• ٣١ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

حاجة المجتمعات الإنسانية إلى الدعاء

علي أحمد الحسن

حاجة المجتمعات الإنسانية إلى الدعاء
◄قال الحكيم في كتابه المجيد: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186). وقال تعالى في موضع آخر: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) (الفرقان/ 77). قدّم الإسلام لحياة البشر أفضل البرامج التربوية والاجتماعية وأكملها على الإطلاق، كما أنّه رسم للإنسان من الأنظمة والتعاليم ما من شأنه أن يقود علاقاته المتنوّعة إلى كمالها المنشود. والإنسان كائن متعدّد العلاقات؛ إذ تتشعّب علاقاته بما حوله وتتّسع صِلاته وارتباطاته بسائر الموجودات وتتنوّع لتتوزّع على اتّجاهات أربعة: 1-    علاقته بالله تعالى. 2-    علاقته بنفسه. 3-    علاقته بالناس. 4-    علاقته بالطبيعة وسائر الأشياء ومخلوقات الكون. وقد كان للإسلام أطروحته العمليّة والنظريّة المناسبة التي تراعي حاجات الإنسان الواقعيّة وطبيعته الفطريّة في كلّ واحدٍ من هذه الاتّجاهات الأربعة، فالهدف المنشود إسلاميّاً ما هو إلّا تأطير كلّ واحدةٍ من هذه العلاقات المشار إليها بهالةٍ من النظم والاستقرار والواقعيّة تضمن للإنسان تكوين علاقاتٍ ناجحة على كلّ صعيد، بما يعود عليه بالسعادة الحقيقيّة، والتي يمكن اختصارها بكلمتين اثنتين: نيل رضوان الله، وأداء حقّ العبوديّة. غير أنّ الحقيقة الثابتة التي لا نرتاب فيها، هي أنّ منظومة المعارف والقيم والتعاليم الإسلامية إنّما أقامت صرحها على عنصر الارتباط والصلة بالله تعالى، أي: على الأوّل من الاتّجاهات الأربعة المذكورة، ولكن لا بوصفه اتّجاهاً واحداً في عرض الاتجاهات الثلاثة الأخرى، بحيث تنحسر دائرته وتضيق عن شمول تلك الاتجاهات، بل بوصفه اتّجاهاً ذا صبغة عامّة تجعل الاتجاهات الأُخرى تنضوي تحته، وتسير في فلكه، وتتحوّل إلى مظاهر وتجلّيّات له.. فمن هذه الزاوية: تغدو علاقة الإنسان مع بني جنسه إحدى المحطّات في مسيرة العلاقة التي يريد الإسلام من الإنسان أن ينشئها مع خالقه ومكوّنه.. وكذلك علاقته مع سائر المخلوقات من موجودات هذا الكون، فهي علاقة يجب على الإنسان أن يطبّق فيها الوصفة الإسلامية لأنّه إن لم يفعل ذلك، ساءت علاقته بربّه، وانفصمت عروة الصلة التي تجمعه به، فعلى الإنسان أن يتعامل مع موجودات هذا الكون جميعاً على أساس أنّها – جميعاً – مخلوقات الله، التي تشاركه في المخلوقيّة والعبوديّة، وفي الانتساب – بنفس الدرجة – إلى خالق واحد، وفي كونها محكومةً ومقهورةً لنفس النظام الكوني الذي سنّه هذا الخالق الواحد جلّ شأنه. وبنفس المكيال أيضاً تقاس علاقة الإنسان بنفسه، وكيفيّة نظرته إليها، فعلى الإنسان أن يضع نفسه الموضع الذي تستحقّه بحسب المعايير والموازين الإلهيّة، وعلى الإنسان أن يغوص بعيداً جدّاً في أعماق نفسه وأغوارها في سبيل اكتشاف المزيد من أبعاد ذينك الفقر والضعف الذاتيّين اللّذين يشكّلان حقيقة هويّته ومن يكون.. وبقدر ما تسعه القدرة أن يطّلع عليه من هذه الأبعاد بقدر ما يدرك من تجلّيات عظمة خالقه ومكوّنه، فهو لا يقترب من معرفة حقيقة العبوديّة في نفسه أنملةً إلّا وهو يقترب مثلها أو ما يضاهيها من معرفة حقيقة