• ٢٢ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٥ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

تنظيم الحياة الاجتماعية المشتركة

د. محمود البُستاني

تنظيم الحياة الاجتماعية المشتركة

◄إنّ الأفعال الاجتماعية، تجسد آليات السلوك الاجتماعي، وهي التي تتمّ من خلال علاقات محددة بين أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو مجتمعات.. إلخ، أي: إنها تتم من خلال (وحدات) اجتماعية تأخذ نمطاً من "التنظيم" الخاص لكل منها. وهذا التنظيم للوحدات الاجتماعية يأخذ واحداً من الأشكال الآتية:

-         هناك من الوحدات الاجتماعية ما تتميّز بحجم محدود (كالوحدة العائلية) التي تتألف من الزوجين وذريتهما، ومثل (جماعة الأقارب) و(الأصدقاء) إلخ.. ومع أن كلاً منها يتفاوت عن الآخر من حيث الحجم، إلا أنّها جميعاً تظل ذات حجم محدود بالقياس إلى وحدات اجتماعية واسعة من حيث حجمها مثل (موظفي الدولة) أو (الجمهور) أو (الأُمّة) مثلاً.

-         هناك وحدات اجتماعية تتميز، بالعلاقات المباشرة أي: (مواجهة بعضهم للآخر) كالأسرة والأصدقاء وموظفي الدائرة الخاصة، مقابل الوحدات الاجتماعية التي تنظّمها علاقات غير مباشرة كالجهاز الإداري العام، أو المواطنين.

-         هناك من الوحدات الاجتماعية ما تتميز بالثبات النسبي كالعائلة أو الأصدقاء مقابل الوحدات التي تتميز بالعلاقات الطارئة مثل الوحدة الدراسية... وهذا النمط ينشطر أيضاً إلى ما هو محدد بمرحلة زمنية وإلى ما هو مؤقت كجماعة الصلاة أو التظاهرة.. وأخيراً إلى ما هو تجمّع دوري كجماعة الصلاة وإلى ما هو موقفي يتحدد وفقاً للظروف: كجماعة المستمعين إلى محاضرة أو خطبة.

-         هناك من الوحدات الاجتماعية ما تنتظم في مؤسسات رسمية أو أهلية تخضع لقوانين خاصة من السلوك مقابل الوحدات العادية التي لا تنظّمهم مبادئ محددة.

-         هناك من الوحدات الاجتماعية التي تضطلع بوظائف تتصل بالتربية والتعليم والاقتصاد والحكم.. إلخ. حيث تضمّ داخلها وحدات متنوعة تسهم جميعاً في صياغة النظم التربوية والسياسية، إلخ.

-         أخيراً، هناك وحدات اجتماعية مركّبة بحيث تشكّل هرماً تلتقي عنده الوحدات المذكورة، كالأُمّة والدولة أو المرجعية... فالمرجعية مثلاً تضمّ داخلها جميع الإسلاميين الذين يرتبطون بها من خلال التقليد والقضاء إلخ، والمؤسسة الحكومية تنتظم غالبية الوحدات الاجتماعية، مثلما تنتظم جميع الأفراد والجماعات المنتسبة إلى هذا الإقليم أو ذاك، وكذلك: الأُمّة، حيث تضم داخلها كل المنتسبين إليها أيديولوجيّاً أو لغويّاً.

المهم، أنّ هذه المستويات والأشكال والأحجام ووظائف كل منها، يتناولها علم الاجتماع من زوايا متنوعة، ويخضعها لتصنيفات اجتماعية مثل (المجتمع، الجماعة، الرابطة، المؤسسة، الطبقة، التنظيم، النظام، إلخ). وهي تصنيفات موروثة ومعاصرة تخضع لطبيعة الموقف الفكري الذي ينطلق منه عالم الاجتماع... ولكن ما يعنينا منها هو: طبيعة التصور الإسلامي لهذه التصنيفات، والنهج أو الطريقة التي يختطّها في هذا الجانب.

