• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

لهذه الأسباب يرفض طفلكم الطعام

لهذه الأسباب يرفض طفلكم الطعام

الكثير من الآباء يشعرون بالقلق إزاء رفض أطفالهم تناول الطعام. وغالباً ما تقتصر المشكلة على قلق مبالغ فيه من قِبَل الوالدين، ليس إلا. لكن في بعض الأحيان، يخفي هذا الرفض اضطراباً نفسياً حقيقياً. إليكم خلفيّات مرض فقدان الشهية لدى الأطفال.

من الشائع أن يُستشار أطباء الأطفال من قبل أمهات قلقات يشعرن بالخيبة والتكدّر، اقتناعاً منهن بأن أطفالهنّ لا يأكلون بما يكفي . في الواقع، يكون هؤلاء الأطفال في جميع الحالات تقريباً، طبيعيّين إنما لديهم احتياجات أقل من المتوسط، في حين يملك أهلهم قناعة حول المعدّل الطبيعي الذي يجب أن يستهلكه الطفل، ويريدون فرضه، بكل نيّة طيّبة، على أولادهم. لكن كلما أجبر الطفل على تناول المزيد من الطعام، زاد اسمئزازه من الأكل، الأمر الذي يؤدي بالأهل حكماً إلى مضاعفة ضغوطهم لدفعه إلى تناول الطعام. هذه هي بالتحديد الحلقة المفرغة التي يجب على الأهل تعلُّم كيفيّة الانعتاق منها.

 

لا تُجبروا الطفل على الطعام:

إجبار الطفل على تناول الطعام يعني عدم أخذ رغباته، ومُعاناته، وحاجاته الفعليّة في عين الاعتبار. عندما يلعب الطفل بالخضار الموضوعة في صحنه على مضض، مُعبّراً عن رغبته في عدم تناول الطعام، نُسارع إلى إقناعه مثلاً بعبارة: "ملعقة لبابا"، أو نلعب معه لعبة الطائرة بواسطة الملعقة. لكن هل يتبادر إلى أذهاننا أن نسأل: لمَ لا يأكل هؤلاء الأطفال، من دون اعتراض ومشاكل، ما يوجد في صحونهم؟ من الواضح أنّه إذا كان الطفل لا يأكل "جيداً"، فهناك سبب ما. في الواقع، قد تخفي هذه الأعراض الغذائية، اضطرابات نفسية تتعلق في الكثير من الأحيان باختلال العلاقة بين الأُم والطفل أو بمشاكل نفسية أخرى.

العلاج المبكر لاضطرابات الأكل مهم للغاية لرعاية صحة الطفل. وهناك العديد من العلاجات المتوافرة حالياً. بعضها يشمل الأدوية المضادة للاكتئاب، والاستشفاء، والعلاج النفسي الفردي، والعلاج الأسري. والتعلّم الاستجابي، وإعادة الهيكلة المعرفية. بعد الاستشارة الطبية، يمكن للأهل تحديد العلاجات الأكثر فعالية لحالة الطفل.

 

عندما يتحوّل الرفض إلى مرض:

من الملاحظ في السنوات الأخيرة ارتفاع عدد الأطفال المصابين بمرض فقدان الشهية (Anorexia) على نحو مُثير للقلق، بحسب تقارير الأطباء. هل يجدر بنا إلقاء اللوم على مجتمع يقوم بتمجيد الشكل الخارجي والنحافة بصورة مُبالغ فيها؟ طبيبة الأطفال النفسية ماري فرانس لوهوزي، تشرح وجهة نظرها: الصيف الماضي، دَقّ الأطباء البريطانيون ناقوس الخطر، بناء على ملاحظاتهم التي جمعوها بين العامين 2009 و2011، حيث شهدوا نحو 98 حالة لفتيات تتراوح أعمارهنّ بين الـ 5 والـ7، تم نقلهنّ إلى المستشفى بسبب اضطرابات الأكل، بما في ذلك مرض فقدان الشهية. الأمر المقلق هو زيادة نسبة إصابة الأطفال بهذا المرض، لاسيّما صغار السن. "فقبل 20 سنة، كان مرض فقدان الشهية المبكر استثنائياً. أما اليوم، فيستقبل قسم الأطفال في المستشفى الذي أعمل فيه أطفالاً في السابعة والثامنة من العمر كلّ شهر، وهم يُعانون تداعيات مرض فقدان الشهيّة". وتأكيداً على ذلك، تستشهد لوهوزي بحالة عالجتها لطفلة في السابعة من العمر، وأخرى لصبي في التاسعة، وفتاة في الثانية عشرة من العمر، والتي عانت أولى علامات الاضطراب وهي في السادسة من العمر.

 

الأطفال ضحايا النحافة

في السنوات الأخيرة، باتت الممثّلات والعارضات وغيرهنّ من الشهيرات، يُتَّهمن بإعطاء نموذج سيئ للمراهقات، بمقاساتهنّ الصغيرة، وعظامهنّ البارزة، وسيقانهنّ التي تشبه الأغصان. فهل أصبحت فتيات هذا العصر ضحايا طغيان "الهاجس بالمقاسات الصغيرة"؟ إذا كان تأثير ذلك غير مباشر، كما تقول د. لوهوزي، فمن الواضح أنّ الفتيات يتشرّبن باكراً هذه الثقافة القائمة على تمجيد الصورة، في ظلّ اختفاء الحدود بين الأجيال، أكثر فأكثر. توضح الطبيبة الفرنسية بقولها: "إنّ موضة الفتيات الصغيرات تبدو شبيهة بموضة الشابات. حتى إنّ هناك صالونات تجميل ومنتجعات خاصة بالفتيات الصغيرات. في الواقع لقد بتن في أعمار مبكرة يُولين مظهرهنّ المزيد من الاهتمام، بما في ذلك نحافتهنّ.

