• ٢٣ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٦ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

علموا طفلكم التسامح

علموا طفلكم التسامح
  يساعده على تقبُّل الآخر المختلف يحاول أطفال الجيل الجديد تجديد انتمائهم وسط عالم مليء بالاختلافات: اختلاف في الأجناس والمعتقدات واللغات والقُدرات والتقاليد والأعراق. ولأنّ الطفل أخذ يلاحظ هذا التنوع بين أنداده، وفي المدارس والشوارع والحدائق العامّة، بدأ يُصنّف البشر في ذهنه إلى فئات مختلفة. المقلق في الأمر، أن تصنيفات البشر إلى فئات مختلفة، أخذت تتجذّر بعمق في نفوس الأطفال وتتطور مع مرور الوقت إلى حد التمييز بين الناس. فأخذ الطفل ينحاز إلى أبناء بلده ويضعهم في مرتبة أفضل من بقية الفئات الأخرى، ويعتبر أنّه من المفروض أن يقوم سكان بلده وحدهم بالأعمال الجيِّدة وبتبوؤ المراكز العليا، بينما يفترض أن يقوم الآخرون والغرباء بالأعمال القذرة. وأصبح هذا الطفل يعتمد على الطبقة التي ينتمي إليها أنداده عند اختياره الأصدقاء من بينهم. يتخوف خبراء التربية من هذا التوجه، لأنّهم لاحظوا أنّ هذا النوع من التصرف بدأ ينتشر بين أطفال في عمر ثلاث سنوات. وقد لاحظوا أيضاً أن تصرفات الأُم نفسها تؤثر في انحياز الطفل أو تحامله على الآخر الغريب. مثلاً، إذا شاهدت الأُم، أثناء وجودها في الشارع مع طفلها، أشخاصاً غرباء يسيرون نحوهما، تقوم حالاً بالإمساك بيد طفلها. بتصرفها هذا، تُوحي الأُم لطفلها أن عليه أن يخاف من الغريب المختلف عنه. كما أن ما يشاهده الطفل على شاشة التلفزيون، أو في السينما، يُسهم في تحامل الطفل على الغريب. فإذا أراد الأهل أن ينشأ أطفالهم على التسامح وعدم التمييز بين الناس عندما يصبحون بالغين، من واجبهم أن يكونوا هم أنفسهم متسامحين. مع تنامي شعور عدم التسامح في كل أنحاء العالم، أصبح الأهل في حاجة إلى معرفة كيف يتعلم الناس محبّة أو كره الآخرين. إن أفضل وقت للبدء في تعليم الطفل التسامح، هو عندما يكون صغيراً بعد، أي عندما تكون قدرته على تصنيف البشر لا تزال مرنة. هناك طرق عدة يمكن أن تساعد على تعليم الطفل التسامح. على الأُم أن تناقش الموضوع بنفسها مع طفلها. يمكنها أن تشير إلى الأشياء التي يكون فيها متميّزاً عن غيره. مثلاً، يمكنها أن تُبيّن له أنّه على الرغم من قصره ومن استخدامه النظارات، لكنه يتميز عن غيره بإجادته كرة القدم. عليها مقارنة الصفات المتميزة عند طفلها مع الاختلاف الذي يلاحظه عند أنداده. يجب أن تحدثه عن حقيقة أن بعض الأشخاص يعتقدون أنّ الاختلافات تجعل من الآخرين أشخاصاً قذرين أو لا قيمة لهم، ولكن هذا ليس صحيحاً، وأنها لا توافق لا هي ولا بقية أفراد العائلة على هذا الرأي. إنّ الأقوال وحدها لا تفيد إن لم تكن مقرونة بالأفعال. يجب أن تسعى الأُم إلى إلزام طفلها بالوجود في أماكن حيث يوجد أشخاص مختلفون، مثل الحدائق العامة أو الملعب، أو المشاركة في أنشطة تضم أطفالاً متنوعين، مثل كرة السلة أو كرة القدم. عليها ألا تشير في أحاديثها إلى الأشخاص المختلفين في وجود طفلها وعدم وجوده أيضاً. فلا تقول مثلاً: أسود، مسلم، مسيحي، قبيح... إلخ. لأنّ الأُم المتسامحة لا يمكن إلا أن تربي طفلها على التسامح. عليها تعليم طفلها أنّه بدلاً من أن يكره شخصاً ما، عليه أن يحاول التعرف إليه فقد يكون إنساناً محباً. فكلما كان الطفل واعياً ورحيماً صعب عليه أن يكره.   - مواجهة التمييز: كيف تتصرف الأُم في حال طفلها ضحية التمييز. إذا اكتشفت الأُم أن طفلها ضحية تمييز من أي نوع، فعليها: 1- التأكد من أن طفلها آمن جسدياً: إذا تأكد للأُم أن طفلها تعرض لاعتداء بالضرب، عليها ألا تقلل من أهمية المشكلة، بل يجب أن تسارع إلى الاتصال بالشخص الذي اعتدى على طفلها وتعرف منه أسباب اعتدائه عليه، وأن تتحدث إلى كل من كان موجوداً أثناء الاعتداء لترفع من معنوياته. أمّا إذا كانت سلامة طفلها العاطفية هي التي تعرضت للخطر، فعليها أن تساعده على التحدث عن مشاعره، وتحاول التخفيف عنه، وأن تُبيّن له أنّها تقف دائماً إلى جانبه لمساندته. 2- تعزيز إحساس الطفل بنفسه: إذا تعرض الطفل لشكل من أشكال التمييز، على الأُم أن تنتهز فرصة شعوره بالغبن وتقول له إنّ التمييز ضده، كما ضد الآخرين، خطأ كبير لأنّه يؤذي المشاعر. لذا، عليه ألا يحاول اضطهاد أحد أو يصف مَن أساء إليه بصفات غير مقبولة. وقد يكون من المفيد أن تحدثه عن أمور مشابهة حدثت معها عندما كانت صغيرة، وكيف أنها استطاعت تخطّي شعورها وتعززت ثقتها بنفسها، من خلال مسامحتها لمن أساء إليها. 3- تحضير الطفل لاحتمال تعرضه لحالات مماثلة: على الأُم أن تفهم طفلها أن عليه الطلب من الطرف الآخر الذي يضطهده لأي سبب أن يكف عن إهانته ونعته بصفات سيئة.   - الطفل المعتدي: ماذا تفعل الأُم في حال كان طفلها هو المعتدي؟ 1- عليها أن تضع حدّاً لتصرفه السيِّئ حالاً: على الأُم أن توضح لطفلها أن تصرفه مع الآخر المختلف، مرفوض تماماً، وأنّها ستُعاقبه لو أتى التصرف نفسه. 2- عليها الطلب من طفلها ألا يؤذي الآخرين: على الأُم أن توضح لطفلها أن تحامله على الطرف الآخر والتعابير التي يستخدمها وفي وصفه غير صحيحة وغير مقبولة. كما أن عليها أن تقول له إن نعت الأشخاص بصفات غير مقبولة عمل مُؤذٍ. 3- عليها أن تكون المثال الجيِّد: على الأُم أن تكون النموذج الجيِّد للتسامح ليقتدي بها طفلها. للأُم تأثير قوي حيال رد فعل طفلها نحو الثقافات والأعراق المتنوعة. وبما أن تعليم التسامح عملية لا تنتهي عند حد معيّن، يجب أن تبقي الأثم باب الحوار مفتوحاً مع أطفالها وأن تكرر على مسامعهم أنّ التسامح وقبول الآخر من المسلمات التي لا تقبل النقاش. إن تعليم التسامح وقبول الاختلافات الشخصية يسمح للطفل بأن يتعلم أهمية المجتمع. لكن، ولسوء الحظ، هناك مَن يشجع على عدم التسامح، بسبب جهله وبسبب التعصب الأعمى والتمييز العنصري والكراهية. لهذا، من المهم أن تعلم الأُم طفلها التسامح في سن مبكرة، لأنّه عندما يكون الإنسان متسامحاً فإنّه يحترم الآخر ويحافظ على مشاعره ويتقبّله حتى لو كان مختلفاً عنه في الجنس والعرق والدين.   - أساليب مساعدة: ولأنّنا نعيش في عالم متنوع، ومختلف، ومتفاوت، من الضروري أن نعلم أطفالنا التسامح. هذه بعض الأساليب التي قد تساعد في هذا المجال: ·                            تعليم الطفل التسامح عبر عرض بعض النماذج للتمييز والكراهية عليه: لا أحد يولد وفي داخله مشاعر البغض للآخر. ولا أحد يولد وفي داخله إحساس أنّه أفضل من الآخر. فهذه تصرفات مؤذية يتعلمها الطفل من محيطه. فإذا كان الطفل ضحية للتمييز وعدم التسامح، يمكن أن تنطلق الأُم من هذه النقطة وتعلمه التسامح. كما يمكنها إخباره عن نتائج عدم التسامح وأهمية أن يكون متسامحاً مع الآخرين حتى لا يُسهم في إلحاق الأذى بهم. مثلاً، إذا أبعد الطفل من فريق كرة السلة لأنّه قصير، أو لأنّه يستخدم النظارات، عليها سؤاله ع شعره وأن تؤكد له أن إبعاده عن الفريق بسبب قصره فقط، هو تصرف غير مقبول وغير عادل، ثمّ عليها أن تنبهه إلى تجنب اضطهاد أحد، لأن تحامله على شخص يختلف عنه في اللون أو الدين أو الثقافة لا يختلف عن تصرف رفاقه الذين تسببوا في أذيته. فالأطفال يولدون متسامحين. ·                            تعليم الطفل التسامح من خلال الأمثلة: إذا كانت الأُم ترغب فعلاً في أن يكون طفلها متسامحاً، فيجب أن تبدأ بنفسها. فالأطفال يطبقون ما يتعلمون، وهم غالباً ما يتعلمون من خلال المراقبة. فإذا لاحظ الطفل أن أمّه تخاف من شخص ما لأن لون بشرته غامق، أو أنّها لا تحبه لأنّه يختلف عنها في الدين، عندها يتعلم الطفل عدم التسامح، الكراهية، التمييز، والانحياز. أما إذا رآها تساعد الفقير والمحتاج، وتُصادق الذين يختلفون عنها في الجنس والدين والثقافة، فسيتعلم أن يكون متسامحاً مثلها. في إمكان الأُم وقف عَجَلة الكراهية والتمييز والانحياز، إذا كانت المثال الجيِّد للحب والتسامح. ·                            وضع حد لعدم التسامح منذ البداية: إذا كانت الأُم تريد أن يكون طفلها متسامحاً مع الآخرين، فعليها أن تكون واضحة في حديثها معه عن التسامح. فإذا سمعته يطلق النكات على الأشخاص المختلفين عنه، أو يتحدث بعنصرية عن ذوي البشرة السوداء، أو يعلق تعليقات تسيء إلى الطرف الآخر، فعليها أن تلفت انتباهه إلى تصرفاته المرفوضة بوضوح. وسواء صدر الكلام الذي يدل على العنصرية عن طفلها أم عن شخص كان يتحدث على شاشة التلفزيون، عليها أن توضح له أنّه لا تصرفه ولا تصرف الشخص الآخر مقبول. عندما يحصل وينحاز الطفل أو يتحامل على طرف آخر أو يظهر مشاعر الكره نحوه، على الأُم انتهاز الفرصة لتحدثه عن التسامح. فالطفل لن يصبح متسامحاً إلا إذا تعلم معنى التسامح. لذا، عليها انتهاز الفرصة كلما أتى الطفل تصرفاً غير مقبول وأن تعلمه كيف يحب ويتقبّل الآخرين سواء أكانوا من ذَوي البشرة السوداء، أم قصاراً، أم طوالاً، أم أذكياء، أم متخلفين عقلياً.. إلخ. كلما أكدت الأُم هذه الحقائق، أصبح أسهل على الطفل تقبلها. ·                            تعليم التسامح وتقبّل الآخر: إنّ سنوات التشكيل الأولى من عمر الطفل، هي أفضل وقت ليتعلم التسامح ويتقبل الاختلافات ويدرك التنوع في المجتمع. فخلال السنوات الأولى، يبدأ الطفل في تكوين رأيه عن نفسه وعن العالم المحيط به. من المهم أن يطور الطفل مفهوماً ذاتياً إيجابياً من خلال تجاربه الخاصة مع الانتماء والقبول.   - حياة مريحة: من الناحية الفكرية، يتعلم الطفل أنّ الذكاء أو امتلاك القدرات، أو عدم امتلاكها، تؤمن حياة مريحة ومرضية، بل إنّ التقرب من الآخر وتقبله يلعبان دوراً في هذا المجال. يمكن أن يسهل الأهل على أجيال المستقبل تقبل مجتمعات شاملة تضم بشراً من كل الألوان والأجناس والأديان من خلال: 1- التسليم بالاختلافات: على الأُم أن تطلب من طفلها أن يعلق على الاختلافات في الأشخاص الذين يعرفهم. عمر طويل، ليلى تضع نظارات نَظَر، على يُتأتئ، هنا قصيرة، لون بشرة حازم سمراء أو سوداء.. إلخ. ثمّ تبين له أنّه على الرغم من تنوع البشر الواسع، إلا أن نقاط التشابه في ما بينهم تفوق نقاط الاختلاف. إنّهم جميعاً يتقاسمون الحاجة إلى الحب والصداقة والقبول. 2- الحرص في التصرف واستخدام اللغة: على الأُم أن تحرص على ألا تطلق صفات عند تكلمها عن الاختلافات. قد تكون لدى بعض الأشخاص إعاقة جسدية أو عقلية، ولكن عليها أن تستخدم تعابير إيجابية عند وصف الإعاقة. مثلاً، بدلاً من أن تقول الشخص "العاجز أو المشلول" يمكنها القول: الشخص الذي "يستخدم الكرسي المدولَب"، أو الطفل الذي يشكو التوحد، لا الطفل المجنون. 3- تثقيف الطفل حول العجز: على الأُم أن تؤكد لطفلها أنّ العجز ليس عقاباً من الله، ولا هو مرض مُعدٍ. فمعظم حالات العجز لا تدوم طويلاً، والشخص الذي يعاني العجز ليس شخصاً مريضاً، وقد لا يحتاج إلى علاج دائم أو إلى مساعدة الآخرين. 4- وضع قوانين واضحة بشأن التعامل باحترام مع الآخرين: عادة ما يكون العجز لدى الأ"فال الصغار هدفاً لتسلّط الآخرين. على الأُم أن توضح لطفلها أنّ التسلّط على الآخرين، وخاصة العاجزين، أمر مرفوض كليّاً. 5- الرد على أسئلة الطفل بصدق ووضوح وبساطة: يجب أن تقدم الأُم لطفلها معلومات واقعية عن حالات العجز التي يمكن أن يعانيها بعض الأطفال، وعن الاختلافات في الدين والعرق والثقافة. فهذا يعلم الطفل أنّه لا بأس من تقبّل الآخر المختلف مادام يحترمه ويتقبله هو أيضاً. 6- السماح للطفل بأن يقوم بالاستكشاف أثناء اللعب: يمكن أن تدع الأُم طفلها يقوم بلعب أدوار حساسة، مثل دور شخص أعمى أو شخص يتجول فوق كرسي مُدولَب، حتى يكتشف بنفسه كيف يشعر هؤلاء الأشخاص. عليها أن توضح لطفلها كيفية التغلب على المعوقات في المنزل والصف والمجتمع، ومساعدته على فهم أن بعض المعدات، مثل الووكر وسائل السمع والبصر، ليست أدوات للعب. 7- البناء على مرحلة الطفولة التي عاشتها الأُم: حتى تفهم الأُم من أين يأتي عدم التسامح، يجب أن تعود إلى مرحلة طفولتها هي وتتذكر الحالات التي تعرضت فيها للاضطهاد أو التمييز. عليها أن تتحدث عن تجربتها بصدق وبلا خجل لتعلم طفلها التسامح. 8- الحذر من وسائل الإعلام: على الأُم أن تضع نصب عينيها أن لوسائل الإعلام تأثيراً قوياً في تشكيل المواقف. لذا، عليها اختيار القصص والألعاب وأشرطة الفيديو وبرامج التلفزيون بحذر شديد.

ارسال التعليق

Top