سلفاً، ينبغي أن نكرر الإشارة إلى أنّ التصور الإسلامي للعلاقات الاجتماعية يتميز عن التصور الأرضي بكونه يأخذ المهمة العبادية بنظر الاعتبار في تنظيمه لشتى العلاقات. وبما أنّ المهمة العبادية هي (مشروع) أو (اختبار)، وليس (جبرية اجتماعية) ملزمة بتحقيق ذلك: حينئذٍ، فإنّ هذا "المشروع" أو "الاختبار" أو "التجربة" تنعكس على الصياغة التنظيمية للعلاقات، وهي صياغة ترسم ما هو "ممكن" من الممارسة العبادية بغض النظر عن سعة أو صغر حجم العلاقات، وبغض النظر عن كثرة أو قلة الوحدات الاجتماعية، مما يترتب على ذلك أن يطرح الاجتماع الإسلامي أشكالاً من العلاقات التي لا يعنى بها البحث الأرضي بل يهملها تماماً أو يلقي بعض الإنارة عليها، أو لا يجد لها أهمية... بينا تمنح الوصيات الإسلامية أمثلة هذه العلاقات التي أهملها الأرضيّون: أهمية كبيرة نظراً لكونها في الصميم من المهمة العبادية، مادام المهم ليس هو أن نبحث عن ضخامة وتعقّد التنظيمات التي فرضتها طبيعة التغيّرات الثقافية والحضارية التي تسم العصر، بل المهم هو: ما تفرضه المهمة العبادية من مسائل تتوافق مع طبية المهمة المشار إليها.

ولعل أهم ما ينبغي طرحه هنا، هو: الطرح المتصل بتنظيم مختلف العلاقات في صعيد "البناء" العام لها أو صعيد البناء الخاص، وهذا ما نطرحه ضمن:

 

التناول البنائي والجزئي للعلاقات:

أرضيّاً: الملاحظ أنّ الاتجاهات المعاصرة تتناول العلاقات الاجتماعية من خلال ثلاثة محاور هي: "العلاقات البنائية" أي: دراسة الأبنية العامة للمجتمعات متمثلة في مؤسساتها الرسمية أو "العرفية"، و"العلاقات العضوية" أي: دراسة الظواهر الجزئية من خلال ربطها بالبناء العام، ودراستها منفصلة عن البناء المذكور... الاتجاه الأوّل يعنى بالبعد الأيديولوجي (اليسار منه بخاصة)، مركّزاً على المظهر السياسي للمجتمعات، لكن من خلال تأكيده للعلاقات الاقتصادية المنسجمة على المظهر المذكور: بالرغم من ذهابه – نظريّاً – إلى أنّ العلاقات الثقافية والسياسية وغيرهما تؤخذ جميعاً بنظر الاعتبار...

أما الاتجاه الثاني (العلاقات العضوية) فيشكّل طابعاً مشتركاً بين الاتجاه المحافظ والنقدي – بالرغم من التعارض القائم بينهما – فالمحافظون من خلال تأكيدهم على مفهومات التكامل والتوازن والثبات إلخ يربطون بين الأجزاء التي تنتظم في الكل الاجتماعي أي: التآزر الوظيفي بين المؤسسات والتنظيمات المدعمة بقيم ومعايير مشتركة، تصبّ في اتجاه موحّد...

أما الاتجاه الثالث (التناول الجزئي) فيشكل طابعاً تشترك من خلاله تيارات فرعية داخل كل من الاتجاه المحافظ والنقدي أيضاً (اليمين منه بطبيعة الحال)، حيث يتناول هذا الاتجاه ظاهرة العلاقات – في جانب من أبحاثه وليس جميعاً كما قلنا – من خلال ما هو جئي أو خاص دون ربطه بالبناء العام...

 

إسلاميّاً:

