• ٢٩ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٣ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الوصل إلى الطفل واللقاء به

الوصل إلى الطفل واللقاء به

كيف نفهم عالم الطفل؟

يظن كثير من الآباء أنّ مجرد اجتهادهم في تلقين الطفل قيماً تربوية إيجابية، كفيل بتحقيق نجاحهم في مهمتهم التربوية، وعند اصطدام معظمهم باستعصاء الطفل على الانقياد لتلك القيم، يركّزون تفسيراتهم على الطفل في حدّ ذاته، باعتباره مسؤولاً عن ذلك الفشل ولم يكلف أغلبهم نفسه مراجعة السلوك الذي انتهجه، فأدى إلى مزيد من توتير العلاقة بينهم وبين أبنائهم:

أ‌)       الأسئلة:

فأين يكمن الخلل إذن؟

هل في أبنائنا؟

أم فينا نحن الكبار؟

أم هو كامن في الوسط الاجتماعي العام؟

ما هي الحلقة المفرغة في العملية التربوية التي تجعل جهدنا في النهاية بغير ذي جدوى؟

كيف نستطيع تنشئة الطفل بشكل يستجيب للقيم التربوية التي نراها، بأقل تكلفة ممكنة؟

هل نستطيع أن نحوّل تربيتنا لأطفالنا من كونها عبئاً متعباً إلى كونها متعة رائعة؟

هل بالإمكان أن تصبح علاقتنا بأطفالنا أقل توتراً وأكثر حميمية مما هي عليه الآن؟

هل نكون متفائلين بلا حدود إذا أجبنا عن هذه الأسئلة بالإيجاب؟

ماذا لو جازفنا منذ البداية، وقلنا بكلّ ثقة: نعم بالتأكيد نستطيع؟

ب‌) محاولة الإجابة:

فتعالوا إذن لنرى كيف نستطيع فعلياً أن:

نجعل من تربيتنا لأطفالنا متعة حقيقية.

نجعل أطفالنا أكثر اطمئناناً وسعادة دون أن نخل بالمبادئ التي نرجو أن ينشؤوا عليها.

نجعل علاقتنا بأطفالنا أكثر حميمية.

نحقق أكبر قدر من الفعالية في تأثيرنا على أبنائنا.

ت‌) السؤال المطروح بهذا الصدد هو:

إذا أردت أن تكون أباً ناجحاً، أو أن تكوني أمّاً ناجحة، فهل عليك أن تضطلع بعلوم التربية وتلم بالمدارس النفسية وتتعمق في الأمراض الذهنية والعصبية؟؟؟

الجواب: بالطبع لا.

ما عليك إذا أردت أن تكون كذلك إلّا أن تفهم عالم الطفل كما هو حقيقة، وتتقبل فكرة مفادها:

أنّك لست أباً كاملاً، أو مربياً خارقاً، وأنّكِ لستِ أُمّاً كاملةً، فتهيّئ نفسك باستمرار كي تطور سلوكك تجاه طفلك، إذ ليس هناك أب كامل بإطلاق ولا أم كاملة بإطلاق.

كما عليك أن لا تستسلم لفكرة أنّك، أب سيِّئ، وأنّكِ أُمّ سيِّئة، أي مربٍّ سيِّئ، فتصاب بالإحباط والقلق فكما أنّه ليس هناك أب كامل ولا أُم كاملة بإطلاق، ولا تربوي كامل عموماً، فكذلك ليس هناك أب سيّئ ولا أُمّ سيِّئة بإطلاق. فالآباء تجاه التعامل مع عالم الطفل صنفان غالبان:

الصنف الأوّل:

يعتبر عالم الطفل نسخة مصغرة من عالم الكبار، فيسقط عليه خلفياته وتصرفاته.

الصنف الثاني:

يعتبر عالم الطفل مجموعة من الألغاز المحيرة والطلاسم المعجزة، فيعجز عن التعامل معه.

