• ٢٢ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٨ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

عناية القرآن بالنفس الإنسانية

عمار كاظم

عناية القرآن بالنفس الإنسانية

للنفس في القرآن الكريم، مكانة مرموقة وأهمية كبيرة، وقد تحدّث عنها في أكثر من موضع، معبراً عنها بكلمة القلب، ويريد به النفس، كما في قوله تعالى: (.. وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات/ 7)، وفي قوله تعالى: (.. وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ) (الأنفال/ 11)، فالقلوب المقصود بها في الآيات هي النفس البشرية التي تفرح وتحزن، وتنشرح وتنقبض، وتخاف وتطمئن. هناك علاقة وطيدة بين السعادة والأمن النفسي الذي ينشده كلّ إنسان، قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام/ 82). ولذلك نرى القرآن الكريم يُبشّر أهل الإيمان بالأمن يوم القيامة، هذه البشرى التي تستلزم كافة مفردات السعادة إذ يقول لهم: (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) (النمل/ 89)، وفي آية أخرى يقرن بين الأمن والنار بقوله تعالى: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (فصّلت/ 40). والسعادة المقصودة هي السعادة الروحية الكاملة التي تبعث الأمل والرضا، وتثمر السكينة والاطمئنان، وتحقّق الأمن النفسي والروحيّ للإنسان، فيحيا سعيداً هانئاً آمناً مطمئنّاً فلا سعادة للإنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان القلب. فالقرآن أمان الإنسان، إنّنا نستطيع أن نصل إلى هذا الإيمان بنور الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونور الله المتجسد بالقرآن الكريم الذي نستدلّ به على الطريق السليم ونأخذ منه دستور حياتنا وننعم بنوره الذي ينير القلب والوجدان والنفس والروح والعقل جميعاً. أليس ذلك طريقاً واضحاً ووحيداً لنصل إلى نعمة الأمن النفسي. لقد عني القرآن الكريم بالنفس الإنسانية عناية شاملة، عناية تمنح الإنسان معرفة صحيحة عن النفس وقاية وعلاجاً بدون أن ينال ذلك من وحدة الكيان الإنساني، وهذا وجه الإعجاز والروعة في عناية القرآن الكريم بالنفس الإنسانية، وترجع هذه العناية إلى أنّ الإنسان هو المقصود بالهداية والإرشاد والتوجيه والإصلاح. فلقد أوضح لنا القرآن الكريم في الكثير من آياته الكريمة أهمية الإيمان للإنسان وما يحدثه هذا الإيمان من بث الشعور بالأمن والطمأنينة في كيان الإنسان وثمرات هذا الإيمان هي تحقيق سكينة النفس وأمنها وطمأنينتها، قال تعالى: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش/ 4). والإنسان المؤمن يسير في طريق تقوى الله آمناً مطمئنّاً، لأنّ إيمانه الصادق يمدّه دائماً بالأمل والرجاء في عون الله ورعايته وحمايته، وهو يشعر على الدوام بأنّ الله – عزّ وجلّ – معه في كلّ لحظة، ونجد أنّ هذا الإنسان المؤمن يتمسّك بكتاب الله لاجئاً إليه دائماً، فهو بالنسبة إليه خير مرشد بمدى أثر القرآن الكريم في تحقيق الاستقرار النفسي له، وهذا الأمن النابع من التقوى ينعكس أماناً يوم الفزع الأكبر كما يُعبّر أمير المؤمنين «عليه السلام»: «إنّما هي نفسي أروّضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الفزع الأكبر». إنّ كتاب الله يحقّق للإنسان السعادة لأنّه يسير في طريقه لا يخشى شيئاً إلا الله، صابراً حامداً شاكراً ذاكراً لله على الدوام، شاعراً بنعمة الله عليه.. يحسُّ بآثار حنانه ودلائل حبّه... فكلّ هذا يبثّ في نفسه طاقة روحية هائلة تصقله وتهذّبه وتقوّمه وتجعله يشعر بالسعادة والهناءة، وبأنّه قويٌّ بالله... سعيدٌ بحبّ الله، فينعم الله – عزّ وجلّ – عليه بالنور والحنان، ويفيض عليه بالأمن والأمان، فيمنحه السكينة النفسية والطمأنينة القلبية. إنّ للقرآن الكريم أثراً عظيماً في تحقيق الأمن النفسي، ولن تتحقّق السعادة الحقيقية للإنسان إلّا في شعوره بالأمن والأمان، ولن يحسّ بالأمن إلّا بنور الله الذي أنار سبحانه به الأرض كلّها، وأضاء به الوجود كلّه... بدايته ونهايته، وهذا النور هو القرآن الكريم. ويؤكّد لنا القرآن الكريم بأنّه لن يتحقّق للإنسان الطمأنينة والأمان إلا بذكره لله – عزّ وجلّ – قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد/ 28). إذاً علينا أن نتمسّك بكتاب الله ونقتدي به، ونتدبر في آياته البينات، ونتأمل في كلماته التي لا تنفد أبداً.. قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف/ 109)، حتى نتحلّى بالإيمان الكبير في هذه الرحلة الروحية مع آيات الله فنتزود بما جاء به القرآن الكريم من خلق عظيم، وأدب حميد، وسلوك فريد، ومعرفة شاملة بحقيقة النفس الإنسانية كما أراها الله – عزّ وجلّ – أن تكون، وترتقي حيث الحب والخير والصفاء والنورانية، فننعم بالسّلام الروحي الممدود، والاطمئنان القلبي المشهود، والأمن النفسي المنشود.

ارسال التعليق

Top