• ٢٢ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٥ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

فوائد القوة الغضبية

فوائد القوة الغضبية
- طبيعة الغضب: ينقل أن سقراطيس كان يقول: "إني للسفينة إذا عصفت بها الرياح وتلاطمت عليها الأمواج وقذفت بها إلى اللجج التي فيها الجبال، أرجى مني للغضبان الملتهب، وذلك أنّ السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون ويخلصونها بضروب الحيل، أما النفس إذا استشاطت غضباً فليس يرجى لها حيلة البتة، وذلك أن كل ما رُقي به الغضب من التضرع والموعظة والخضوع يصير بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده استعاراً". والغضب ليس شراً دائماً، وإنما له فوائد في مكانه الصحيح ويصبح قبيحاً مع الإفراط ووضعه في غير محلة.   - فوائد القوة الغضبية: قد يتصور بعض الناس أن قتل غزيرة الغضب بالكامل وإخماد أنفاسها يعد من الكمالات والمعارج النفسية، وهم بذلك يرتكبون خطيئة عظيمة، فإنّ هذه الغريزة من النعم الإلهية العظيمة التي ينبغي حفظها وشكر الباري عليها، إنّ التفريط والنقص من حال الاعتدال يعد من مثالي الأخلاق المذمومة ومن نقائص الكمالات التي ترغب عليها الكثير من المفاسد والعيوب. وسنشير هنا إلى بعض فوائد هذه القوة: - إن وجود هذه الغريزة الشريفة في الإنسان وكذلك في الحيوان تدفعه للدفاع عن نفسه من هجمات الطبيعة، ولولاها لآل أمره إلى الزوال والاضمحلال. - إنّ القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود والتعزيرات ومجاهدة الأعداء ودفع المؤذيات والمضرات عن الفرد والمجتمع والدين وسائر التعاليم السياسية الدينية والعقلية لا يكون إلا في ظل القوة الغضبية الشريفة وتحت لوائها. - لولا هذه القوة لما استطاع الإنسان أن يصل إلى الكثير من مراتب تطوره وكمالاته ولابتلى بكثير من العيوب والمفاسد كالخوف والضعف والخمود والتكاسل والطمع وقلة الصبر وعدم الثبات وتحمل الظلم وقبول الرذائل والاستسلام لما يصيبه وانعدام الغيرة وخور العزيمة... والله تعالى يصف المؤمنين بقوله: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح/ 29). فهذه الغريزة في بني آدم هي رأسمال الحياة الملكية والملكوتية، ومفتاح الخيرات والبركات، لذلك سعى الحكماء إلى معالجة خمود هذه الغريزة وركودها.   - كيف نوقظ هذه الغريزة الشريفة؟ إنّ غريزة الغضب موجودة لدى كل إنسان ومودعة في باطنه، ولكنها في بعضهم خامدة منكمشة، كالنار تحت الرماد، فالواجب على من يلحظ في نفسه حال الخمول والضعف وانعدام الغيرة أن يعالج الحالة بضدها ويخرج نفسه مما هي فيه إلى حال من الاعتدال، وهناك معالجات علمية وعملية لإيقاظها وتحريكها: مثل الإقدام على الأمور العظيمة المخيفة، والذهاب إلى ميادين الحرب، ومجاهدة أعداء الله.   - الإفراط في الغضب قبيح: كما كان التفريط ونقص الاعتدال من الصفات المذمومة التي تؤدي إلى كثير من المفاسد التي ذكرنا بعضها، كذلك الإفراط وتجاوز حد الاعتدال، فهو أيضاً من الصفات المذمومة التي تقود إلى مفاسد كثيرة، وقد ورد في الحديث الشريف عن أبي عبدالله (ع): "الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخَلّ العسل". فقد يصل الغضب بالإنسان إلى حد الإرتداد عن دين الله وإطفاء نور الإيمان بحيث أنّ ظلام الغضب وناره يحرقان العقائد الحق، فيصل إلى الهلاك الأبدي، ثمّ ينتبه على نفسه بعد فوات الأوان وحين لا ينفع الندم، ولذلك يمكن أن توصف هذه السجية بأنها أم الأمراض النفسية ومفتاح كل شر، على المستويين، الخلقي