ث‌) المفاتيح البسيطة:

إنّ عالم الطفل في الواقع ليس نسخة مصغرة من عالم الكبار، ولا عالماً مركباً من ألغاز معجزة. بل هو عالم له خصوصياته المبنية على مفاتيح بسيطة، من امتلكها فهم وتفهم، ومن لم يمتلكها عاش في حيرته وتعب وأتعب فما هي إذن مفاتيح عالم الطفل التي سنتمكن بها من فهم سلوكه وخلفياته على حقيقتها فنتمكن من التعامل الإيجابي معه؟

 

هكذا نفهم عالم الطفل:

لعالم الطفل مفاتيح، لا يدخله إلّا مَن امتلكها، ولا يمتلكها إلّا مَن تعرف عليها، هي:

الطفل كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة.

الواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساساً وليس عبر الألم.

الزمن عند الطفل زمن نفسي وليس زمناً اجتماعياً.

العناد عند الطفل نزوع نحو اختبار مدى الاستقلالية وليس رغبة في المخالفة.

الفضاء عند الطفل مجال للتفكيك أي المعرفة وليس موضوعاً للتركيب أي التوظيف.

كلّ رغبات الطفل مشروعة وتعبيره عن تلك الرغبات يأتي أحياناً بصورة خاطئة.

كلّ اضطراب في سلوك الطفل مرده إلى اضطراب في إشباع حاجاته التربوية.

وفي ما يلي تفصيل ذلك:

أ‌)       الطفل كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة:

أولى مفاتيح عالم الطفل، تكمن فيما ورد عن المربي الأوّل (ص):

"ما من مولود إلّا يولد على الفطرة".

ليس هناك مَن يجهل هذه المقولة، ولكن القليل منّا مَن يستطيع توظيف هذا الموقف النظري في تعامله مع الطفل: لأنّ المتأمل في نوع التدخل الذي نقوم به تجاه سلوك أطفالنا يدرك مباشرة أنّنا نتعامل معهم على اعتبار أنّهم حالة تربوية منحرفة يلزمنا تقويمها، لا باعتبارهم كياناً إنسانياً سليماً، كما يقتضيه فهمنا لمعنى الفطرة، الوارد في الحديث الشريف. فنعمل بمقتضى ذلك المفهوم المنحرف على الوقوف موقفاً سلبياً ومتسرّعاً تجاه أي سلوك لا يروقنا ولا نفهمه، فنحرم بذلك أنفسنا من الانسياب إلى عالم الطفل الممتع والجميل.

إنّ الإيمان بأنّ كلّ مولود يولد على الفطرة ليس مسألة حفظ بالجنان وتلويك باللسان، بل هو تصور عقدي ينبني عليه التزام عملي تربوي ثابت. فالانحراف عن هذا التصور يجعل سلوكنا تجاه أبنائنا منذ البداية محكوماً عليه بالفشل الذريع. إذ إنّه من مقتضيات الإيمان بولادة الإنسان على الفطرة: الاعتقاد بأنّ الله تعالى قد منح الطفل من الملكات الفطرية والقدرات الأولية ما يؤهله ليسير في رحلته في هذه الدنيا على هدى وصواب، وبذلك التصور سيتحدد نوع تدخلنا في كيانه، والذي يتجلى في وظيفة محددة هي: الإنضاج والتنمية، لا التقويم والتسوية، أي ستقتصر وظيفتنا تجاه الطفل على تقديم يد المساعدة للطفل حتى ينضج تلك الملكات وينمي تلكم القدرات.

بل إنّ من مقتضيات توظيف هذا الحديث النبوي الشريف أنّه حينما نلحظ انحرافاً حقيقياً في سلوك الطفل، فعلينا أن نراجع ذواتنا ونتهم أنفسنا ونلومها نحاسبها، لأنّنا سنكون نحن المسؤولين عن تحريف تلك الفطرة التي وضعها الله تعالى بين أيدينا أمانة سوية سليمة، فلم نحسن الحفاظ عليها، ولم نؤد حقها على الوجه المطلوب، وبذلك سوف نشفى من أعراض النرجسية التي تصيب معظم الآباء، حيث سنتمكن من تطوير ذواتنا باستمرار عن طريق عرضها على ميزان النقد والتقويم. فالطفل كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة.

ب‌) الواجب عند الطفل يتحقق عبرة اللذة أساساً وليس عبر الألم:

نعم إنّ خوف الطفل من الألم قد يجعلك تضبط سلوكه ولو لفترة معينة، ولكنّك لن تستطيع التعويل باستمرار على تهديده بالألم إذا كنت تريد أن تبني في كيانه قيمة احترام الواجب والالتزام به.

