• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

بين الخَوف والرَّجاء

الشيخ نعيم قاسم

بين الخَوف والرَّجاء

◄قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) (الزّمر/ 9).

 

المفتاح:

الخَوفُ من العذاب وقايةٌ من المعاصي، والرجاءُ بالله تعالى أملٌ بالنجاح والفوز، فإذا اجتمع الخوف والرجاء توازن الإنسان في نفسه وأعماله، واطمأن في دنياه وآخرته.

(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا): القنوتُ أقصى العبادة والطاعة لله تعالى، فيه الرجاء والسؤال بقلبٍ متلهفٍ إلى الله تعالى، والقنوتُ في الصلاة حالةُ دعاءٍ لله تعالى، آناء الليل: في أوقات الليل، والناس نيام، حيث يكون المؤمن بين حالتين: يَحْذَرُ الآخرة، ويرجو رحمة ربه.

"يَحْذَرُ الآخِرَةَ" خوفاً من العذاب، ما يساعده على تهذيب نفسه وتحصينها في مواجهة الشيطان ووسوساته، ومراكمة عبادته التي ينتج عنها ويتبعها العمل الصالح، فخوفه من العقاب يمنعه من المعصية ويدفعه إلى مزيد من العبادة والطاعة.

في الوقت نفسه: (وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، فلا يتَّكِل على عبادته فقط، ولا يعتمد على عمله فقط، ولا يعتبر أنّ ما قام به كافٍ عند الله تعالى، إذ ربما كانت عبادتُه ضعيفةَ الأثر وأداؤه مشوباً بالنقص، أو إذا جمع الله تعالى حسناتِه وسيئاتِه، غلبتْ سيئاته حسناته، فهو يرجو رحمة الله تعالى، والتي تتضمن أيضاً شفاعة محمّد وآل محمّد (ص)، أملاً بالنجاة يوم القيامة.

العابد لله تعالى في جوف الليل المظلم، في حال القنوت والعبادة والركوع والسجود والطاعة لله تعالى، بين الخوف والرجاء، يَحْذَرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه، قد اختار طريق النجاة، في مقابل الكثيرين من الناس الذين لا يعلمون هذه الحقيقة ولا يتَّبعونها، فهم جهلة خاسرون، ولذا: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ).

العابدون هم أصحاب العقول الذين فكّروا وأدركوا أنّ الخلق كلّه لله تعالى، وأنّ الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، حيث يكون الجزاء، فهل يستوي هؤلاء مع الذين لا يعلمون؟ وهل يستوي أولئك الذين يوازنون بين الخوف والرجاء مع أولئك الذين لا يعيشون الخوف ولا الرجاء بشكل صحيح؟

الخيار الصحيح أن نعمل لنكون بين الخوف والرجاء، الخوف من عقاب الله تعالى، والرجاء لرحمته، ما يُحدِثُ توازناً حقيقياً داخل نفوسنا، ويوجِّه سلوكنا وأعمالنا بما يحميها من الانزلاق إلى المعاصي.

قال رسول الله (ص): "لو تعلمون قدر رحمة الله لاتَّكلتُم عليها وما عملتُم إلّا قليلاً، ولو تعلمون قدر غضب الله لظننتُم بأنْ لا تنجوا"، فسعةُ رحمةِ الله تعالى تستوعب قليلَ العمل لتعوِّض نقصه، لكنّ خطر هذا الإتكال قد يدفع إلى الاستهتار وارتكاب المعاصي والتقصير في الطاعات، فيوازنه لحذرُ من الغضب الإلهي الذي يخشى المؤمن عدم النجاة منه، ما يدفع إلى بذل الجهد وعدم الاستهتار، أملاً بالمغفرة.

لا يقتصر الغفران على أنواع معينة من المعاصي، بل على عدم تراكمها وعدم الإصرار عليها، ففي الحديث الشريف: "لا كبيرةَ مع الاستغفار، ولا صغيرةَ مع الإصرار". فلو ارتكب الإنسان الكبائر، ثمّ تاب إلى الله تعالى، فالله تعالى يغفر له. ولكن لو ارتكب الصغائر مراراً وتكراراً، فآذى أخاه المؤمن بأذيةٍ تلو أخرى، وأضرَّه بعملٍ تلو الآخَر.. وتهاون بالصلاة أو أدّاها بشكل غير صحيح مرات ومرات.. فهو يصرُّ على المعصية، ما يحرمه من رحمة الله تعالى الواسعة، الذي يغضب لتكرار المعاصي الفساد والإصرار على الفساد.