وفي تصورنا، أنّ أيّاً من هذه الاتجاهات يفرض مشروعيته حسب متطلبات الموقف العلمي والاجتماعي، وهو ما يطبع الاتجاه الإسلامي في تصوره للعلاقات. إنّ الإسلام بصفته هيكلاً فكريّاً يتناول الحياة الاجتماعية من خلال (الكل)، حينئذٍ فإن دراسة العلاقات أو الظواهر تأخذ مشروعيتها في التناول البنائي لها، فلا يمكن فصل العلاقات الاقتصادية فيه عن العلاقات الثقافية، ولا فصل الأخيرة عن العلاقات السياسية، وهكذا... كما إن تناول جزئية من العلاقات (مثل العائلة) أو ظاهرة جزئية (كالفقر مثلاً) لا يمكن فصلها عن الكل الاجتماعي، فالعلاقات (العائلية) المرتبطة بمفهوم التناسل البشري، أو العلاقات التوزيعية بين الأغنياء والفقراء، فضلاً عن أن أحدهما مرتبط بالآخر عضويّاً (لاحظ مفهوم "الرزق" المترتب على ظاهرة الزواج واستتباعها التناسل البشري، وعلاقته بـ"الفقر" أو "الإشباع" في حقل التركيب السكاني الذي عرضنا له سابقاً)، تظل مرتبطة بالهيكل الأيديولوجي في الإسلام وطريقة تنظيمه للعلاقات، فالتفكك العائلي الذي يطبع مجتمعات اليوم مثلاً (وهو أمر عرض له علماء الاجتماع) يظل مرتبطاً بالمؤسسة الثقافية العلمانية التي تزيّن للناس: تأخير الزواج، تحديد النسل، عدم تعدد الزوجات، تلقّف الحضانة للطفل، انفصال الذرية في مرحلة الرشد، حرية الطلاق للمرأة، الصداقة التمهيدية للزوجين، إلخ، هذه الظواهر المرتبطة بالمؤسسة (الأسرية) تظل ذات علاقة بالمؤسسة الثقافية التي تزين لها هذه المفهومات، وتظل ذات علاقة بالمؤسسة (الحكومية) التي تشرّع لها هذه القوانين وتهيئ لها إمكانات التنفيذ، وتظل ذات علاقة بالمؤسسة (الاقتصادية) التي لا تلتزم بمبدأ (سدّ الحاجة): حيث سنرى أنّ المشرّع الإسلامي يطالب الدولة بسد الحاجة المالية للأشخاص من خلال جعل جزء من الضرائب التي فرضها على الأغنياء (كالخمس مثلاً) للغرض المذكور، مضافاً إلى مطلق الضمان الذي يتكفّل به بيت المال.

فإذا تجاوزنا ظاهرة الفقر إلى أشكال (التفكك العائلي الأخرى) المشار إليه، لحظنا من جانب أنها بسبب من عدم الالتزام بمؤسسة الثقافة الإسلامية التي تطالب عكس ما لحظناه أرضيّاً، ولحظنا من جانب آخر أنها تنجم بسبب من عدم قيام (المؤسسة السياسية) التي تمارس عملية تنظيم للمؤسسات الاجتماعية الأخرى، ومنها (العائلة): فالانحراف الجنسي مثلاً، ينجم في شطر منه من تأخير الزواج وعدم تعدده، وعدم تنوعه (دائم، منقطع، ملك يمين)... والطلاق ينجم في شطر منه: بسبب من حرية إعطاء المرأة مثل هذا الحق، بسبب الصداقة التمهيدية وبسبب عدم إدراك كونه مكروهاً، إلخ، ... والانحرافات الاجتماعية الأخرى مثل: العدوان والسرقة والانتحار إلخ، ينجم في شطر منه بسبب من انفصال الذرية عن الأبوين، وانفصال الطفل عنهما، إلخ.

لكن ينبغي أن نضع في الاعتبار، أن تحقيق (التوازن الاجتماعي) في نطاقاته الجزئية والشاملة، يعتمد أساسين، أوّلهما: (الوعي الإسلامي) وثانيهما (الضبط الإسلامي)، فبقدر انتشار الوعي وبقدر فاعلية الضبط يتحقق التوازن النسبي والمطلق. فمشكلة الانحراف الجنسي مثلاً من الممكن أن تحلّ في حالة افتراضنا انتشار الوعي، وإلا فبواسطة (الضبط)، لكن ما دمنا نجد أنّ الأداة الحكومية الضابطة غير فاعلة حينئذٍ فإنّ الوظيفة العبادية تنحصر في ممارسات الواعين فحسب، ولذلك – وهذا ما كررناه – يظل (الأفراد) وليس (المجتمعات) هم المضطلعين بتحمل مسؤولياتهم الاجتماعية، مما يسوّغ لنا دراسة الظاهرة (جزئيّاً): كما لو درسنا أبعاد العلاقات الزواجية دون أن نربطها بالشرائح الاجتماعية الأخرى التي يتعذر تحققها إسلامياً، بل يقتادنا هذا الفهم الاجتماعي للعلاقات، إلى أن نركّز على (علاقات) تبدو – في نظر الاتجاه الأضي – عادية أو غير مقترنة بأهمية بنائية، أو... إلخ، ولكنها – في التصور الإسلامي – تحمل خطورة عبادية: مادام الأفاد (في حالة عدم تحقق المجتمعات الإسلامية) مسؤولين عما هو (ممكن) من الاجتماع.►

 

المصدر: كتاب الإسلام وعلم الاجتماع/ موسوعة الفكر الإسلامي (3)

ارسال التعليق

Top