كما لن يمكنك تفادي الآثار السلبية لما يحدثه الألم في نفسه وشخصيته، حيث لا تنتظر من الطفل أن يقوم بما عليه القيام به من تلقاء نفسه وبشكل آلي، بل وحتى بمجرد ما تأمره به، والسبب هو أنّ مفهوم الواجب عنده لم ينضج بعد، وهو من المفاهيم المجردة التي ينبغي تنشئة الطفل عليها بشكل تدريجي.

فحينما تأمره أن يقوم بإنجاز تمارينه المدرسية مثلاً، فإنّ استجابته لك لن تتحقق ما لم تربطها بمحفز يحقق له متعة منتظرة، مثل الوعد بفسحة آخر الأسبوع أو زيارة مَن يحبه، حتى يرتبط فعل الواجب لديه باستشعاره للمتعة التي سوف يجنيها.

فيكون الهدف هو أن يصبح الطفل متعلقاً بفعل الواجب قدر تعلقه بتحقيق تلك المتعة وما يدعم ذلك هو أنّ الطفل أثناء تنفيذه للواجب، فإنّه يفعل ذلك بمتعة مصاحبة، كأن يغني وهو يكتب، أو يقفز على رجل واحدة وهو ذاهب لجلب شيء ما، وعلى أساس هذا الاعتبار تأسست مدارس تعليمية، تعتمد اللعب وسيلة أساسية لتعليم الصغار. ويعتقد بعض الآباء أنّ ربط الواجب بالمحفزات، وخاصة المادية منها، سوف يوقعهم في تدليل أبنائهم، وهو ما نعتبره خلطاً في المفاهيم قد يقع فيه الكثير، وبكلمات سريعة موجزة نقول: إنّ الدلال هو منح المتعة بدون ربطها بالقيام بالواجب، وغالباً ما يكون تقديم تلك المتعة استجابة لابتزاز يمارسه الطفل على والديه، بل هي أحياناً منح المتعة مقابل اقتراف الخطأ، وذلك انحراف كبير في السلوك التربوي تجاه الأبناء.

وما نتحدث عنه نحن بهذا الصدد مخالف كما ترى لهذه الصورة.

إنّ تفهم هذا الأمر عند الطفل سيجعل تعاملنا معه أثناء إلزامه بفعل الواجب تعاملاً إيجابياً وخالياً من التوتر فالواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساساً وليس عبر الألم.

ث) الزمن عند الطفل زمن نفسي وليس زمناً اجتماعياً:

نعتمد نحن الكبار في تحديد الزمن على ما تعارفنا عليه من وسائل، تطورت عبر العصور إلى أن وصلت إلى الزمن الكرونولوجي، الذي يعتمد اليوم على الأجزاء المجزأة من الثواني، وهو في كلّ مراحله يُعتبر زمناً اجتماعياً.

في حين أنّ مفهوم الزمن عند الطفل هو أيضاً من المفاهيم المجردة التي يلزمه وقت كافٍ لاستيعابها والانضباط إليها والعمل ضمنها. والزمن الوحيد الذي يعمل الطفل وفقه هو الزمن الذي يحسه هو حسب متعته أو ألمه: فإذا كان مستغرقاً في اللعب، مثلاً، فإنّه يعتقد في قرارة نفسه أنّ الكون كلّه سيتوقف احتراماً لتمتعه بعمله ذاك، فلا حقّ لأيٍ كان حسب إحساسه أن يشوش عليه متعته تلك. وليس المجال الآن مجال مناقشة كيفية تأهيل الطفل لإدراك الزمن الاجتماعي، ولذلك سنكتفي بالتأكيد على ضرورة استحضار هذا الأمر أثناء إلزام الطفل القيام بواجب ما في وقت ما، وذلك بمساعدته للخروج تدريجياً من زمنه النفسي إلى زمنك الاجتماعي.

