• ١٤ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٢ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

شخصية المرأة ودورها الفاعل

عمار كاظم

شخصية المرأة ودورها الفاعل

المرأة باعتبارها انساناً وموجوداً يحمل أمانة السماء كباقي الموجودات المسؤولة في واقع الحياة، لابدّ وأن تكون موضع إهتمام القرآن الكريم، بإعتباره الدستور الحي الذي قدّم للإنسان (رجل وامرأة) نظاماً شاملاً يتكفل حياتهم في جميع مجالاتها بالتشريع والتنظيم. حيث بعث في السابق ولا يزال يبعث في عالمنا الجديد نوراً قوي الوهج، أضاء طريق البشرية في سيرها الحثيث المتقدم نحو حياة أفضل وعيشة كريمة. فقد حظيت المرأة بإهتمام القرآن، والحديث عنها نال مساحة واسعة منه. كما في سورة النساء وسورة البقرة وسورة المائدة، والنور، والأحزاب، والمجادلة، والممتحنة، والتحريم، والطلاق.

ومع هذا لا يزال موضوع «المرأة في الإسلام» موضع حديث المفكرين الإسلاميين الذين يعملون على تحديد شخصية المرأة ودورها في الفكر الإسلامي والشريعة الإسلامية، من أجل إعطاء الصورة المشرقة التي تتمثل في نظرة الإسلام إلى إنسانيتها الأصيلة، من حيث القيم الروحية والإنسانية في عالمي الدُّنيا والآخرة.

والسؤال هو: هل السبيل إلى اكتشاف شخصية المرأة وعقلها وإيمانها إلخ... يتمثل في النصوص الدينية أو في دراسة عناصر شخصية المرأة الذاتية من خلال حركة وجودها في الواقع الحي، وفي مستوى إنفتاحها على الآفاق العلمية، من حيث عمق الفكر وسعته، وفي طبيعة رؤيتها للأشياء من حولها، من حيث سلامة الرأي وصدق النظرة إلى الأمور، وفي نوعية التزامها الداخلي بالعقيدة في خط الارتباط بالإيمان بالله ورسله وكتبه وشرائعه، والتزامها الخارجي في خطّ العمل والمعاناة والمراقبة لله في دائرة التقوى الروحية والفكرية في ذلك كله... وفي قدرتها على مواجهة التحديات في الصراع الفكري في ساحة الدعوة، أو في مواجهة المشاكل الواقعية في ساحة الجهاد.

في المقارنة بين الرجل والمرأة اللذين يعيشان في ظروف ثقافية واجتماعية وسياسية متشابهة، نجد انّه من الصعب التمييز بينهما، إذ ليس من الضروري أن يكون وعي الرجل للمسألة الثقافية والاجتماعية والسياسية أكثر من وعي المرأة لها، بل قد نجد نماذج متعددة لتفوق المرأة على الرجل في سعة النظرة، ودقة الفكر، وعمق الوعي، ووضوح الرؤية، وذلك من خلال ملاحظة بعض العناصر الداخلية أو الخارجية المميزة لها بشكل خاص، وهذا ما نلاحظه في بعض التجارب التأريخية التي عاشت فيها بعض النساء في ظروف متوازنة من خلال الظروف الملائمة لنشأتها العقلية والثقافية والاجتماعية فقد استطاعت أن تؤكد موقعها الفاعل ومواقفها الثابتة المرتكزة إلى قاعدة الفكر والإيمان. وهذا ما حدثنا الله عنه في شخصية السيِّدة مريم، وامرأة فرعون، وما حدثنا التأريخ عنه في شخصية السيِّدة خديجة الكبرى أم المؤمنين – رضي الله عنها – وفاطمة الزهراء (علیها السلام) والسيِّدة زينب (عليها السلام).

إنّ المواقف التي تمثلت، في حياة هؤلاء النسوة العظيمات تؤكِّد الوعي الكامل المنفتح على القضايا الكبرى التي ملأت حياتهنّ على مستوى حركة القوة في الوعي والمسؤولية والمواجهة للتحديات المحيطة بهنّ في الساحة العامة. وعندما ندرس التأريخ في القصص القرآني، وفي جانب آخر غير الجانب الإيماني، فإنّنا نجد شخصية ملكة سبأ في ما قصّه القرآن الكريم علينا من أمرها، وفي حوارها مع قومها عند وصول رسالة سليمان إليها، فقد جمعت قومها لتستشيرهم في الموقف الذي يجب أن تتخذه من تهديد سليمان لها ولقومها ونوعية الرد الذي ترد به على الرسالة، ولعل هذا اللجوء إلى الاستشارة يوحي بوجود عقل راجح تتميز به شخصيتها، وهو ما يجعلها لا تعطي الرأي الذي تملك إقراره من موقعها كملكة، إلّا بعد استشارة أهل الرأي من قومها فيه. وهذا ما حدّثنا الله عنه، في سورة النمل: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) (النمل/ 29-32)، وهكذا أرادت من رجال قومها أن يقدّموا الفتوى السياسية التي تعينها على استيضاح الموقف الذي ينبغي لها أن تتخذه في المسألة الخطيرة، ولكنهم ارجعوا إليها الأمر، لترى رأيها، وذلك ثقة منهم برجاحة عقلها وصواب رأيها. ولهذا جعلوها صاحبة القرار الأوّل والأخير.

ارسال التعليق

Top