الربوبيّة في خالقه.. ولعلّ هذا المعنى الذي أشرنا إليه هو أحد الكنوز النادرة والرموز البعيدة التي تضمّنها قول خير خلق الله (ص) – فيما رُوي عنه –: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه"، أو ما ورد عن لسان حفيده الإمام جعفر الصادق (ع) أنّه قال: "العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة". فالله سبحانه هو الهدف المنشود في جميع هذه العلاقات، والعودة إلى الله والتظلّل بفيء الله والتقرّب إليه عزّ وجلّ هو المبتغى والمنتهى في كافّة الاتّجاهات بلا استثناء، والعلاقات التي يقيمها الإنسان مع الآخرين، إنّما يقيمها في الحقيقة مع الله، والمعاملة لا يجريها مع الغير في الواقع الأمر، وإنّما يجريها مع الله سبحانه؛ لأنّ الموجودات قاطبةً هم عيال الله ومخلوقاته.. وكلّنا لله وكلّنا إليه راجعون.. ومن هنا، تتجلّى عظمة الدعاء وأهمّيته ومدى الحاجة إليه في حياة الإنسان، وفي مسارات علاقاته المتنوّعة؛ فإنّ الدعاء هو ذلك الحبل الذي مدّه الله تعالى للإنسان لكي يتشبّث به ويُمسك بطرفه، لكي تنتشله العناية السماويّة فتُكتب له النجاة في مواجهة مزالق هذه الدنيا وشراكها وأوحالها وهمومها ومشاكلها وعقباتها وصعوباتها وتحدّياتها.. والدعاء هو وسيلة الإنسان، الفقير ذاتاً، والضعيف خلقةً، والمحتاج فطرةً، للاتّصال بالغيب، والاستمداد من مصدر القوّة والغنى.. فما أعظمه من فرصة، كالفقير مادّياً في هذه الدنيا الذي يأتيه عرض من غنيّ، بأن يضمّ ثروته وما يملك، على حقارتها ووضاعتها، إلى ثروة ذلك الغنيّ وممتلكاته الكثيرة، أفلا تكون هذه بالنسبة إلى ذلك الفقير فرصة العمر التي لا تُعوَّض؟! فكذلك الدعاء، عرض إلهي على الإنسان، مفاده: أنّ الله تعالى قَبِل من الإنسان أن يضمّ (ثروته!!) إلى ثروة الله تعالى التي لا نهاية ولا نفاد لها، وقَبِل أن يحوّل خزائن رحمته إلى بحرٍ يغرف منه الإنسان بغير حساب، متى شاء، وأنّى شاء.. ليصير الإنسان بذلك – والقياس مع الفارق – كساقيةٍ صغيرةٍ ضحلة الماء، ولكنّها حين اتّصلت بالبحر ازداد ماؤها وكثرت بركتها وعجّت فيها الحياة.. أو كصفرٍ لا قيمة له في موازين الحساب، ولكنّه عندما جاوره الواحد وانضمّ إليه صار عدداً يُحسب له ألف حساب!! فهي إذاً فرصة العمر لكلّ واحدٍ منّا، لكي يحوّل ضعفه إلى قوّة، وفقره إلى غنىً، وحاجته إلى استغناء، عن طريق الدعاء الذي يُتاح لنا فيه أن ننادي ربّنا بما نشاء، كيف نشاء، متى نشاء، وأنّى نشاء.. فالدعاء ليس من العبادات ذوات الأجزاء والأركان والشروط المرسومة والمحدّدة مسبقاً من قبل الشرع الأقدس، وإنّما هو عبادة لا تحكمها إلّا الأطر العامّة للعبادات، وفيما سوى ذلك، فقد تُرك فيها المجال مفتوحاً للعبد ليرسمها على وفق ما يرغبه ويشتهيه، فله أن يناجي ربّه بكلّ ما يخطر بباله، وله أن يبوح لخالقه بما يعتمل في نفسه، وله أن يبثّ شكوى نفسه حين تضغطه هموم الدنيا ومشاغلها ولا يجد في زحمتها الخانقة من يسمع صوته، ويهتمّ لشأنه، ويصغي إلى طلباته، ويحقّق له رغباته.. وكم هي عظيمة حاجة كلٍّ منّا إلى أن يجد متّسعاً له يريح فيه نفسه من أثقال أسرارها الخانقة، وينفض فيه عن نفسه بعض غبار همومها القاتلة.. فكيف إذا كان الذي يسمع النجوى، ويصغى إلى الشكوى، هو