• ٢٢ شباط/فبراير ٢٠٢٠ | ٢٧ جمادى الثانية ١٤٤١ هـ
البلاغ

الإيمان يعزز الثقة بالنفس

عمار كاظم

الإيمان يعزز الثقة بالنفس

سلك الإسلام في تكوين خلق المُسلِم مَسلكاً شمله من جميع مناحيه، فاتّخذ الوسائل لتأديبه وتهذيبه في مأكله ومشربه، في حديثه وفي مجالسته للناس، في جوارحه ومشاعره، في حُسن معاملته لجميع المخلوقات حتى الحيوانات والجمادات. وهذه التعاليم الإسلامية التي جاءت لتقويم سلوك الإنسان لم تكن نظريات تستمتع العقول بمناقشاتها، ولا يكون كلاماً يتبرك الناس بتلاوته، ولا يفقهون هديه، ولا يدركون معانيه، وإنّما أنزله الله ليحكم حياة الفرد وينظّم حياة الأُسرة، ويقود حياة المجتمع، وليكون نوراً يضيء طريق البشر، ويخرجهم من الظلمات إلى النور. ولقد قال الله عزّوجلّ في كتابه الكريم: (يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة/ 15-16).

فالدِّين هو الذي يقوِّم السلوك، ولذا جاءت العبادات في الإسلام لتكون تمارين متكرّرة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكاً بها مهما تغيرت أمامه الظروف. والمؤمن لا يصل إلى كمال السلوك إلّا بالاستقامة، والالتزام بالشرع الحنيف.. فالاستقامة درجة بها كمال الأُمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومَن لم يكن مستقيماً في حالته ضاع سعيه وخاب جهده.. ومَن لم يكن مستقيماً لم يرتقِ من مقامه إلى غيره، ولم يبنِ سلوكه على صحّة. ولقد ثبت أنّ القوانين الوضيعة لا يمكن وحدها أن تضبط سلوك المرء، فهي على فرض إصابتها الغرض المقصود فيما يناسب سعادة المجتمع لا تنزع الناس عن الأخلاق الرسمية والأفعال الضارة إلّا ظاهراً.

الإيمان بالله تعالى هو المرفأ الآمن الذي يشفي المرء من علله النفسية.. من الوساوس والظنون، والتشاؤم، ويحرّره من الغضب والضيق والحقد واليأس والادعاء والكبر والأنانية والغرور... وكلّها أمراض نفسية مهلكة. والإيمان يستبدل في النفس علاجات ناجحة بدلاً عن هذه الأمراض المهلكة، فيزرع الثقة بما بيد الله عزّوجلّ وثقة الإنسان بما منحه الله تعالى من قدرات ومواهب. وهذا ما يحقّقه الإيمان الذي تمكّن من القلوب.

وعن مفهوم الإيمان وحركيته في الحياة، جاء في بعض الأحاديث، أنّ الإيمان ينقسم إلى مستقرّ ومستودع، ومن ذلك، ما رُوِي عن الإمام عليّ (عليه السلام): «فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقرّاً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصُّدور إلى أجَلٍ معلوم، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه»، يعني: لا تستعجلوا في الحكم عليه، «حتى يحضره الموت، فعند ذلك يقع حدُّ البراءة». في هذه الكلمة، يؤكِّد الإمام عليّ (عليه السلام)، أنّ هناك إيماناً عندما يدخل كيان الإنسان، فإنّه يتعمّق حتى يستقرّ في جذور الكيان الإنساني، بحيث يصبح جزءاً من ذات الإنسان، فيتجسّد فكرةً في العقل، وعاطفةً في القلب، وحركةً في الواقع، ذلك أنّ العقل ينطلق ليؤصِّل معرفته بإيمانه من خلال المعادلات التي يقتنع بها، ممّا يقترب من المعادلة الرياضية التي تلتقي بالبداهة.

ارسال التعليق

Top