قال الإمام الصادق (ع): "يَنبغي للمؤمن أن يخافَ الله تبارك وتعالى خَوْفاً كأنّه مُشْرِفٌ على النّار، ويَرْجُوَه رَجاءً كأنّه من أهلِ الجَنّةِ"، الخوف يمنعنا عن المعاصي، والرجاء يؤملنا بالتوبة والغفران، ما يوازن حياتنا النفسية والعبادية والشخصية والعملية، ويجعلها مستقرة.

 

1-   الخوف من العذاب:

للخوف من عذاب الله تعالى مهمة ونتائج، فالمهمة هي الردع عن المعاصي، والنتائج كثيرة لا تُحصى ولا تُعد. ففي الحديث الشريف: "رأس الحكمة مخافة الله"، فالخوف من عذاب الله وحسابه، يرتقي بالمؤمن إلى أعلى درجات الحذر، فيجتنب المعاصي، ويتخفَّف من الذنوب، وينقشع أمامه نور الهداية، فتُصبح تصرفاتُه محسوبةً بدقّة، ما يوصله إلى رأس الحكمة. الحسابُ دقيقٌ، لا يتركُ صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها، ولكلِّ سؤالٍ يوم القيامة عن أعمال الدنيا إجابتُه الصحيحة التي لا مواربة ولا كذب فيها، فماذا يفعل مع الاعتراف يوم الحساب؟ يقول في دعاء الحزين: (فإنْ قُلْتُ: نَعَمْ، فأينَ المَهرَبُ مِن عدلِكَ؟ وإن قُلْتُ: لَم أفعَلْ، قُلْتَ: ألَمْ أكُنْ الشَّاهد عليكَ؟". الشهادةُ على الأعمال حاضرةٌ بأدلتها الحسية المباشرة: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النّور/ 24)، فالجوارحُ شاهدةٌ على الأعمال، حيث تظهر الصورةُ من أفعال اليد والرجل والسمع والبصر، عليك أن تنتبه، لأنّك مراقب من الله تعالى، وتحمل شهودك معك.

 

2-   الرجاء بالنجاة:

وللرجاء بالله تعالى مهمة ونتائج، فالمهمة هي الأمل بالنجاة بالتوبة في أي وقت ومهما كانت الذنوب، والنتائج كثيرة لا تُحصى ولا تُعد. عن أمير المؤمنين عليّ (ع): "أعظم البلاء انقطاع الرجاء". فمثلاً: عمرك الآن ثلاثون سنة، وقد ارتكبت المحرمات وشربت الخمر وقمت بالمنكرات... فإذا تُبتَ إلى الله توبة نصوحاً من هذه اللحظة، راجياً أن يغفر الله تعالى لك، يغفر لك ولو كانت ذنوبك بقدر الجبال. فإذا لم يمضِ وقتٌ طويل على التزامك وطاعتك لله تعالى، فمتَّ وأنت صادقٌ في هذه الطريق، بحيث لا تتراجع لو أطال الله تعالى عمرك، فستدخل الجنة إن شاء الله تعالى، بشفاعة محمّد (ص) وآل محمّد – عليم السلام –، وبحرمته الواسعة التي وسعت كلَّ شيء.

أما من لا يرجو رحمة الله تعالى وغفرانه، وهو مثقلٌ بالمعاصي التي تودي به إلى الهاوية، فسيكون يائساً من التعويض عما مضى، ولا يجد فائدة من التوبة، فيستمر بارتكاب المعاصي التي تزداد يوماً بعد يوم. فعدم الرجاء مهلكة وقطعٌ للطريق أمام التوبة.

