• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

تعليم الطفل وضع الأهداف وتحقيقها

تعليم الطفل وضع الأهداف وتحقيقها

كلّ أمّ تشعر بالإحباط عندما لا يبذل طفلها الجهد الكافي لتحقيق شيء تكون متأكدة تماماً أن في استطاعته تحقيقه. حتى تغرز الأُم في ذهن طفلها فكرة أن في إمكانه فعل الكثير، عليها أن تساعده على تعلم كيف يضع الأهداف ويسعى إلى تحقيقها خطوة بخطوة.

إنّ وضع الأهداف والتوصل إلى معرفة المهارات لتحقيقها، هما من المهارات المهمة في الحياة. إنّ تعليم الطفل الأهداف في سن مبكرة يساعده على بناء الحوافز وعلى تعزيز ثقته بنفسه وعلى مواجهة التحديات الكبرى بأسلوب منهجي هادئ في المستقبل. إضافة إلى ذلك، إذا اعتاد الطفل الصغير وضع الأهداف ولمس نتائج تحقيقها، فسيستمر في اعتماد هذه القاعدة عندما يصبح شاباً. لذا، فإن واجب الأُم تعليم طفلها قيمة وضع الأهداف حتى يصبح قادراً على تحمل مسؤولياته عندما يكبر ويواجه الحياة وحيداً. إنّ تعلم الطفل كيفية التعامل مع العوائق التي تعترض طريق تحقيق الهدف، يساعده أيضاً على تطوير مهارات التعامل مع القلق والتحديات، وهي مهارات تدوم طويلاً.

إذا كان لدى الطفل هدف يعمل من أجله، فهذا يوفر له الشعور بقيمة الحياة وبقيمة الهدف الذي يسعى إليه. من غير الضروري أن يكون هدف الطفل الصغير كبيراً جدّاً حتى يكون مفيداً. إنّ هدفاً بسيطاً مثل توفير المال لشراء شيء يرغب فيه الطفل أو للذهاب في رحلة مع أنداده، يعتبر كافياً بالنسبة إلى طفل صغير. المهم أن يبدأ في وضع الأهداف البسيطة ثمّ ينتقل إلى أهداف أكبر بعدما يتمكّن من إنجاز ما سعى إليه بنجاح.

أمر طبيعي أن يشعر الإنسان بسعادة غامرة إذا نجح في إنجاز عمل بذل جهداً في إنجازه. بالنسبة إلى الطفل، إنّ الإحساس بالإنجاز هو الذي يبني ثقته بنفسه واعتزازه بها ويقوّيه، سواء أكان هذا الإنجاز تمكّنه من ربط حذائه أو كتابة اسمه أو ركوب دراجته... إلخ. من ناحية أخرى، يعود شعور معظم الأطفال بالشقاء إلى حقيقة عدم وضعهم أهدافاً في حياتهم إطلاقاً. لأن حياتهم مبنية على رد الفعل لا على الإبداع. والحياة في نظرهم هي ما يحصل لهم وليست فعل ما يختارون.

عند تعليم الطفل وضع الأهداف، على الأُم أن تناقشه لتعرف منه الهدف الذي يريد تحقيقه، ولتعرف ما إذا كانت أهدافه واقعية وقابلة للإنجاز. إن أفضل الأهداف هي تلك التي تنبع من الداخل، أي من القلب. ثمّ إن على الأُم مساعدة الطفل على وضع الخطوات اللازمة للوصول إلى الهدف. وبعدها عليها تجزئة الهدف إلى خطوات صغيرة سهلة التطبيق. وحتى لا يفاجأ الطفل أو يصاب بالإحباط أثناء العمل على هدف ما، على الأُم أن تطلعه على المعوقات التي يمكن أن تنشأ وكيفية التغلب عليها. أخيراً، عليها أن تطلب من طفلها تحديد وقت إنهاء العمل والوصول إلى الهدف.

 

أهمية وضع الأهداف:

إنّ وضع الأهداف مهم لأنّه يساعد الطفل على معرفة ماذا يريد أن يفعل، والهدف من وراء فعله، وما يعني له. ويحفز الطفل ويوفر له الفرصة للانكباب على العمل إلى أن ينجزه بنجاح. إنّه يعزز قدرات الطفل إلى درجة تمكّنه من معرفة حدودها. مثلاً، إذا دخل طفل في منافسة جري مع عدد من الأطفال وتمكّن من الفوز على البعض منهم فقط، فسيكتشف أنّ هناك من هو أفضل منه فيسعى إلى تحسين قدراته وتحقيق هدفه.