فإذا كان مستغرقاً في اللعب مثلاً، وكان عليه أن ينتهي منه على الساعة الخامسة لينجز واجباً ما، فما عليك إلّا أن تنبهه إلى ذلك قبل الموعد بعشر دقائق على الأقل، وإذا كان لديك الوقت الكافي أن تشاركه فيما يقوم به، حتى تدخل معه زمنه النفسي ثمّ تخرجه منه شيئاً فشيئاً. فالزمن عند الطفل زمن نفسي وليس زمناً اجتماعياً.

ج‌)   العناد عند الطفل نزوع نحو اختبار استقلاله وليس رغبة في المخالفة:

عندما نأمر الطفل أو ننهاه فيخالفنا، نتهمه مباشرة: يا لك من ولد عنيد.

ولا نتوقف للبحث عن الأسباب الموضوعية التي دعته إلى عدم الاستجابة لنا.

يظهر العناد عادة بعد مرور سنتين ونصف، وتسمى سن العناد، ويفيدنا علماء النفس أنّه كلما أظهر الطفل عناداً قبل هذا السن كلما دل ذلك على سلامته النفسية.

نعم، فالعناد الطبيعي دليل السلامة النفسية، ولفهم ذلك نسترجع ما يشبه قصة إدراك الطفل لما حوله:

إذ إنّ الطفل منذ أن تقدر له الحياة في بطن أُمّه يكون مرتبطاً بذلك الحبل السري الذي يغذيه بالهواء والغذاء، ويستمر شعوره بالارتباط بالحبل السري مع أُمّه حتى حينما يخرج إلى هذا العالم. وحينما يشرع في إدراك الأشياء التي تحيط به ينتابه إحساس أنّه عضو من أعضاء أُمّه، تماماً مثل يديها أو رجليها، تحركه كيفما أرادت، غير أنّ هذا الشعور يتعرض لأحداث بسيطة تشوش هذا الاعتقاد عند الطفل، مما يحدو به إلى اختباره، وتكون الوسيلة الوحيدة للاختبار هي عدم الاستجابة، أو ما نسميه نحن الكبار: عناداً.

ومن المفارقات التي يؤكدها العلماء أنّ الطفل حينما يصل إلى حقيقة أنّه مستقل عضوياً وإرادياً عن أُمّه فإنّه لا يفرح بذلك، بل على العكس يصاب بالألم.

وما يقع عادةً أنّه مع شعوره بألمه الذاتي فإنّه يتعرض إلى ألم خارجي من قبلنا حينما نعاقبه على عناده والمهم هنا هو أن نستحضر أنّ الأمر له مبرر حيوي بالنسبة للطفل، وأنّ كرامتنا نحن الكبار غير مستهدفة من قبله، وذلك مفتاح أولي للحل.

ح‌)   الفضاء عند الطفل مجال للتفكيك وليس موضوعاً للتركيب:

نرتب الفضاء نحن الكبار ليقوم بوظيفة ما: كأن نرتب القاعة لتكون صالحة لعرض مسرحية أو لإلقاء محاضرة، ونرتب الغرفة لاستقبال الضيوف.. فالفضاء عندنا مجال للتوظيف، ووسيلة توظيفه هي تركيبه.

أمّا الطفل فإنّنا إذا وضعناه في الفضاء الذي قمنا بترتيبه فإنّه سيحيله إلى فوضى كاملة، لماذا؟ لأنّه يحدوه هاجس غير الهاجس الذي يحدونا: يحدوه شغف شديد أن يتعرف على هذا العالم حتى يكون مؤهلاً في المستقبل لتوظيفه، ووسيلته الوحيدة للتعرف عليه هي تفكيكه.

وغالباً ما ينشأ التوتر بيننا وبين أبنائا نتيجة عدم استحضارنا لهذه الجزئية الكبيرة:

فلا نعترف للطفل بحقّه في التعرف على هذا العالم، ونرتب الغرفة مثلاً وقد جعلنا المزهرية الرائعة في متناول يديه، مفترضين فيه أن يراها ولا يمد يده عليها، وإذا حصل ما هو منتظر، وهو أن يمد يده عليها، عاقبناه طبعاً.

إنّ حقّ الطفل في التعرف على هذا العالم يظهر في كلّ حركاته وسكناته، وعليه فنحن مطالبون بأن نشبع حاجته هذه عن طريق إتاحة الفرص الكافية له كي يتعرف عليها، دون أن يلحق الأذى بنفسه ولا الإضرار بنا.

