• ٢٠ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

العصافير.. قصة قصيرة

عبدو محمد

العصافير.. قصة قصيرة
 حطّت عصافير المساء فوق جفني المتعبين فأطبقتهما، عصافير كثيرة جاءت ورفرفت بأجنحتها الزاهية. قبل أن تحطّ بنعومة، ففرحت نفسي. فرحتي لم تكتمل! فالغربان المعشّشة في مقلتي أبت الرحيل، فبتُّ أتقلب على جمر الغضى وشوك الفضاء. لاحقت النوم طويلاً منذ أن هجعت، والعصافير الزاهية فرّت وأنا أجري خلفه، أقف لاهثاً لأستردّ أنفاسي، فيكنُّ فوق صخرة ظاهرة متحدياً، وعرفت كيف يتخفف الغيم من أثقاله، فبكى قلبي وعيناي، فارتحت. وغفوت حين استيقظ الناس. أيقظني صغيري قائلاً: لم أعد أراك يا أبي، وحضنك ما عدت أتذكر دفئه ورائحته. فرنّ جرس الهاتف. قال لي صديقي من بعيد: صديقنا سعيد مات، فانهدمت وتساقطت فوق فراش الشوك من جديد. بالأمس تحدث إليّ سعيد طويلاً، كان يتخفف من همومه – سعيد، مهموم! كيف؟ لست أدري. قال: "لم أعد أراك لأني ألاحق الرغيف الساخن والقرش الأبيض، ومن حولي لا يرحم. الكل يطلب ريش النعام، ورجلاي ماعادتا قادرتين على الجري، وعملي كرب في كرب، وغمٌّ وسوءٌ أراه وأمقته ولا أقدر عليه". تنفست تنهيدة دامعة وقلت لأعماقي "غربان كثيرة حطّت على غصن ذابل فكسرته" وتذكرت أغصاناً كثيرة تقصّفت في ريعانها، أغصاناً واعدة كثيرة ذرتها الريح، وغطاها غبار النسيان، ورماد الحرائق المشتعلة في الأعماق التي لا تبين، فالوجوه تعلوها أقنعة باسمة. قالت لي تلك التي أحببتها يوماً وما عرفت حباً غيره "كيف أفرح قلبك وأريح نفسي؟" فتذكرت ورد الربيع ونسيم أمسيات الصيف وخبز أمي الساخن، فبكيت وألقيت برأسي على صدرها الحنون، فضمّته ومسحت همومه بيدها الناعمة وقالت: "أنا وأنت على الدهر يا حبيبي". الدهر قاس يا حبيبتي، بل ناسه هم القساة، لا تصدقي شكواهم، هم يلومون الدهر ليبرِّئوا أنفسهم. جاء عصفور صغير ناحل وحط على النافذة قبالتي تماماً. عيناه كانتا ذابلتين، وقلبه كان حزيناً، عصفور صغير ناحل من أين جاء؟ لست أدري! والمدينة لا عصافير فيها. ولا ورد ولا سماء زرقاء. تساءلت كثيراً، ونظرت كثيراً، والعصفور ظل ساكناً دامع العينين. فقدمت له لقيمات من طعام، وقطرات من ماء. هكذا يفعل الناس حين يأتيم ضيف، أي ضيف، ما كان آبائي يسألون الضيف قبل ثلاث، تذكرت هذا، وتذكرت أن أيامنا هذه لا ضيوف فيها، ومنذئذ صار العصفور نديمي. هلت ريمتي تنط فرحاً. وألقت بنفسها عليَّ معانقة قائلة: "نلت الأولى في صفي يا أبي، فمد يدك بالمكافأة. سأشتري وردة لمعلمتي". فانشرح صدري وأودعت كفها الصغيرة كل ما في جيبي فرحاً. وحين خرجت فرحة راقصة. رقص قلبي معها. وعرفت أنّ الحياة لا تخلو من الأفراح. أكل العصفور وشرب ثمّ طار، قلت لنفسي: ياله من قنوع، يكتفي بما يسد جوعه. لا يعرف الخزن والكنز. وتذكرت سعيد الذي لا أعرفه والذي مات خازناً كانزاً، وسعيد الذي أعرفه والذي مات جائعاً، وصديقي سعيد الذي مات مهموماً، ورأيت العصفور حكيماً، وغبطته كثيراً. وقلدته وما عدت أجري خلف شيء، فسعدت أياماً وسخرت من اللاهثين، وحين جاء العيد وانكسرت نظرات صغاري. عرفت أن عالم العصافير عالم آخر. بالأمس عدت منهكاً، تمددت قبالة النافذة أرتاح، فجأة عصفوري الصغير، نديمي الذي ما عاد ناحلاً، حط على النافذة ونفض ريشه كمن يتخفف من أعبائه، ونظر إلي باسماً. نسيت تعبي وقدمت له حباً وماء، فأكل وشرب، ومن حيث لا أدري هبط من السماء قط ذو مخالب وأنياب. انقض عليه ومضى، عبثاً بحثت عنه، انشقت الأرض وغيبتهما، فغاب فرحي وانكسرت نفسي وترحمت على صديقي سعيد، وسعيد الذي عرفته، وسعيد الذي ما عرفته، وعلى نفسي المنهكة.   * أديب وقاص من سورية

ارسال التعليق

Top