من يقول فيه إمامنا زين العابدين (ع) – كما ورد في الصحيفة السجادية – : "يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، لكلّ مسألةٍ منك سمع حاضر وجواب عتيد".. هذا على صعيد الآثار والفوائد النفسيّة للدعاء.. وعلى الصعيد المضمونيّ أيضاً، فقد ترك النبي (ص) وعترته الطاهرة (ع) للمسلمين إرثاً كبيراً من الأدعية العابقة بعطور الإسلام وقيمه وتعاليمه، وإلى جانب ما تزخر به من المعارف والعقائد والعلوم، فهي أدعية تمتدّ بأنواعها وأساليبها المختلفة لتناسب جميع شؤون الإنسان وأبعاده، فهي تستنزل دموع الحياء منّا في لحظات الإنابة إلى الله الغفور الرحيم، وتجسّد تضرّعنا إليه، وترفع أيدينا الملتمسة إلى مالك الوجود كلّه، وتعفّر جباهنا بالتراب استكانةً له، وتبصّرنا بما نحن عليه من العجز والضعف والفقر والذلّة تجاهه جلّت عظمته، وتكشف لنا جوانب من قدرته المطلقة وحكمته البالغة ورحمته الواسعة، وهي تتناول الشكر، وإظهار الحب والمودّة لله تعالى، والاعتراف له بالذل والعبودية، وإجلال الله وتعظيمه، وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وطلب المغفرة، والتوفيق في العمل، وقضاء حوائج الدنيا والآخرة، والسعة في الرزق الحلال، والعون في الشدائد، وتفريج الهموم، وإزاحة الكروب، وقضاء الدين، وردّ الغريب، وفكّ الأسير، وشفاء المريض، وإغناء الفقير، وإصلاح الفساد، وقبول الأعمال، وزيادة العلم، وستر العيب، و...   معنى الدعاء: الدعاء هو الارتباط بالله ومناداته، هو أن يكلّم الإنسان ربّه ويناجيه، فعندما تقول: "يا الله"، فهذا دعاء، ويعقبه من الباري تعالى قول "لبّيك".. وهو أمر قيّم جدّاً، وإنّني أعتقد أنّ شعوب العالم اليوم بحاجة مضاعفة إلى الدعاء. لقد كان الدعاء في بعض الأزمنة السابقة مجرّد وسيلة لملء الفراغ وإضاعة الوقت. إنّ الدعاء إذا كان عبارة عن الارتباط بالله، فلابدّ أن يتوفّر له المحيط المعنويّ المناسب، محيط فيه الصالحون الذين يأنسون بمخاطبة الله ومناداته وعندئذٍ فقط يُصبح للأدعية في الإذاعة فائدتها وتأثيرها؛ لأنّ القلوب حينئذٍ تكون مستعدّة، والأرواح مأنوسة بالله عزّ وجلّ، وعندئذٍ يكون للدعاء قيمته الكبيرة، وإليه حاجة ماسّة.   المجتمعات الإنسانية وحاجتها إلى الدعاء: عليكم أن تدعو الناس إلى الله وإلى الذكر، ولا يلزم أن يكون الذكر باللّسان على وجه التحديد، ادعوا الناس إلى الذكر القلبيّ، أي: إلى التعلّق بالله والتوجّه إليه، وحثّوهم على الدعاء والتضرّع والمناجاة. عليكم أيضاً أن تدعو الناس إلى القيم والأخلاق الفاضلة، كالإيثار والرحمة والمحبة والصبر والاستقامة في المهمّات والحلم وكظم الغيظ والأمانة وترك الخيانة والكيد بالآخرين، فالناس دائماً بحاجة إلى هذه القيم، لا يستغنون عنها في وقتٍ من الأوقات، وإذا افتقد المجتمع القيم الأخلاقيّة فسيتحوّل إلى مجتمع غير صالح، ومثل هذا المجتمع لا يُطاق أبداً، وإن استطاع أن يصل إلى أعلى مدارج الرقيّ والتمدّن، وهذا ما نراه اليوم في بعض المجتمعات الغربيّة، فهي وصلت إلى مستوىً عالٍ من حيث العلم والثروة والمدنيّة، إلّا أنّ الحياة فيها جحيم لا يُطاق. هناك بعض المناطق التي يتعسّر العيش فيها، الإنسان في تلك المناطق لا أمان له مطلقاً، لا يأمن