عرفت أُمّاً استطاعت بخبرتها أن تجد حلاً لمشاغبات ابنتها، التي ظهر عليها اهتمام خاص بالتوابل التي يحتوي عليها المطبخ، فخصصت لها وقتاً وضعت فيه بين يديها كلّ تلك المواد، وأخذت تعرفها إياها مادة مادة، فعرفتها أسماءها وسمحت لها أن تشمها وتتذوقها وتلمسها وهكذا فقد أشبعت لها أُمّها رغبتها في المعرفة وحمتها من تعريض نفسها للخطر.

وهناك وسيلة هامة جدّاً لإشباع رغبة المعرفة لدى الطفل، وهي تمكينه من الألعاب التي يحتاجها، ذلك باستيحائها من مشاغبته، فمشاغباته تعكس اهتماماته.

ولا ننسَ ونحن نقتني له ألعابه، أن نختارها من النوع القابل للتفكيك، فإذا لم تكن كذلك فسوف يفككها بطريقته الخاصة: سوف يكسرها طبعاً.

خ‌)   كلّ رغبات الطفل مشروعة وتعبيره عن تلك الرغبات يأتي أحياناً بصورة خاطئة:

من أهم المبادئ التي يدلنا عليها علم البرمجة العصبية اللغوية أنّ وراء كلّ سلك، مهما كان سلبياً، دافع إيجابي. وإني لأجد هذا المبدأ هو أصدق ما يكون على الطفل، باعتباره كياناً إنسانياً سليماً وليس حالة تربوية منحرفة.

فدوافعه لا تخرج عن الرغبة في تحقيق الحاجات الحيوية بالنسبة إليه: ومنها تحقيق الذات والرغبة في الشعور بالاهتمام والمحبة والأمن والرغبة في الانتماء وغيرها، لكنّه ولأجل تحقيق تلك الرغبات المشروعة، فقد يقوم بأفعال مزعجة لنا نحن الكبار:

فقد يبالغ في البكاء كي يعبر عن رغبته في الأكل.

وقد يمزق الصحيفة التي بين يديك كي يثير اهتمامك.

وقد يستحوذ على ألعاب غيره كي يعبر لك عن رغبته في أن تخصص له ألعاباً خاصة به.

وقد يرفض الذهاب للمدرسة ليعبر عن رغبته في تحقيق الاحترام الذي يستحقه من قبل المعلمة.

وقد يأخذ السكين ويضع رأسه في فمه ليكتشف هذا الشيء الذي بين يديه.

وقد يقوم بأفظع الأعمال، ولكن يبقى السؤال: كيف يكون ردّ فعلك غالباً؟

وعلى ماذا تركز اهتمامك حينها؟

أغلبنا سوف لن يبالي إلّا بالسلوك الخاطئ، ولن يكلف نفسه عناء الكشف عن الرغبة والدافع الذي هو أصل السلوك، ولذلك فردّ الفعل بسطحية التركيز على السلوك لن يكون إلّا العقاب.

وحينما سيفهم الطفل أنّه معاقب على كلّ ما قام به وما أحس به، فسوف نكون مسهمين في إرباك التوازن النفسي لديه دون أن ندري.

إنّنا إذا ما استطعنا التمييز بين السلوك الخاطئ والرغبة المشروعة، فسوف نحقق مجموعة من الأمور دفعة واحدة، ومنها:

-         أنّنا سنصبح أكثر تحكماً في ردود أفعالنا تجاه السلوكيات الخاطئة لأطفالنا، فنعاقب الطفل إذا ما عاقبناه على السلوك الخاطئ لا على الرغبة.

-         أنّنا سنصبح أكثر تفهّماً لسلوك الطفل، وبالتالي فسنجد أنفسنا مفتوحين على خيارات أخرى غير العقاب المباشر، ولذلك فقد نكتفي بتنبيه الطفل، أو على الأقل تخفيض مستوى العقاب إلى أدنى ما ممكن.

-         سنكون بذلك التحكم في ردود أفعالنا وذلك التفهم لسلوك طفلنا مسهمين في الحفاظ على توازنه النفسي. فكلّ رغبات الطفل مشروعة وتعبيره عن تلك الرغبات أحياناً خاطئة.

