• ٢٧ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١١ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الرقابة الإلهيّة

عمار كاظم

الرقابة الإلهيّة

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) (الأحزاب/ 52) و(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر/ 19). هذه الآيات الكريمة وغيرها، توحي للإنسان المؤمن أن تفكيره وعقله وطاقاته في حياته، يجب أن يكون على أساس حقيقة إيمانية، وهي رقابة الله عليه في كلِّ ذلك، إنّك ربّما تستطيع وأنت تفكر أن تخفي ما في فكرك عن الناس كلّهم، سواء كان فكرك فكر الخير أو الشرّ، وتستطيع أن تخفي مشاعرك وأحاسيسك عن الناس كلّهم، وأن تخفي كلماتك عندما تهمس بها أو تسرّها لبعض الناس لأنّك تملك ذلك كلّه، فهناك غطاء للفكر وللعاطفة ولما يصدر عن الإنسان من قول وفعل ممّا يملكه الإنسان من الوسائل. ولكنّك لا تملك أن تخفي شيئاً عن ربّك، فأنت مكشوف بكلّك عليه، إنّك تجلس وحدك لتفكر بشرٍّ ضد أُناس أو واقع، أو بخير، وأنت مطمئن أنّه لن يطّلع أحد على ما تخطّط له وما تفكّر فيه، ولكنّ الله تعالى يلاحق فكرك منذ أن تبدأ الفكرة، وحتى تنضجها وتنتجها، فإنّها في نظر الله وعلمه، لأنّ الله (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). وعلى هذا، فإنّ على الإنسان أن يربّي نفسه على أنّه مراقَب في كلّ أعماله وأسراره وخفاياه، فلا يشعر بالأمان والاطمئنان، ويأخذ حرّيته في التخطيط لهتك حُرمة الآخرين، أو النيل من كرامته وماله وعِرضه: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (النِّساء/ 108).

الإسلام سعى لتقوية عنصر الرقابة الذاتية لدى الإنسان المسلم، وهذا العنصر هو من أقوى ما يمكن أن يشكّل ضمانةً لعدم اختراق القانون، لأنّ الإنسان الذي لا يمكنه أن يخفي عن نفسه ارتكابه للإثم أو مخالفته للشرع، وإن أمكنه أن يخفي ذلك عن الناس، أو أن ينسى الله عزّوجلّ في لحظة من اللحظات، لن يُقدم على المخالفة وارتكاب الذنب. يقول الإمام عليّ (عليه السلام): «اجعل من نفسك على نفسك رقيباً واجعل لآخرتك من دنياك نصيباً». وعنه (علیه السلام): «رَحِمَ الله عبداً راقب ذنبه وخاف ربّه». هذه الرقابة الإلهيّة حينما يشعر بها الإنسان ويؤمن بها تحدث لديه حالة من الخوف من مخالفة القانون وتخلق عنده حالة من الفزع من الله سبحانه عندما يخالف شريعته وقانونه وبالتالي تنشأ عنده مَلَكة التقوى كما عرّفنا الامام الصادق (عليه السلام): «أن لا يفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك». ويقول أيضاً (عليه السلام): «خف الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، وإن كنت ترى أنّه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت ترى أنّه يراك ثمّ برزت إليه بالمعصية فقد جعلته أهون الناظرين إليك». بناء الإنسان المؤمن إذن يبدأ من التقوى ويزول إيمانه بزوالها وعليه يتوقف بناء المجتمع الفاضل الذي عبّر عنه القرآن الكريم: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران/ 110)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (الحشر/ 18-20).

نحن في الصوم نمتنع طوعاً واختياراً من مفرطات هي ضرورات قريبة منّا ولصيقة بنا من أكل وشرب وهي محللة لنا وبالإمكان أن نتناولها بعيداً عن أعيُن الناس ولكن لم نفعل لأنّنا نشعر بالرقابة الإلهيّة، نمسك عنها تقرُّباً لله، هذا الشعور يولِّد «التقوى» التي فيها يستوي باطن الإنسان وظاهره في الاستجابة لمنهج الله والالتزام الصادق المخلص لكلّ ما يدعونا إليه هذا المنهج فيصبح «الإنسان المتقي» موحّد الشخصية لا تجد الازدواجية إليه سبيلاً. لأنّ الصوم حكمة تشريعة للوصول إلى درجة التقوى، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183).

ارسال التعليق

Top