والعملي: أما المفاسد الأخلاقية التي تتبع الغضب فهي: الحقد على عباد الله، وقد ينتهي به الأمر إلى الحقد على الأنبياء والأولياء، بل وحتى على ذات الله المقدسة ولي النعم!. وكذلك الحسد الذي سبق الحديث عن مفاسده وشروره. وغيرها من المفاسد. - وأما مفاسد الغضب المؤثرة في الأعمال فإنها ليست بمحصورة، فلعله يتفوه بما فيه الإرتداد، أو سب الأنبياء والأولياء والعياذ بالله وهتك الحرمات الإلهية، وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والإفتراء على العوائل المحترمة والتسبب لها بالعار والذل، ويقضي على النظام العائلي بكشف الأسرار وهتك الأستار، وغيرها من المفاسد التي لا تحصى، لقد وضعت أفظع الفتن، وارتكبت أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره الحارقة.   - كيف تعالج نفسك؟ إنّ علاج الغضب المشتعل يكون من جهتين: علمية وعملية. - العلاج العلمي: وهو أن يتفكر الإنسان في تلك الأمور. - العلاج العملي: وأهمه صرف النفس عن الغضب عند أول ظهوره. فإنّ الغضب أشبه بالنار التي تزداد شيئاً فشيئاً، وتشتد حتى يتعالى لهيبها وترتفع حرارتها ويفلت من سيطرة الإنسان، وهكذا الغضب سيتطور حتى يخمد نور العقل والإيمان ويطفئ سراج الهداية فيصبح الإنسان ذليلاً مسكيناً. فعلى الإنسان أن يأخذ حذره قبل أن يزداد اشتعال الغضب ويرتفع سعيره، ويبادر إلى إطفاء هذه النار، وهناك عدة أساليب لإطفاء هذه النار: منها: أن يشغل نفسه بذكر الله تعالى وهناك من يرى وجوب ذكر الله في حال الغضب أو بأمور أخرى تقطع تفاعله الزائد مع الموضوع الذي أثاره وتبعده عن الغضب. ومنها: أن يُغادِرَ المكان الذي ثار فيه غضبه. ومنها: أن يغير من وضعه، فإن كان جالساً فلينهض واقفاً، وإذا كان واقفاً فليجلس. ومنها: وهو خاص بالغضب على ذي رحم، فإن أحس بالغضب فليدنُ منه ويمسه، لأنّ الرحم إذا مسّت سكنت. إنّ كبح جماح الغضب في بداية ظهوره أمر سهل ولا يحتاج للعناء والتعب، وإذا أوقفه الإنسان في هذه المرحلة ومنعه من التفاعل، فسيفيده هذا في أمرين: 1- يهدئ النفس ويقلل من اشتعال الغضب. 2- سيروض النفس ويؤدي إلى معالجتها الجذرية، وسيصل بالتالي إلى حالة الإعتدال والتوازن.   - كيف تعالج غيرك؟ إذا أردت أن تعالج غضب غيرك فعليك أن تبادر عند ظهور علامات الغضب الأولى، ويكون علاجه فإحدى الطرق العلمية والعملية المذكورة، ولكن إذا اشتدت حاله واشتعل غضبه، فإنّ النصائح تنتج عكس المطلوب، ولذلك يكون علاجه وهو في هذه الحال صعباً. هناك علاج قد يفيد في حالة اشتعال الغضب واشتداده، وهو تخويفه من قبل شخص يهابه ويخشاه، فإنّ الغاضب إنما يغضب عندما يرى نفسه أقوى ممن يغضب عليه، أو يرى أنّه على الأقل يتساوى معه في القوة. أمّا الذين يرى أنهم أقوى منه فلا يظهر الغضب أمامهم، بل تكون الفورة والإشتعال في باطنه ويبقى محبوساً في داخله ويولد الحزن في قلبه. فالعلاج في مرحلة الإنفعال الشديد سيكون على جانب كبير من الصعوبة، نعوذ بالله منه.   - اقتلاع أسباب الغضب: من أهم سبل معالجة الغضب اقتلاعُ جذوره بإزالة الأسباب المثيرة له. وقد ذكروا أسباباً كثيرة للغضب مثل: العجب والزهو والكبرياء والمراء والعناد والمزاح وغيرها مما يطيل البحث الدخول في تفاصيلها، ولكن أكثرها تنطوي بشكل مباشر أو غير مباشر تحت عنوانين أساسيين هما: 1- حب الذات: ويتفرع عنه حب المال والجاه والنفوذ والتسلط. فمن كانت فيه هذه الأنواع من الحب، اهتم بهذه الأمور كثيراً، وكان لها في قلبه مكان رفيع. فإذا واجه بعض الصعوبات في واحدة منها، أو