على نحو معيّن، فهناك إذن تكليف بحسن الرعاية والتربية والتثقيف، وذلك التكليف يحمل في طياته معنى الامتحان.

2-    حين يولد الإنسان فإنّه فعلاً لا يملك أي مقوم أساسي من مقومات الإنسانية، فهو لا يملك اللغة ولا المشاعر ولا معايير الصواب والخطأ، كما أنّه لا يعرف ما هو نافع ولا ما هو ضار، كما لا يعرف كيف يفرِّق بين اللائق وغير اللائق وبين الآمن والخطر... وعليه أن يكتسب كلّ ذلك من خلال التربية، ولهذا قالوا: إن ولد إنسان لا يكون إنساناً إلا إذا رباه إنسان. وإذا تأملنا في الفتيان الذين يتصرفون تصرفات مهذبة وناعمة، فإننا سنجد أنهم نشؤوا في أسر تقدِّر هذا المعنى، وتتمثله في سلوكها، وأيضاً لو تأملنا في سلوكيات الفتيان الغلاظ المتوحشين، أو فاقدي اللباقة، فإننا سنجد أنهم نشؤوا في أسر متوحشة وبعيدة عن الكياسة والرقة، وكما نقول دائماً فإن لكل قاعدة شواذها.

3-    إنّ الله – سبحانه – هيّأ الإنسان لأنواع من الارتقاء لم يهيئ لها الحيوان، ولهذا فإن فترة طفولة الإنسان طويلة نسبياً، وعلى سبيل المثال فإن طفولة الإنسان تزيد على (20%) من عمره على حين أن طفولة (القط) الذي يعيش وسطياً في حدود سبع سنوات هي في حدود ثلاثة أشهر أي نحو (4%) من عمره، وهذا كله من أجل إتاحة الفرصة للإنسان كي يستكمل طبيعته من خلال التربية والتعليم والتدريب، وكلما ارتقى الإنسان في سُلَّم الحضارة زادت المدة المطلوبة لتهيئته للحياة، ونحن نلاحظ اليوم أنّ الشاب حتى يصبح مهيأ للانخراط الممتاز في سوق العمل يحتاج إلى سنوات كثيرة من الإعداد قد تستغرق نحوا من (40%) من عمره، كما هو الشأن في الطبيب الذي يود إكمال تخصصه قبل ممارسة المهنة. إنّ السنوات الست الأولى حاسمة جدّاً في تنشئة الإنسان حيث تُرسَم فيها كلّ الخطوط العميقة في شخصيته، والسنة الثانية من عمره هي بمثابة ولادة ثانية.

4-    سيظل للمعرفة التربوية أثر مهم في تنشئة الأبناء، والمعرفة التي كانت صالحة لتوجيه التربية قبل قرن لم يعد كثير منها صالحاً اليوم بسبب تغير الظروف والمعطيات وبسبب ما تم اكتشافه على صعيد الطبيعة البشرية، مما يستدعي الانفتاح على الأفكار والمعلومات والملاحظات التربوية الجديدة والاستفادة منها على أفضل وجه ممكن، لكن من المهم أن ندرك في هذا السياق أنّ التربية عملية تفاعلية وأنّ الطفل لا يتفاعل مع المعلومات التي لدينا، وإنما يتفاعل مع ما لدينا من اتجاهات ومشاعر وسلوكات، وما نتخذه من مواقف، ولهذا فإن ما نحصل عليه من معارف ومعلومات وخبرات تربوية ليس من أجل وعظ الأطفال، ولكن من أجل تقويم سلوكاتنا وتحسين إمكاناتنا في توجيههم وتربيتهم، وهذا هو الذي يفسِّر ما يحدث أحياناً من أن أماً لم تحصل على أكثر من الشهادة المتوسطة تربي أفضل من أم تحمل شهادة الدكتوراة في التربية، وذلك لأنّ الأطفال لا يتفاعلون مع الشهادات ولكن مع من يحمل الشهادات!.

 

·      هل يعني هذا شيئاً:

إنّه يعني الآتي:

1-    كما نكون ستكون تربيتنا، حيث لا نستطيع أن ننشئ جيلاً صالحاً إذا لم نكن نحن أناساً صالحين.

2-    ما دمنا نحن الذين نستكمل طبيعة الطفل، ونصوغ الكثير من التفاصيل في شخصيته، فإن علينا أن نحذر من أن نتخذ التربية وسيلة لتكريس الواقع السيئ ونقل الأمراض الخُلُقية والاجتماعية من جيل إلى جيل عبر سلطاتنا التربوية.

3-    كلما أوغلنا في الحضارة زادت مسؤولياتنا لأنّ ما يمكن تعليمه للأولاد وتدريبهم عليه يزيد، ولأنّ من شأن التقدم الحضاري استدعاء المزيد من الرقي الشخصي والمزيد من اكتساب المعارف والمهارات، وأسأل الله – تعالى – أن يعيننا على ذلك.

 

المصدر: كتاب هي.. هكذا كيف نفهم الأشياء من حولنا/ ثلاثون سُنّة إلهية في الأنفس والمجتمعات للكاتب أ. د. عبدالكريم بكّار

ارسال التعليق

Top