• ٩ أيار/مايو ٢٠٢١ | ٢٧ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الرسالة وعناصر نجاحها

د. أحمد شلبي

الرسالة وعناصر نجاحها
ما الرسالة؟ لعلّ أجمل تعريف للرسالة "تقرير واف يقدّمه باحث عن عمل تعهده واتمّه على أن يشمل التقرير كل مراحل الدراسة منذ كانت فكرة حتى صارت نتائج مدونة مرتبة مؤيدة بالحجج والأسانيد". وتتوقف قيمة هذا التقرير (الرسالة) على عوامل مُتعددة، ولكن أهم هذه العوامل هو أن يكون هدف الطالب خلال عمله البحث عن الحقيقة، فإذا ظفر بها أعلنها، اتّفقت مع ميوله أو لم تتفق... ومن هُنا يبدو بوضوح الفرقُ بين المناظرات وبين الرسائل، فإذا وضعنا لمناظرة تأريخية عنواناً مثل: (الشورى في الإسلام) فإنّ الجانب الذي يُؤيد سيُطالعنا بقوله تعالى: (وَشاوِرْهُم في الأمْرِ) (آل عمران/ 159)، وسيُورد صوراً من استشارة الرسول (ص) لأصاحبه، واستشارة الخُلفاء الراشدين للصحابة فيما أشكل من أمور؛ وأمّا الجانب المعارض فسَيبحث عن تأويل لهذه المواقف، وسَيعرض لموقف أبي بكر حين خالف الصحابة الذين أشاروا عليه بعدم مُحاربة مانِعي الزكاة وقال مقولته المَشهورَة "والله لو منعونى عِقال بَعير كانوا يُعطونه لرسول الله (ص) لقاتلهم عليه". وربما رد الفريق المؤيِّد بأنّ أبابكر في موقفه من مانعي الزكاة كان يتبع نصّاً وما ورد فيه نص لا إجتهاد فيه ولا استشارة، وربما أجاب عن ذلك النص وتوجيهه توجيهاً خاصاً، وهكذا يبدو دراسته مُتبيناً وجهة نظر معينة قد يجمع من المادة ما يُلائم موقفه، ويتلمس التأويل لما يَدعم رأي الفريق الآخر. أمّا إذا كان هذا الموضوع موضوع رسالة، فإنّ الطالب يبدأ دراسته للبحث عن جوهر الحقيقة دون أن يكون له رأي في بادئ الأمر؛ فيقرأ، ويجمع المادة، ويتفهمها، ويُقارن بعضها، بالبعض الآخر لتوصِّله القراءة والدراسة إلى الحقيقة، دون أن تلعب به الأهواء أو توجهه الميول، فهو إذاً يبدأ دراسته لا ليبرهن على شيء بل ليكشف شيئاً، وهو إذاً يتجاهل وسيلة تساعده على بلوغ هذا الهدف، وهو مستعد أن يغيِّر رأياً يكون قد كوَّنه إذا جد ما يستدعي هذا التغيير مهما استلزم ذلك التغيير من عناء ونصب. تلك هي الروح العلمية، وتجري وراء الحقيقة، ولا يقودها أو يؤثِّر فيها هوىً أو رغبة. ومن هذا يتّضح أنّه لا يجوز أن يختار الطالب لدراسته موضوعاً وهو ينوي أن يثبته، أو ينوي أن يعارضه، بل يجب أن يختار الموضوع الذي يمكنه أن يثبته أو يعارضه تبعاً للمادة التي سوف يحصل عليها، فالمادة تقود الطالب إلى النتيجة التي يجب ألا يكون لها وجود ثابت في ذهن الباحث عند بدء البحث، فإذا اختار الطالب لدراسته موضوعاً وهو يأخذ منه جانباً معيناً فهو مناظر وليس بباحث.   - دعائم الرسالة الناجحة: للرسالة الناجحة دعائم أهمّها: أوّلاً: القراءة الواسعة: فطالب الماجستير أو الدكتوراه ينبغي أن يقرأ بنَهمٍ وعُمق، ويجب أن يلمّ بكل ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمّة. والطالب كما سبق يُحدّد نتائجه بناءً على قراءته، ولا شك أن موقفه سيكون حرجاً لو واجهه الممتحنون بمعلومات لم يحصل عليها ومن شأنها أن تحدث تغييراً فيما وصل إليه من نتائج، أو واجهوه بنتائج أروع من نتائجه توصَّل لها سواه. ثانياً: الدقة التامة في فهم آراء الغير، وفي نقل عباراته، فكثيراً ما يقع الطالب في أخطاء جسيمة بسبب سوء الفهم أو الخطأ في النقل. ثالثاً: ألا يأخذ آراء الغير على أنّها حقيقة مسلم بها، فكثير من الآراء بُني على أساس غير سليم، فليدرس الطالب آراء غيره ودعائمها، فيقرّ منها ما يتضح له صحته، ويرد ما لم يكن قوي الدعائم. رابعاً: أن تنتج الرسالة إبتكاراً وتضيف جديداً إلى ما هو معروف من العلوم، فالباحث يبدأ من حيث انتهى غيره من الباحثين؛ ليسير بالعلم خطوة أخرى، وليُسهم في النهضات العلمية بنصيب، وليس الإبتكار المطلوب في الرسائل هو كشف الجديد فحسب؛ بل هناك أشياء أخرى غير الكشف يشملها لفظ الإبتكار، وذلك مثل ترتيب المادة المعروفة ترتيباً جديداً مفيداً، أو الإهتداء إلى أسباب جديدة لحقائق قديمة، أو تكوين موضوع منظم من مادة متناثرة أو نحو ذلك. خامساً: إذا وصل الطالب إلى مرحلة كتابة الرسالة كان عليه أن يبذل جهده ليكون قوي التأثير في قارئه، وليورد له من الأدلة ما يجعله يُشاركه فيما يذهب إليه، وليدرك الطالب أن مهمّته الأولى أن يجعل رسالته بحيث تجذب ذهن القارئ بما فيها من مادة مفيدة مرتبة كتبت بأسلوب طليٍّ، وأن تكون الرسالة بحيث يظل القارئ منجذباً لها متعلقاً بها طيلة قراءته لها لوضوحها وتسلسلها، إذ أنّ الجاذبية ستضعف إذا صادف القارئ استطراداً أو إبهاماً ممّا قد يشغل ذهنه عن تتّبع الفكرة الأساسية التي يُعالجها الطالب. وليعرف الطالب أنّ القائد الذي يقصد اقتحام حصنٍ عام، عليه أن يُعدَّ جنده إعداداً تاماً، ثمّ عليه أن يبرع في إدارة المعركة، وأن يواصل ضغطه حتى يصل إلى هدفه. وكذلك الطالب إذا كون بإطلاعه رأياً فليحشد له من المادة ما يكفي لإبانته، وليبرع في عرض هذه المادة بأسلوب جميل وبدقّة وإتقان ووضوح، وبدون استطراد أو إبهام؛ وليستمر على ذلك طيلة عمله، فليست مهمّة الطالب أن يكشف جديداً فقط، ولكن أن يصوغ ما كشفه في قالب جميل، فيه وضوح وإغراء، وقوة وتأثير، فهذا لا ريب جُزء متمِّم لعمله.   - بين الماجستير والدكتوراه: الهدف الأوّل لدرجة الماجستير هو أن يحصل الطالب على تجارب في البحث تحت إشراف أحد الأساتذة، ليمكنه ذلك من مواصلة البحث للتحضير للدكتوراه التي يُفرض فيها أن تُمنح تجارب أكمل وأوسع، وأن تكون مُساهمة حقّة في النهضة العلمية، وأن تضيف جديداً للثقافة الرفيعة. وتُعتبر الماجستير إمتحاناً يعطي فكرةً عن مواهب الطالب، ومدى صلاحيته للتحضير للدكتوراه. والماجستير تُساعد الطالب الكفء ليحسّ متعة البحث ولذّة الدراسة، فيدفعه ذلك إلى مداومة البحث والدرس للحصول على الدكتوراه، حتى إذا حصل عليها كان الشغف قد كمل عنده وخالط دمه، فلا يفتأ باحثاً طول حياته، باحثاً عن العلم للعلم، وذلك هو الهدف الأسمى. وإذا لابدّ للماجستير أن تضيف جديداً للثقافة العالية، فالجديد الذي تضيفه رسالة الدكتوراه يجب أن يكون أوضح وأقوى؛ فهي بين إبراز فكرة وشرحها وتنظيمها، أو التعمق برأي والتطور به وتفريعه، ويكون كل ذلك موضوعاً في مستوى عال يتناسب مع الدرجة التي سيُمنحها الطالب. وتعتمد رسالة الدكتوراه على مراجع أوسع، وتحتاج إلى براعة في التحليل وتنظيم المادة، ويجب أن تُعطي فكرة عن أنّ مقدمتها يستطيع الإستقلال بعدها في البحث؛ فهو بجانب الشّغف الذي تربّى عنده، تربَّت عنده المقدرة على أن يُخرِج أعمالاً علمية صحيحة، دون أن يحتاج إلى مَن يُشرف عليه ويوجهه. *دكتوراه في الفلسفة من جامعة كمبردج وأستاذ بجامعة القاهرة المصدر: كتاب (كيف تكتب بحثاً أو رسالة)؟

ارسال التعليق

Top