• ١٦ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٤ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

ثلج آخر الشتاء

رابعة أبو دية

ثلج آخر الشتاء
 يوم ثلجي آخر... وأسطحة البيوت الطينية لقرية "المسيفرة" تئن تحت وطأة سبانخ البيض المتراكمة التي تهطل دون توقف منذ ثلاثة أيام. لماذا يصر الشتاء على أن يودع بمثل هذه الثلوج المتواترة الهطول؟ يوم ثلجي آخر، وأخته سلمى راقدة على الفراش القطني منذ أكثر من شهر وردة شتائية ذابلة على الرغم من أنها في شرخ الشباب. لمن يكن "أسعد" يتوقع في بداية الأمر أن تزداد وطأة المرض وأن يتفاقم على هذه الصورة، في البداية ظنوا أنّه نوع من أمراض البرد التي تأتي مع الشتاء مترافقة بحمى عابرة وسعال سرعان ما يزول مع بضع كئوس من الزهورات. وعندما اشتد المرض وازدادت نوبات السعال هرع إلى "أم مطير" يستنجد بخبرتها الطويلة في معالجة أهل القرية. وعبثا حاولت أمه أن تقنعه بأن أم مطير دجالة، والأعشاب التي تصفها للمريض تزيد حالته سوءاً بدل أن تكون سبباً في شفائه. ولهذا صاحت به: خذ أختك إلى مستوصف المنطقة، حالتها صعبة، ولكنه ركب رأسه وأصر على أن تعالجها أم مطير. - ماذا لدى أم مطير غير الأعشاب، أعطتها كمية من الزهورات البرية وهي تقول: ضعوها في الماء المغلي ولتشرب منها سبع كؤوس في اليوم وسلمى تشرب كؤوس الزهورات على ما فيها من مرارة، سبع وراء سبع، والمرض يزداد يومياً بعد يوم. - ويهرع أسعد كل يوم إلى طبيبة القرية، دخيلك يا أم مطير، سلمى حالتها بالويل. - ألا تسقونها كل يوم سبع كؤوس من الزهورات؟ - سقيناها سبعين ولم تتحسن حالها. - طول بالك، يجب أن يأخذ المرض حده، أين بقية الدراهم؟ ألم تعدني بأنك ستعطيني مئة ليرة أخرى غير المئة الأولى. - ليس لدي دراهم، سوف أجلب لك بعض العدس بدلاً من المئة ليرة. - وماذا أفعل بالعدس؟ لدي كيس عدس "صاغ" وكيس مجروش. - إذن. اصبري علي حتى يتوفر لدي بعض المال. - سأصبر ثلاثة أيام فقط، وبعدها أنت تعرف لساني. - نصحوني أنها أنقلها إلى المستوصف في مركز المنطقة، ما رأيك؟ - خذها إلى جهنم، أنتم تقتنعون بطباعة أم مطير. تذهبون إلى المنطقة وإلى المدينة وتدفعون مئات الليرات دون أن تحققوا أي فائدة ثم تعودون إليّ متضرعين: دخيلك يا أمر مطير. - ولكن المعاينة والمعالجة في مستوصف المنطقة بالمجان. - إذن اذهب إليه ولا أريد أن أرى وجهك بعد الآن، ارسل لي المائة ليرة مع أي شخص. عاد أسعد إلى البيت بصعوبة بعد أن تراكمت الثلوج في أزقة القرية وأصبح التجوال فيها نوعاً من المغامرة. وفي البيت كانت حال سلمى تزداد سوءاً وأمه تصرخ في وجهه: ماذا تنتظر يا أسعد؟ أختك تموت، خذها إلى المستوصف. - هل شربت الزهورات؟ - لم تعد تتحمل طعم هذه الزهورات المرة القاتلة. لعلها هي التي جعلت حالها تزداد سوءاً، لقد سقيتها مغلي الختمية. - ومن قال لك إن مغلي الختمية يفيد؟ - مغلي الختمية يهدئ السعال، وهو على كل حال أفضل من زهورات أم مطير، هيا حاول أن تأخذها إلى المستوصف. - ولكن الثلج يسد جميع الطرقات. - سمعت في الراديو أن طريق المنطقة سالك ولكن بصعوبة، اذهب إلى حسين الحمود لينقلكما إلى المستوصف بشاحنته. اندفع "سعد" بكل قواه يخترق الثلج الكثيف وقد امتلأت نفسه خوفاً وشفقة، انطلق مسرعاً وقد نسي أن يأخذ معطفه، سلك الطريق الشمالي المختصر المؤدي إلى محطة المحروقات، كانت الممرات قد تكاثفت فيها طبقات الثلج فوق بعضها البعض فبات عبورها صعباً. اتجه إلى محطة المحروقات حيث يمكن أن يجد حسين الحمود" الذي طالما تعود الجلوس هناك يدخن السجائر ويثرثر مع السائقين القادمين من المدينة والمتجهين إلى القرى المجاورة. في الخارج كانت ندف الثلج لا تزال تهطل بغزارة ويندفع من وقت لآخر هواء عاصف مندى يصول ويجول في سهول القرية وحقولها يسابق الندف ويدحرجها أمامه ثمّ يطيرها عالياً فوق قبب البيوت وأسطحتها على شكل زوابع بيضاء مجنونة ترتطم بجذوع الأشجار الضخمة التي تحيط بالقرية في الجهة القبلية ثم لا تلبث أن تغرق في الغابة الموحشة المجاورة. بدأت أطراف أسعد تتجمد ولونه يشحب ويميل إلى الزرقة برغم جميع محاولاته في مقاومة البرود. وفجأة شعر وكأن الدفء قد تسلل إلى داخله ليطرد اضطرابه حين لاحت له من بعيد، كانت كظلال أشباح هاربة تتراقص أمامه أما الآن فقد رأها من بعيد مطمورة تحت الثلج وكأنها نجمة تشع من مدخنتها المهشمة سحائب فضية تسبح في الفضاء الرمادي. دخل محطة المحروقات بعد أن أضناه التعب والإرهاق وتجمدت دماؤه وأحس بثقل قدميه وعجزهما عن حمله. - حمداً لله، حمداً لله خشيت ألا أجدك ياحسين. - ماذا هناك؟ - ازدادت حالة أختي سلمى سوءاً سوف تموت، يجب أن تنقلها إلى مستوصف المنطقة، قال هذا وأسنانه مازالت يصطك بعضها بالبعض الآخر وأطرافه ترتجف وعيناه تدمعان. في هذه اللحظة استدار خالد الصطوف، الذي كان مشغولاً بنفخ أحد الدواليف ورمقه بنظرة خبيثة من عينيه الغائرتين في كهف جبهته واللتين تنمان عن غباء باد وسأله مستغرباً: - مستوصف المنطقة؟ ومابها طبابة أم مطير؟ ياويلي منكم يا أبناء المسيفرة، أنتم كالقرع تمدون جذوركم إلى الخارج ودائماً تنسون نصائح الجدات. - أخذناها إلى أم مطير ولم ينفع معها أي دواء هي بحاجة إلى طبيب، والطبيب لا يوجد إلا في مستوصف المنطقة، هكذا قالت أمي. - طبابة أم مطير نفعت أجدادنا وآباءنا ونفعتنا أيضاً، اطلب إليها أن تغير لها العشبة وتعطيها عشبة محوجة تناسب علتها، في السنة الماضية مرضت أم ذنون فكررت لها الوصفات وهي الآن بألف خير، تعجن وتخبز مثل الحصان، طبابة أم مطير لا يعلى عليها وهي مبروكة أيضاً ولها أسرارها. - كررنا لها الوصفة عدة مرات ولم ينفع معها شيء. - وطبيب المستوصف لن ينفعها. - ربما ينفعها، سنحاول والشفاء بيد الله. - اذهب ولكنك ستعود إلى أم مطير. قطع حسين الحمود كلام خالد والتفت إلى أسعد: يجب أن تنقلها إلى مستوصف المنطقة، قفزت صورة سلمى إلى ذهن أسعد وهي ترجوه ليأخذها إلى المستوصف فالتمعت عيناه واحمر وجهه وحاول أن يتمالك أعصابه، وفي هذه اللحظة تعالى في الخارج هدير زوبعة أنهت دورتها وارتطمت بشدة بنوافذ المحطة فخفق جمر الموقد والتهب من جديد بعد أن كاد ينطفئ. - لا أستطيع أن أنتظر أكثر هل أنت ذاهب معي يا حسين؟ - نعم ولكن انتظرني قليلاً. دخل حسين الحمود وغاب في المستودع ووقف أسعد ملهوفاً، كان لديه ما يبرر لهفته التي يشوبها بعض اليأس فالحالة لا بصيص للنور فيها ولا فسحة للأمل الذي ينقذ تلك المسكينة من آلامها فقد طال مرضها وهي على فراشها القطني كشبح امرأة وقد ربطت رأسها الصغير بمنديل اخضر وعلامات الضعف والوهن تبدو عليها وهي تصارع مرضها وعيناها مشبوحتان إلى السماء تتضرع إلى الله أن يريحها من عذابها. مرت دقائق بدت كما لو أنها ساعة وحسين الحمود في الداخل وبعد قليل خرج يحمل جنازير حديدية. - أسرع يا أسعد ساعدني يجب أن نركبها على دواليب الشاحنة لتساعدنا على اختراق الثلج دون أن تنغرز في الأرض. خرجا مسرعين واتجها إلى الشاحنة. استغرق العمل أكثر من ساعة قبل أن يدور محرك الشاحنة ولكن كان الثلج قد غطى جزءاً من الدواليب لتدور معها الجنازير وهي تطحن كثافة الثلج. وكان أسعد يحدث نفسه: "أبشري ياسلمى.. سننقلك إلى المستوصف" وعند البيت ركن حسين السيارة ودخل أسعد ليخرج بعد قليل يحمل سلمى وتبعته أمه تحمل بيدها بطانية. وبعد رحلة مضنية استمرت أكثر من ثلاث ساعات وصلوا إلى المستوصف ولم يكن ثمة أحد، نادى أسعد بصوت مخنوق وكرر نداءه ولم يجب أحد على ندائه على الرغم من أن باب المستوصف كان مفتوحاً. وكرر أسعد النداء بصوت عال فخرج ممرض من الغرفة التي في آخر الممر متثاقلاً يحمل بيده كوباً تفوح منه رائحة الشاي الأخصر وتتصاعد منه الأبخرة وقد ارتدى مريولاً أبيض نظيفاً، أين منه رداء أم مطير الرمادي الذي يوحي بالشؤم! - خير ماذا تريدون. - أختي مريضة وهي بحاجة لعلاج. - ما مرضها؟ - إنها تسعل سعالاً شديداً، منذ شهر. - لماذا لم تحضروها من قبل؟ لماذا انتظرتم إلى هذا الوقت؟ يبدو أن حالتها سيئة هيا أجلسها على الكرسي ودعها ترتاح. قال ذلك وأخذ رشفة من كوب الشاي بعد أن أسند جثته الضخمة على الحائط فسأله أسعد: - أنت الطبيب؟ - لا.. الطبيب في المدينة، لم يستطع المجيء بسبب الثلوج، الطرق مقطوعة. - وما العمل؟ - والله يا أخي لا أستطيع أن أخدمك في شيء فأنا هنا لست سوى ممرض تخدير ولا يحق لي أن أقوم بدور الطبيب. أنتم بحاجة إلى طبيب مختص وأنا لست طبيباً ولا مختصاً. لم أسألك: من أي القرن أنتم؟ - من المسيفرة. - كيف استطعتم الوصول من المسيفرة، إنها بعيدة. - الفضل للو للأخ حسين صاحب السيارة. يا أخي أرجوك أن تساعدنا اتصل بالطبيب في المدينة أريد أن أتحدث معه. لن نغادر المستوصف حتى يحضر. - لا تتعب نفسك، لن يحضر الطبيب، لا يستطيع الحضور، الطرق مقطوعة. - انظر إليها أليس في قلبك رحمة ولا شفقة؟ - لا تتعبني أرجوك، خذ مريضتك إلى القرية قبل أن يحل الظلام. - وماذا نفعل، هل نتركها تموت؟

- دادامت تعاني من السعال، عليكم بالزهورات.

المصدر: مجلة العربي/ العدد 485

ارسال التعليق

Top