د‌)     كلّ اضطرابات في سلوك الطفل مرده إلى اضطرابات في إشباع حاجاته التربوية:

لا يضطرب سلوك الطفل أبداً لأنّه قد انحرف، ولكن لأنّه يعاني من جوع فيما يخص حاجة من حاجاته التربوية والنفسية.

هذه القاعدة ينبغي أن تؤخذ باهتمام خاص، لأنّك عن طريق استيعابها والاقتناع بها فستوفر عليك جهداً جهيداً لا طائل منه في تعاملك مع طفلك: ذلك أنّه سيكون بإمكانك بدل أن تفكر في أنواع العقاب والزجر إذا ما لاحظت اضطراباً في سلوكه، أن تطرح على نفسك سؤالاً مباشراً: ما هي الحاجة التربوية التي فرطت في تغذيتها حتى اضطرب سلوك طفلي إلى هذا الحد؟

حينها ستجد الجواب بين يديك واضحاً، بل دعني أقول إنّك إن قمت بمعالجة سلوكه بتغذية حاجته فسيكون لفعلك ذاك أثر سريع وفعّال ترى نتائجه ولو بعد حين.

فقد يقوم ابنك بتكسير ألعابه وأشيائه مثلاً ويضرب أقرانه، وقد تعاقبه دون جدوى، بل قد يزداد عدوانية. ولكنّك لو أدركت أنّه يعاني بكلّ بساطة من ضيق مجال تحركه ولعبه أو من شعور بإهماله حينما اهتممت بالضيوف ولم تحدثه أو تأخذه بين يديك كما تفعل دائماً، لو أدركت ذلك لعملك على تغذية حاجة تحقيق ذاته: بأن توسع له مجال حركته أو ترفع من معنوياته بمزيد من الاهتمام، حينها ستختفي بسهولة ويسر كلّ مظاهر العدوانية لديه.

وقد يعاني من شدة الخوف مثلاً، فيصبح مزعجاً جدّاً، لا يخطو خطوة إلّا إن كنت مرافقه وتمسك بيده.. ومن أغرب ما عرفت أنّ آباء يشبعون أبناءهم ضرباً لمجرد أنّهم يخافون من الظلام، ولا تكون النتيجة في الأخير إلّا أن تتعمق لدى الطفل المسكين مشاعر فقدان الأمن.. في حين أنّك لو علمت أنّه يعاني من شعور عميق بفقدان الأمن إما نتيجة مسلسلات العنف التي يدمن على مشاهدتها ضمن حصة الرسوم المتحركة، أو لشحك في ضمه والاهتمام به ورعايته، أو لمبالغتك من مراقبته.

لو أدركت ذلك لعملت على تغذية حاجة الأمن لديه: بأن تنتقي معه ما يشاهد وتهتم بضمه والحنوّ عليه ولا تبالغ في مراقبته ومساعدته فكلّ اضطراب في تغذية حاجة الطفل يؤدي إلى اضطراب في سلوكه.

 

خلاصة:

إنّ استمرار التوتر بيننا وبين أطفالنا، سيشعرهم أنّنا قاصرون على الفهم السليم لكيانهم ولعالمهم ولدوافعهم، الأمر الذي سيحدو بهم تدريجياً إلى نزع ثقتهم منّا، والانزواء في عالمهم الخاص، ليقدموا لنا مع بداية مرحلة مراهقتهم الفاتورة الإجمالية لعلاقتنا بهم، مكتوب عليها:

أنا لا أثق بكم.

فلنحذر ذلك الموقف وباستحضارك المفاتيح السبعة التي بين يديك الآن، ستكون قادراً – بإذن الله – أن تتفهم طفلك على وجه أصح، وبالتالي ستكون قادراً على اختيار رد الفعل الصحيح تجاه أفعاله، لتتجاوز قدراً كبيراً من أسباب التوتر الذي لا مبرر له بينك وبين طفلك، ولتدعم الثقة المتبادلة بينك وبينه.

 

الكاتبة: أ. فاطمة محمّد

المصدر: كتاب الأمن التربوي للطفل في الإسلام

ارسال التعليق

Top