أحس أن هناك من ينافسه فيها، تنتابه حال من الغضب والهيجان دون سبب ظاهر، فلا يعود يملك نفسه، ويستولي عليه الطمع ويمسك بزمامه مع سائر الرذائل الناجمة عن حب الذات، وحاد بأعماله عن جادة الشريعة والعقل. وأمّا إذا لم يكن شديد التعلق والإهتمام بهذه الأمور، فإن هدوء النفس والطمأنينة الحاصلة من ترك حب الجاه والمقام وتفرعاتها تمنع النفس من أن تخطو خطوات تخالف العدالة والرويّة. إنّ الإنسان البسيط وغير المتكلف يتحمل المنغصات ولا تتقطع حبال صبره، فلا يستولي عليه الغضب المفرط في غير وقته. أما إذا اقتلع جذور حب الدنيا من قلبه اقتلاعاً، فإنّ جميع المفاسد تهجر قلبه وتحل محلها الفضائل الأخلاقية السامية. 2- الجهل والاشتباه في فهم الكمال: فقد يظن الإنسان بسبب جهله وقلة معرفته أنّ الغضب وما يصدر عنه من سائر الأعمال القبيحة والرذائل السافلة، كمالاً، فيحسب الغضب من الفضائل، ويراه بعض الجهّال فتوّة وشجاعة وجرأة، فيتباهى ويطري على نفسه في أنّه فعل كذا وكذا، ويحسب هذه الصفة الرذيلة المهلكة شجاعة! هذه الشجاعة التي تكون من أعظم صفات المؤمنين، وأشرف الصفات الحسنة. فإذا تعلّم الإنسان وعرف أنّ الغضب ليس شجاعة، عرف أنّه نقص وليس كمالاً، وينبغي التخلص من هذا العيب والابتعاد عنه، لا التباهي به.   - الفرق بين الغضب والشجاعة: هناك فرق كبير جدّاً بين الغضب والشجاعة، إما من جهة المنشأ والأسباب أو من جهة الآثار والنتائج: - فعلى مستوى المنشأ والأسباب: إنّ مبدأ الشجاعة هو قوة النفس والطمأنينة والاعتدال والإيمان وقلة المبالاة بزخارف الدنيا وتقلباتها. أما الغضب فناشئ عن ضعف النفس وتزلزلها، وقلة الإيمان، وعدم الاعتدال في المزاج وفي الروح، وعن حب الدنيا والاهتمام بها، والتخوف من فقدان اللذائذ البشرية. لذلك تجد هذه الرذيلة مستحكمة في المرضى أكثر مما هي في الأصحاء، وفي الصغار أكثر مما هي في الكبار، وفي الشيوخ أكثر مما هي في الشبان. ومن كانت فيه رذائل أخلاقية أسرع إلى الغضب ممن فيهم فضائل أخلاقية، إذ يكون البخيل أسرع في الغضب من غيره إذا تعرض ماله وثروته للخطر. فالشجاعة إذن على عكس الغضب تماماً من جهة المنشأ والأسباب. - وعلى مستوى الآثار والنتائج: فالغاضب وهو في حال ثورة غضبه، يكون أشبه بالمجنون الذي فقد عنان عقله، ويصبح مثل الحيوان المفترس الذي لا تهمّه عواقب الأمور، فيهجم دون تروٍّ أو احتكام إلى العقل، فيسلك سلوكاً قبيحاً، يفقد سيطرته على لسانه ويده وسائر أعضائه، وتلتوي شفتاه في هيئة قبيحة بحيث أنّه لو أعطي مرآة لخجل من صورته التي يراها فيها. إنّ بعض أصحاب هذه الرذيلة يغضبون لأتفه الأمور، يغضبون حتى على الحيوانات والجمادات، ويلعنون حتى الريح والأرض والبرد والمطر وسائر الظواهر الطبيعية إذا كانت على خلاف رغباتهم. أما الشجاع فهو بخلاف ذلك تماماً، فأعماله لا تكون إلا عن روية ووفق ميزان العقل وطمأنينة النفس. يغضب في محل الغضب، ويحلم في محل الحلم، لا تهزه الأمور التافهة ولا تغضبه، وإذا غضب، غضب بمقدار، وينتقم بعقل، ويعرف كيف ينتقم ومتى وممن، وكيف يعفو ومتى وممن، وفي حال غضبه لا يفقد زمام نفسه، ولا يبادر بالكلام البذيء، ولا بالأعمال القبيحة، ويزن كل أعماله بميزان الشرع والعقل والعدل والإنصاف، ويخطو خطوات لا يندم عليها بعد ذلك. فعلى الإنسان الواعي أن لا يخلط بين هذا الخلق الذي يتصف به الأنبياء والأولياء والمؤمنون، ويعد من الكمالات النفسية، وبين الخلق الآخر الذي هو من النقائص والصفات الشيطانية ومن وسوسة الخنّاس.

ارسال التعليق

Top