• ٢٢ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٨ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

لا لـ«قضية العنف ضدّ المرأة»

عمار كاظم

لا لـ«قضية العنف ضدّ المرأة»

تعدّ ظاهرة العنف كنوعٍ من أنواع السّلوك البشريّ، ظاهرةً قديمةً قدم الإنسانيّة، ولها تفسيراتها المتعدّدة، ورغم الخطى الواسعة نحو التقدّم والازدهار في شتّى ميادين الحياة، إلا أنّنا لازلنا نشهد سيادة منهج العنف والسّلوك العدوانيّ بين البشر، فالعنف سلوك أو فعل إنسانيّ يتّسم بالقوّة والإكراه والعدوانيّة، صادر عن طرف قد يكون فرداً أو جماعةً أو دولة، وموجّه ضدّ الآخر بهدف إخضاعه واستغلاله في إطار علاقة قوّة غير متكافئة، ما يتسبَّب في إحداث أضرار مادية أو معنويّة لفرد أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة أخرى.

والعنف ضدّ النّساء هو أحد مظاهر العنف عموماً، وهو لا يقتصر على مكانٍ أو زمانٍ محدّدين، فهو ظاهرة عامّة لكافّة الطبقات المجتمعيّة والثقافيّة، وهو أسلوب معتمد في التّعاطي مع المرأة لدى المجتمعات النّامية والمتطوّرة، فعلى مرّ التّاريخ، وفي كلّ مكان، تعرّضت المرأة وتتعرّض لعنف المجتمع والأسرة والرّجل، كنتيجة للعلاقات غير المتكافئة بين الرّجل والمرأة في الأسرة والمجتمع على السواء.

قضية «العنف ضدّ المرأة»، مشكلة إنسانية اجتماعية، يهتم بها العالم، وتتحدث عنها أغلب المؤتمرات، باعتبار أن المرأة في أغلب المجتمعات هي العنصر الضعيف - جسدياً واجتماعياً وسياسياً - ولا سيما في المجتمعات الشرقية والإسلامية خصوصاً، وهي تُعتبر - من حيث نريد أو لا نريد، أو نشعر ولا نشعر - إنساناً من الدرجة الثانية. الواقع الموجود بالنسبة إلى المرأة يبدأ في اضطهاد الأب أو الأم أو الأخ للفتاة، بأن تُجبر على الزواج ممّن لا تريد، وإذا امتنعت عن ذلك فإنّها تُهدد بالضرب والحرمان من كثير من حقوقها، فالذين يتولون زواج البنات هم الآباء والأمهات، أما الفتاة فليس لها رأي - غالباً - في الزواج، هذا نوع من العنف المعنوي والذي قد يتحوّل إلى عنف جسدي.

بينما يشكّل الرّفق منهجاً مركزيّاً في الإسلام، يكتسب الأولويّة على العنف الذي لا ينبغي أن يتحرّك إلّا في حالاتٍ استثنائيّةٍ قد تقتضيها ضرورة التربية أو ردّ العدوان. وقد جاء عن النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسام): «إنّ الرّفق لم يوضع على شيء إلّا زانه، ولا نزع من شيء إلّا شانه»؛ وهذا المنهج عامٌّ لكلّ العلاقات الإنسانيّة، من دون فرقٍ بين رجلٍ وامرأة، أو صغيرٍ أو كبير.

لذلك وضع الإسلام للعلاقة بين الرّجل والمرأة في الحياة الزوجيّة والأسرة عموماً، قاعدةً ثابتة، وهي قاعدة «المعروف»، فقال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء/ 19)، وقال تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة/ 229)، حيث يُمكن أن تشكّل قاعدةً شرعيّةً يُمكن أن تنفتح على أكثر من حُكمٍ شرعيّ يُنهي الزّواج إذا تحوّل ضدّ «المعروف».

من هذا المنطلق، فإنّ الإسلام لم يبح للرّجل أن يمارس أيّ عنفٍ على المرأة، سواء في حقوقها الشرعيّة التي ينشأ الالتزام بها من خلال عقد الزّواج، أو في إخراجها من المنزل، وحتّى في مثل السّبّ والشّتم والكلام القاسي السيّئ، ويمثّل ذلك خطيئةً يُحاسب الله عليها، ويُعاقب عليها القانون الإسلامي. أمّا إذا مارس الرّجل العنف الجسديّ ضدّ المرأة، ولم تستطع الدّفاع عن نفسها إلّا بأن تبادل عنفه بعنف مثله، فيجوز لها ذلك من باب الدّفاع عن النفس. كما أنّه إذا مارس الرّجل العنف الحقوقيّ ضدّها، بأن منعها بعض حقوقها الزوجيّة، كالنّفقة أو الجنس، فلها أن تمنعه تلقائيّاً من الحقوق الّتي التزمت بها من خلال العقد.

وفي الختام، الله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، ومن أفضل الإحسان أن يحسن الإنسان إلى عياله وزوجته، وقد ورد في حديث الإمام الصادق (عليه السلام): «اتقوا الضعيفين، اليتيم والنساء»، وورد في حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله»، فخير الناس من يعيش أهله معه في كرامة وعزة. وعلينا كمسلمين أن نكون السبّاقين إلى كلّ مؤتمر يرفع شعار العنف ضد المرأة، لأنّ الإسلام كان السبّاق في رفض العنف كلّه ضد المرأة، وعلينا أن نتقي الله في ذلك، لأنّنا سنقف أمام الله يوم القيامة من أجل أن يحكم بين العباد، وشعار يوم القيامة: «لا ظلم اليوم».

ارسال التعليق

Top