إذا كان أي شخص لا يملك هدفاً في الحياة، فسيبدو كمن ينفق حياته وهو ينتقل من مكان إلى مكان من دون أن يحقق شيئاً لنفسه. وعلى الرغم من تصوره أنّه أنجز الكثير، لكن ما قام به لم يكن ما رغب فيه فعلياً. فهو حقاً كان مشغولاً، لكن بتحقيق أهداف الآخرين. لذا، إذا لم يتعلم الطفل في سن مبكرة وضع أهداف محددة، فإنّه لن يعرف ما يريد من الحياة، ولن يتمكن من تحقيق أحلامه إذا لم تكن لديه صورة واضحة عن النتيجة التي يرغب في الحصول عليها.

إنّ وضع الأهداف يعطي الطفل صورة واضحة عن أحلامه القصوى. فتحديد الأهداف يشجع الطفل على بلورة الأحلام التي تتردد في ذهنه. وهي تضمن تقنين وقته وطاقته وجهوده في القيام بأشياء تهمه فعلاً. إنّ وضع الأهداف يجعل الطفل يدرك الحياة بشكل أفضل. فالأطفال تمثل الرغبات، والرغبات تشكل الحافز الحقيقي الذي يدفع الطفل إلى العمل بجد. إنّ تحديد الهدف يعتبر الوقود الذي يساعد على التقدم حتى عندما يصبح التقدم صعباً. إذا فقد الطفل الحافز، ففي إمكانه إذا ركز على أهدافه المهمة أن يستعيد قدرته والعودة إلى العمل بأقصى طاقته إلى أن يصل إلى هدفه. إنّ تعليم الطفل وضع الأهداف، يجعله مسؤولاً. فبدلاً من أن يمضي جل وقته في الحديث عما يريد أن يفعل ولا يفعل شيئاً، يلزمه تحديد الهدف والشروع في العمل. إنّ الالتزام بتحمل المسؤولية يعنى الالتزام بتحقيق الأهداف.

 

استراتيجيات:

كيف تساعد الأُم طفلها على وضع الأهداف؟ قد يكون من الصعب على الطفل أحياناً الوصول إلى هدفه لأنّه لم يتعلم أبداً تحديد ما يريد والسعي من أجله واتخاذ الخطوات الضرورية للوصول إليه. فإذا بدأت الأُم في تعليم طفلها في سن مبكرة أهمية تحديد هدفه والإعلان عما يريد بشكل صريح ومحدد، يستطيع تحقيق الكثير من أهدافه والسعي إلى تحقيق المزيد منها عندما يصبح شاباً.

تستطيع الأُم الاستعانة بالاستراتيجيات التالية لتعليم طفلها قوة الهدف ليتعلم كيف يعمل لتحقيقه.

·      ترك المجال للطفل لتحديد هدفه: على الأُم أن تترك طفلها يقرر أهدافه بنفسه لا أن تحددها له وتطلب منه العمل عليها، لأنّه إذا كان الهدف الذي يعمل الطفل عليه من اختياره هو متحمساً له، تزداد كثيراً فرص النجاح في تحقيقه. بالطبع، تستطيع الأُم دائماً توجيه طفلها في اختياراته لأهدافه من دون أن تتدخل في تحديدها. مثلاً، أن تناقشه في ما يسعى إليه، أن تطرح عليه أسئلة حول المهارة الجديدة التي يرغب في تعلمها أو الموضوع الذي يحب أن يعمل عليه أكثر من غيره، أو المادة التي يحب أن يتخصص فيها... إلخ.

·      وضع الأهداف: إذا كان الطفل قد تجاوز سن العاشرة، على الأُم أن توجهه لوضع أهداف تحتاج إلى جهد وتفكير لتحقيقها، حتى لا يبقى عالقاً بشيء لا يتناسب وقدراته وذكائه. لذا، على الأُم أن تطلب من طفلها أن يسجل على دفتر ملاحظاته الأشياء التي يريد تحقيقها خلال الشهر، أو خلال الإجازة الصيفية أو خلال السنة. ثمّ عليها أن تخصص وقتاً لتناقشه بما أنجز.

