• ٢١ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

انتصار القيم والأخلاق

عمار كاظم

انتصار القيم والأخلاق

نعم إن الحسين عليه السلام إنتصر؛ لأنه انسجم مع ذاته ومبادئه، ولم يتنازل عن قيمه وأخلاقه، ولم يتقاعس عن القيام بواجبه، ولم يرض لنفسه حياة الذل والهوان، وقد قالها عليه السلام: «موت في عز خير من حياة في ذل». وأنشأ يقول:

الموت أولى من ركوب العار

والعار أولى من دخول النار

إن الحسين عليه السلام انتصر بانتصار المبادئ الإسلامية، وبقاء شعلة الدين حية، وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعاليمه حاضرة وفاعلة، وقد أشار إلى هذا المعنى إمامنا زين العابدين عليه السلام عندما ورد المدينة المنورة بعد أحداث كربلاء، فقد استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله وقال له: يا علي بن الحسين، من غلب ؟ وهو مغطى رأسه، وهو في المحمل، فقال: فقال له علي بن الحسين: «إذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة فأذن، ثم أقم «. وهذا هو الذي جعل الإمام الحسين عليه السلام يطلق على نهضته صفة الفتح ؛ لأن النهضة التي تحمل هذه المعاني وتهدف إلى تجديد حيوية الدين وفاعليته في النفوس، وتفضح كل أشكال الزيف والتضليل، وتزلزل عروش الظالمين، وتغدو مثلا أعلى لكل الثوار والأحرار تشكل فتحا مبينا، قال عليه السلام: فيما روي عنه من كتابه إلى أخيه محمد بن الحنفية وقد كتبه إليه وهو في مكة: «بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم، أما بعد....... فإن من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام». لقد رأينا الحسين عليه السلام يوم عاشوراء رغم الجراح وألآلام والتعب والنصب والجوع والعطش يعيش حالة من الفرح الروحي لا نظير لها، يسقط أمامه الشهيد تلو الشهيد من أنصاره وإخوانه وأبنائه فلا يزيده ذلك إلا إصرارا وعزيمة وإيمانا ويقينا، وكلما اشتدت عليه الخطوب ونالت منه الرماح والسيوف وأطبقت عليه الرجال والخيول كان يزداد توهجا وإشراقا ويتلألأ وجهه نورا، كما وصفه بعض خصومه». وهكذا نجد أن الفرح الروحي ينسحب على كل أصحاب الحسين عليه السلام الذين إستقبلوا الموت بصدور عارية ونفوس مطمئنة وإخلاص وشهامة قل نظيرها.

وإن مشهد زينب عليها السلام بعد مصرع الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وهي تشق صفوف الجيش الأموي المحتشد والذي كان يترقب منها البكاء والعويل، وإذا بها تفاجئ الجموع عندما تضع يدها تحت جسده الطاهر وهو جثة بغير رأس ثم تقول: «اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان»، إن هذا المشهد الملحمي البطولي خير دليل على أن زينب هي المنتصرة على عمر بن سعد وجيشه، وأن الحسين عليه السلام هو المنتصر على يزيد وأزلامه، فالنصر يخرج من رحم المعاناة والجراح، والهزيمة هي انهزام الذات وانحدار القيم.

ارسال التعليق

Top