على مالٍ، ولا على عرضٍ، ولا على نفس.. الشباب هناك لا يأمنون على حياتهم، فهم دائماً عرضة لمختلف أنواع الضغوطات النفسية والعصبيّة التي تؤثّر، وبشدّة، على أرواحهم ونفسيّاتهم.. هذا ما هو موجود بالفعل في المجتمعات الغربية، هم يمتلكون كلّ شيء، لكنّهم يفتقدون إلى الحياة، وإلى السعادة. يعود السبب في ذلك إلى أنّ الأخلاق في تلك المجتمعات لم تواكب المدنيّة في حركتها التطوّريّة المطّردة. ففي المجتمعات الغربيّة، المعيار للتفاخر والتباهي هو السعي للحصول على المال وتكديس الثروات، أمّا في المجتمعات التي تحكمها المعنويّات، فلا يوجد مجال للتفاخر على هذا الصعيد؛ لأنّ الوحوش والحيوانات هي الأخرى يفترس أحدها الآخر، من أجل أن تشبع بطنها وتضمن بقاءها على قيد الحياة.. وإنّما يحقّ للإنسان أن يفتخر بالسعي للحصول على فضائل الأخلاق، بتقديمه يد العون والمساعدة للآخرين، بأن يفدي الآخرين بنفسه، ويضحّي بنفسه من أجلهم، وإنّ كثيراً من هؤلاء الغربيّين لا يرون في كلّ هذه القيم ما يدعو إلى الفخر والاعتزاز، بل إذا رأوا من يفخر بهذه الأمور سخروا منه واعتبروه إنساناً ساذجاً!! ومن أجل ذلك، نؤكّد بإلحاح على الجوانب المعنويّة، على الدعاء والتضرّع، وبخاصّة في شهر رمضان، شهر الدعاء، وشهر القرآن، وشهر الارتباط بالله، كما ينبغي التأكيد أيضاً على الجوانب الأخلاقيّة والتزكية والتهذيب، وغير ذلك من الجهات والجوانب التي لا يمكن تحديدها بزمانٍ أو مكان.   الابتعاد عن الدعاء من عوامل الضلالة: هناك عاملان هما الأساس للضلالة والانحراف العامّ، أحدهما: الابتعاد عن ذكر الله، والذي يتجلّى في الصلاة والعبادة، والذي يعني الغفلة عن الله والمعنويّات وفصل الحياة عن المعايير المعنويّة، وإهمال التوجّه إلى الله تعالى والذكر والدعاء والتوسّل وطلب التوفيق منه والتوكّل عليه وفصل الحسابات الإلهية عن مسارات الحياة. والعامل الآخر: هو اتّباع الشهوات والملذّات، وبكلمة: هو السعي وراء الدنيا والاشتغال بجمع الثروة والمال والوقوع فريسةً للشهوات الدنيويّة، واعتبارها أساساً ومبدأً ونسيان الأهداف الحقيقيّة. وهنا أتوجّه بالتوصية إلى الشباب وطلّاب الجامعات، بضرورة إجادة التفكير والاهتمام برقيّ معارفهم، والسعي للتأثير روحيّاً وفكريّاً في الوسط الذي يعيشون فيه، والاتّصاف بالفاعلية، لا الانفعاليّة، فبإمكان الشابّ من خلال ما يتحلّى به من شخصيّة معنويّة أن يكون له تأثير على محيطه، كالصفّ الدراسي والأستاذ والبيئة الجامعيّة و... ومن الطبيعي أنّ عملاً كهذا يتسنّى نيله فقط عبر الصفاء والنقاء المعنويّين، ولا يُكتسب إلّا بتوثيق العلاقة مع الله تعالى. أدعوكم يا أعزّائي إلى أن تأخذوا علاقتكم مع الله مأخذ الجدّ، فأنتم في عمر الشباب، ربيع العمر، أدعوكم للاهتمام بهذا الجانب والتوجّه إلى الله تعالى بالطلب والدعاء والمناجاة، والصلاة بخشوع وحضور قلب، وهذه الأمور في غاية الأهمية بالنسبة لكم، فإيّاكم أن تعطوها دوراً هامشياً.   شبهة وجوابها: وهنا تواجهنا أسئلة عديدة، منها: أنّه إذا كان للدعاء مثل هذا الدور الكبير والإعجازيّ، فما الذي يعنيه وجود هذه الأسباب المادية والوسائل والأدوات والعلم والصناعة؟ والجواب: أنّ الدعاء ليس من قبيل الأدوات والأسباب المادية، ولا من جنسها، ولا يعني أنّ الإنسان إذا رغب في السفر – مثلاً – فعليه أن يذهب إمّا بالقطار أو بالطائرة أو بالدعاء! ولا يعني: أنّه إذا أراد أن يحصل على شيء، فإمّا أن يحصل عليه إزاء مبلغ من المال أو بالدعاء! هذا ولا ذاك.. الدعاء معناه أن يطلب الإنسان من ربّه أن يوفّر له هذه الأسباب المادّية، وتحقّق هذه الأسباب مرهون بالدعاء، فالمقصود من الدعاء هو طلب تحقيق هذه الأسباب، بالإضافة إلى الارتباط الروحي والانشداد القلبي الذي يحصل للعبد حال الدعاء. فمثلاً: قد يكون هناك شخص مدين لك بمبلغٍ من المال، لكنّه يأبى أن يسدّد لك هذا الدَّيْن وبين ليلةٍ وضحاها، يُلقى في روع هذا الشخص أن يأتيك ويعيد لك أموالك، إذاً، هناك سبب أدّى بهذا الإنسان إلى أن يغيّر موقفه، وما المانع من أن يكون السبب في ذلك هو الدعاء، أي: أنّ الدعاء هو الذي دفعه إلى أن يعيد لك أموالك، وكلّ الأسباب والعلل الموجودة في هذا العالم هي من هذا النوع. وعلى هذا الأساس، ينبغي أن لا يكون الدعاء ذريعةً ومدعاةً للكسل والفشل، أو أن يُهمل الإنسان العلم والأسباب المادّية وقانون العلّية، فالدعاء ليس إلى جانب هذه الأمور وفي عرضها، بل هو متقدّم عليها وفي طولها، وفي الغالب: تكون مهمّة الدعاء هي توفير هذه الأمور وتأمينها، وتهيئة الأسباب والملتزمات التي لابدّ من وجودها في الحالات العادية، فعندما يطلب أحدكم من الله تعالى أن يُحقّق له الأمر الفلانيّ والذي هو بحاجة إليه – مثلاً –، فلابدّ وأن يكون قد استنفد كلّ قواه لتحقيق هذا الأمر، إلى جانب الدعاء، وإذا أحسّ بالكسل، فعليه أن يدعو الله تعالى أن يطرد عنه هذا الكسل، ولكي يطرد عنه الكسل لابدّ له من إرادة وعزم وإصرار على تركه. ولا يتصوّر أحدكم أنّ الله تبارك وتعالى سوف يقضي حاجاتنا بمجرد أن نجلس في بيوتنا، وندعوه من دون أن نحرّك ساكناً، أو نقوم بشيء، أو نصمّم على القيام بشيء، فهذا لا يمكن أن يكون أبداً، فالدعاء يجب أن يكون دائماً إلى جانب العمل ومع العمل.   وللمسؤولين أيضاً.. عليكم بالدعاء: لا تعتبروا أنفسكم في غنىً عن الدعاء والنافلة والذكر والتوجّه والتوسّل والبكاء والإنابة إلى الله تعالى. ولا تقولوا: إنّنا ما دمنا مشغولين بخدمة الناس فلا حاجة لنا بالدعاء، وإنّما يحتاج إلى الدعاء الذين لا عمل لهم. كلّا يا سادة! هذا هو أصل القضيّة، فالدعاء هو الذي يربّي الإنسان ويصنعه، ومن دونه نبقى ضعاف النفوس، فعندما تصطفّ الوساوس أمامنا، ونحن على هذه الحالة، فإنّنا سننقاد إليها حتماً، قال تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ).. فادعوا وتوجّهوا إلى الله واجعلوا لكم في اليوم ساعةً بينكم وبين الله، ذروا فيها الأعمال المختلفة، وكونوا في أنسٍ مع الله وأوليائه، وآنسوا أنفسكم بالقرآن وتدبّروه. وبهذا فقط نستطيع أن نتحمّل المسؤولية الثقيلة والأمانة الإلهيّة التي لم يُعطها الله لأحدٍ خلال القرون الطويلة منذ صدر الإسلام وإلى وقتنا الحاضر، وقد وضعها الله في أعناقنا، وهكذا نتمكّن من حمل هذه المسؤولية وإيصالها إلى هدفها، وإلّا، أصابنا خزي الدنيا والآخرة.. إنّني أحوج منكم إلى هذه النصائح، فكلّنا محتاجون، ويجب علينا أن يوصي بعضنا بعضاً.

ارسال التعليق

Top