·      وضع أهداف واقعية: تستطيع الأُم توجيه طفلها في وضع أهدافه بغض النظر عن عمره. عليها أن تعلمه وضع أهداف تتناسب مع عمره ومهاراته، وأن تكون أهدافه بسيطة وواقعية في البداية، إذ إنّ من غير الضروري أن تشكل تحدياً كبيراً للطفل حتى يستطيع النجاح في تحقيقها في فترة أسابيع قليلة كأقصى حد، لأنّ النجاح يحفزه على الاستمرار في السعي وراء المزيد من الأهداف التي يرغب في تحقيقها.

·      على الأُم أن تكون الموجّه لطفلها: على الأُم أن تبدي حماسة للأهداف التي يضعها طفلها. فالحماسة تعدٍّ والنشاط يلهم الطفل لبذل أقصى ما يستطيع من جهد لتحقيق الهدف. قد يأتي وقت يفقد فيه الطفل الزخم أو يصادف معوقات. على الأُم أن تكون إلى جانبه وتوجهه عندما لا تسير الأمور بحسب الخطة التي وضعها.

·      تطوير الخطة: عندما ينتهي الطفل من وضع الهدف يجب أن تعلمه الأُم وضع خطة لتحقيقه. فهدف من دون خطة، هو مجرد أمنية. إن وضع خطة واتباعها خطوة خطوة هو الذي يجعل الهدف واقعاً وليس مجرد حلم.

·      تسجيل انتصارات الطفل: يجب تسجيل كلّ نجاح يحققه الطفل مهما كان صغيراً حتى يرى تقدمه نحو تحقيق الهدف. تستطيع الأُم الاستعانة بهذا الشأن ببطاقات صغيرة. فالبطاقة تذكر الطفل بالهدف وبالخطوات التي تم إنجازها والأخرى المتبقية للوصول إليه. وعندما يرى الطفل البطاقة يتذكر نجاحه.

·      تحديد الوقت لإنجاز العمل: معظمنا يماطل ويؤجل العمل على شيء ما. ولكن إذا حدد وقت إنجاز العمل والوصول إلى الهدف، يقل احتمال المماطلة أو التأجيل. الأهداف أحلام مكتوبة. لذا فإن تحديد وقت إنجازها يساعد على تحويلها إلى حقيقة.

·      مكافأة بلوغ الهدف وتوفير الحافز: إنّ النجاح في حد ذاته هو في الغالب أعظم جائزة، ولكن لابدّ أحياناً من توفير المزيد من الحوافز. تستطيع الأُم مكافأة طفلها بطرق عدة منها معانقته وضمه إلى صدرها، شراء شيء يحبه، السماح له بمشاهدة التلفزيون أو اللعب بالـ"بلاي ستيشن"... إلخ. مثلاً، يمكن أن يجيد الطفل لعب كرة السلة لكنه لا يستطيع تسجيل نقاط، ولكن بعد مكافأته يصبح في إمكانه تسجيل النقاط.

·      عدم محاولة ثني الطفل عن أي هدف: مهما كان الهدف الذي يسعى الطفل إلى تحقيقه، يجب عدم محاولة ثنيه عنه. بعض الأطفال يتطلعون إلى تحقيق أهداف كبيرة لا تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم. فإذا كان الهدف الذي اختاره الطفل كبيراً، عليها أن تناقشه بما يستلزم تنفيذه من جهد ووقت. فالطفل لا يدرك غالباً صوبة تنفيذ هدف كبير.

إذا اقتنع الطفل بإعادة النظر في هدفه الكبير، على الأُم أن تساعده على وضع مشابه له ولكن أصغر منه. مثلاً، إذا كان هدفه شراء معاطف لكل الأطفال الذين لا يملكون معطفاً في صفه، يمكنها أن تقنعه بشراء معطف لطفل هو في حاجة ماسة له وأن يتبرع بجزء من ثيابه للأطفال الآخرين. أما إذا تمسك الطفل بأهدافه الكبيرة، فعلى الأُم أن تجزئها حتى يتمكّن من العمل على جزء منها في كل مرة. إن عمل قائمة بالأهداف الصغيرة ومراجعة ما أنجز منها يساعد الطفل على ملاحظة التقدم الذي أحرزه، وبالتالي السعي إلى إنجاز ما تبقى لديه.

إنّ تعليم الطفل وضع الأهداف والسعي إلى تحقيقها يمكّنه من تعلم معنى النجاح، كما يساعده على تعلم أن في إمكانه أن يتماسك ويحاول مرة ثانية في حال فشل في التجربة الأولى. أمر عظيم أن تكون لدى الطفل أحلام لكن الأهم تحقيقها.

ارسال التعليق

Top