وتشير د. لوهوزي إلى أنّ الأطفال، الذين يحضرون للإستشارة وتلقّي العلاج، لا يُعبّرون بوضوح عن رغبتهم في إنقاص أوزانهم، ولكنهم يشكون "آلاماً في المعدة"، و"الخوف من التقيّؤ"، وهي السلوكيات نفسها التي يتبعها الأكبر سناً حين يعمدون إلى تجويع أنفسهم لإنقاص الوزن: "ينتقون الأطعمة، يبصقونها في الخفاء، يبقون غالباً في وضعية الوقوف، وفي حركة مستمرة، يرتدون ملابس خفيفة ليشعروا بالبرد، بالتالي، ليحرقوا المزيد من الطاقة".

 

الأهل متهمون أيضاً..

قبل رَجم النجوم ووسائل الإعلام بحجارة الاتهام، لإغراق الأطفال بمفهوم غير صحي عن النحافة، يجب على الأهل أوّلاً الانتباه إلى ما يحصل تحت أسقف بيوتهم، وتحديداً على موائدهم. لأنّ النموذج الأوّل الذي يحتذي به الأطفال، ليس غير الآباء والأُمّهات أنفسهم. تقول د. لوهوزي: "اليوم، يسعى الكثير من الرجال والنساء خلف النحافة، فيصابون بالأرثوروكسيا (Orthorexia) (وهو اضطراب يتميّز بالانشغال الشديد أو المفرط بتجنّب الأطعمة التي يُنْظَر إليها على أنّها غير صحّية)، ويُصبحون مهووسين بتناول الطعام الصحي. ونتيجة لذلك، فإنّهم يخضعون أولادهم لمراقبة غذائية صارمة في سن مبكرة، فيتشرب الأطفال الرسائل المتأتية من القيود الغذائية التي يفرضها أهاليهم، والتي مفادها: "لأجل صحتك، لا تأكل الأطعمة الدهنية والحلوة.. إلخ..".

 

تعبير عن عدم الرضا

إذا كان الهوَس بالنحافة، والمناخ العام الذي تفرضه رقابة الأهل الصارمة على الأغذية لها نصيبها من المسؤولية، فإنّها لا يمكن أن تفسر ازدياد إصابة الأطفال الأصغر سناً باضطرابات الأكل. تقول د. لوهوزي: "إنّ أسباب فقدان الشهية غير معروفة، فهذا المرض هو أكثر تعقيداً مما يبدو، وقد تكون له عوامل متعددة. لهذا السبب من الصعب جدّاً علاجه". الاستعداد الوراثي، والعوامل البيولوجية التي ما زلنا نجهل تأثيراتها، والطفولة المبكرة، والخلل في العلاقات الأسرية، والصدمات النفسية (طلاق، وفاة في الأسرة..)، كلها عوامل يمكن أن تتشابك مع بعضها بعضاً، وتشارك في حدوث هذا الاضطراب الخطير. وكلّ حالة من فقدان الشهية مختلفة عن الأخرى.

 

متى يجب أن تقلقي؟

يحدث كثيراً أن يرفض طفلك أن يأكل، لأنّه يشكو ألماً في الحلق أو البطن أو الرأس.. ولكن متى يجدر بك أن تقلقي؟ "من دون تحويل الحادثة إلى دراما، يجدر بك أن تفتحي عينيك"، هذا ما تنصح به تنصح د. لوهوزي. فطفل يرفض طعاماً كان يحبه من قبل، ويبدو نقاقاً في اختيار ما يأكله، ويأخذ حصته من الأكل الذي يحبه، لكنه يعطيه إلى رفاقه، ويتخلص من الزبدة على الخبز المحمّص الخاص به، ويمارس المزيد من الرياضة، هي في الواقع إشارات ينبغي التنبُّه إليها. أما الدليل الآخر على إصابة ولدك بمرض فقدان الشهية، فهو توقف النمو. إنها إحدى العلامات بل المخاطر الأولى لفقدان الشهية، لا تترددي في التحدُّث مع طبيبك أو طبيب الأطفال الذي يتابع طفلك، وتحديد العلاج الأمثل.

 

لا تيأسي:

إذا كان رفض طفلك الطعام لم يصل إلى مرحلة الاضطراب النفسي، ولا يحتاج إلى مُتابعة مُتخصّص، فلا تدعيه يثبط عزيمتك. لا تستسلمي على الإطلاق في محاولة تأمين تغذية جيدة له. في بعض الأحيان، يريد الأطفال اختبار حدودهم، وأن يعرفوا إلى أي مدى يمكن أن يصلوا. فهم حتى إن كانوا صغاراً في السن، يعرفون جيداً أنهم يحصلون على انتباه أهلهم، إذا صرخوا أو بكوا.. إلخ. وسرعان ما يحاولون اختبار سيطرتهم وقُدراتهم من خلال الأكل. للأسف، إنّ رفضهم الطعام يمكن أن يكون خطراً على حياتهم. لذلك، عليك أن تجدي أنسب وأفضل طريقة لتغذية طفلك من دون إكراهه. تناولي الطعام معه واجعلي الأكل تجربة ممتعة، بسيطة وسهلة، لكي لا تُضيفي إلى نظرته السلبيّة نحو الطعام، بأن تجعلي تناوله تجربة سيئة ومكروهة بالنسبة إليه.

ارسال التعليق

Top