يصل الرجاء إلى درجة تفوق التوقعات، تثبتها بعض الأحداث، فعن أمير المؤمنين (ع): "كُن لِمَا لا تَرْجُو أرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، فإنَّ موسَى بْنَ عِمْرانَ (ع) خَرَجَ يَقْتَبِسُ لأهْلِه ناراً فكَلَّمَه الله عزّ وجلّ ورجع نبيّاً مُرْسَلاً، وخرجتْ ملكَةُ سَبَأٍ فأسلَمَتْ مع سليمانَ (ع)، وخَرَجَتْ سَحَرَةُ فرعونَ يطلُبُون العِزَّ لفرعونَ فرَجَعُوا مُؤمنينَ"، فلا حدود للرجاء، ولا يمكن مقارنة طلب النبيّ موسى (ع) للنار بما رجع به، حيث كلَّمه الله تعالى وأصبح نبيّاً، ولا ما جرى مع ملكة سبأ التي خرجت إلى سليمان (ع) وهي كارة تُريد مواجهته فأسلمت، في نتيجةٍ مغايرة لتوقعاتها، واجتمع سحرة فرعون لمبارزة النبيّ موسى (ع) وإسقاط حجته وهم يتأملون الجوائز من فرعون، فبهرهم موسى (ع) بالمعجزة، فأصبحوا مؤمنين.

 

3-  التوازن بين الخوف والرجاء:

يُحدث الخوف والرجاء توازناً داخل النفس الإنسانية، فتعتدل خياراتها وتستقيم، وهما من صفات المؤمنين: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة/ 16).

يخشى العلماء الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر/ 28)، لأنّهم يعرفون معنى غضبه، ومعنى الحساب أمامه جلّ وعلا، لذا ينتبهون. ولكن في الوقت نفسه، لا مجال لليأس من رحمة الله، (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف/ 87).

يروي الإمام الصادق (ع) عن أبيه الإمام الباقر (ع): "لَيْسَ من عَبْدٍ مؤمن إلّا وفي قلبه نُورَان: نُورُ خِيفَةٍ، ونورُ رَجاءٍ، لو وُزِنَ هذا لَم يَزِدْ على هذا، ولو وُزِنَ هذا لَمْ يَزِدْ على هذا"، فالتوازن قائمٌ بين النورين الموجودين داخل قلب المؤمن، لا يزداد خوفه، فلا يُصاب بالهلع ولا يخشى عدم غفران الله له، ولا يزداد رجاؤه، فلا يتهاون بالواجب ولا يستسهل المعصية، فهو متوازن بين الخوف والرجاء.

نقل الإمام الصادق (ع) عن لقمان الحكيم في وصيته لولده وهو يعظه: "خَفِ الله عزّ وجلّ خيفَةً لو جئتَه ببرِّ الثَّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ، وارْجُ الله رجاءً لو جئْتَه بذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ".

روي عن عبدالله بن جندب من أصحاب الإمام الصادق (ع)، أنّه طلب من الإمام الصادق (ع) أن يوصيه وصية، فقال له: "يا بن جندب! يهلك المتَّكِلُ على عمله، ولا ينجو المجترئُ على الذنوب الواثق برحمة الله. قال: فمن ينجو؟ قال: الذين هم بين الرَّجاء والخوف".

قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: "وعزَّتي وجلالي، لا أجمعُ على عبدي خوفين ولا أجمعُ له أمنين، فإذا أمنني في الدنيا أخفتُه يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنتُه يوم القيامة". من مستلزمات الأمن في الدنيا أن يطمئن العبد، فلا يراقب نفسه، ولا يعتبرها معرَّضةً لحساب دقيق، ما يجعله مستخفّاً بارتكاب المعاصي. ومن مستلزمات الأمن في الآخرة، أن يحرص للحصول عليه، ما يُرتِّبُ مراقبةً دقيقة لأعماله الدنيوية، فيتجنب ارتكاب المعاصي. لا يمكن الجمع بين الأمنين، لأنّ اتجاهيهما متعارضان، والخيار الأفضل هو أمن الآخرة، بالعمل الصالح في الدنيا: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصّلت/ 30).

احرص على أن يكون رجاؤك وأمَلُكَ كبيراً برحمة الله تعالى فتنجو، قال رسول الله (ص): "الأملُ رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما رضَّعتْ والدةٌ ولدها، ولا غرسَ غارسٌ شجراً"، وأن يكون خوفك رادعاً عن ارتكاب المعاصي لتتجاوز امتحان الدنيا بنجاح، فعن أمير المؤمنين (ع): "الخوفُ سجنُ النَّفس عن الذنوب ورادعُها عن المعاصي".

بين الخوف والرجاء نربح الدنيا والآخرة، فنعيش سعداء في الدنيا بطاعة الله تعالى وبتوازنٍ نفسي، ونحقِّق الراحة الأبدية في جنة الخلد في الآخرة، محاطةً بعطاء الله تعالى ورحمته. ►

 

المصدر: كتاب مفاتيح السعادة

ارسال التعليق

Top