• ٢٠ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

مجتمعنا وعوامل البناء والهدم

أثير السعدي

مجتمعنا وعوامل البناء والهدم
بسم الله الرحمن الرحيم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...) (آل عمران/ 110). ·                 يتكون المجتمع الصالح من أفراد ومن علاقات تشدد هؤلاء الأفراد بعضهم ببعض فتجعل منهم قوة متماسكة ومؤثرة في الأحداث العالمية على كافة مستوياتها الحضارية والمدنية وغير متأثرة بالهزات والعواصف التي تعصف بالمجتمعات. أمّا الأفرد فهم اللبنات التي يتكون منها الهيكل العام لبناء المجتمع وأما العلاقات فهي المفاهيم التي تجعل هذه اللبنات متماسكة مع بعضها البعض وبقدر ما تكون هذه العلاقات طبيعية وملائمة لغرائز الإنسان ومتكفلة لحاجات الأساسية يكون ذلك المجتمع صالحاً وقوياً، وعليه فلا مجتمع صالح قوي بلا علاقات صالحة قائمة بين أفراده جاعلة منهم كتلة واحدة لا يمكن أن تتسرب اليها التجزئة أو يعتريها انفصال وهنا يجب أن ندرك حقيقة ثابتة وهي أن أي تصدع يصيب هذه العلاقات يشل تأثيرها في نفوس هؤلاء الأفراد وان أي إقصاء ولو لبعض هذه العلاقات عن مجال حياة الأفراد العلمي يسبب بالتالي فقدان ذلك التماسك وانفراط ذلك العقد المنتظم والقضاء على تلك الوحدة وانهدام ذلك البناء المتماسك فينقلب ذلك المجتمع المتماسك إلى مجتمع منحل متفسخ وبالتالي إلى مجتمع فاسد. وقد أدرك الاستعمار الكافر هذه الحقيقة. أدركها عندما اصطدم بالمجتمع الإسلامي عندما كانت تحكمه الشريعة الإسلامية في جميع مجالات حياته، وتسوده الأعراف والعادات والتقاليد الإسلامية وهي المقومات الأساسية لبناء المجتمع الصالح فكان المسلمون كالجسد الواحد لشدة تمسكهم بالإسلام وتماسكهم فيما بينهم كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: (مُحمَّدٌ رَّسُول اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ...) (الفتح/ 29)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف/ 4)... وقول النبي (ص): "مثل المؤمنين في توادهم وتعاضدهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): "أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون بالموتى، مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم، إنّ الشيطان يسنا لكم طرفه، ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة ويعطيكم بالجماعة الفرقة الفرقة فأصدفوا عن نزعاته ونفشاته، واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم، واعقلوها على أنفسكم"... هذه هي صفات المجتمع الإسلامي عندما كانت تحكمه الشريعة الإسلامية.. فعندما حاولت أوربا أن تقضي على المسلمين بقوة السلاح أدركت أنها لا تستطيع ذلك ولا شيئاً منه، ما دام المسلمون على هذه الحال من التماسك والتعاون، فقد أدركوا أنّ المجتمع الإسلامي يتكون من أفراد وعلاقات تربط هؤلاء الأفراد مكونة منهم وحدة قوية متماسكة كالبنيان المرصوص وهذه الروابط هي الأحكام الإسلامية والأعراف الإسلامية، فقامت بعدة محاولات للسيطرة على بلاد المسلمين ونهب خيراتهم وهدم كيانهم وتفريق تجمعهم وبعدهم عن دينهم كانت ولا تزال إلى يومنا هذا تمثل سلسلة مترابطة الحلقات ولكن كل واحدة منها تأخذ شكلاً جديداً وطابعاً مغايراً وتختلف بأساليبها ووسائلها عن المحاولات السابقة بقصد أن تنطلي على المسلمون. حيث أدرك الكل أنّ المجتمع الإسلامي إنما حصل على هذه القوة وهذا الصمود بسبب تلك الروابط التي تمثلت بالصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوفاء بالعهد.. تلك العوامل الأساسية التي يقوم عليها مجتمعنا الإسلامي. كما أدرك أن إزالتها أمر يتوقف عليه. ومن الطريف بالذكر أن أحد المبشرين من أعداء الإسلام قال واصفاً الإسلام. "إنّ الإسلام لا يزال صخرة تتحطم عليها جميع جهودنا التي بذلناها لتحطيمه، ولا نتمكن من أداء مهمتنا والوصول إلى غايتنا ما دام في الإسلام أربعة أمور: القرآن ورمضان واجتماع المسلمين في الأسبوع واجتماعهم الأكبر في الحج كل عام". حيث ركز أعداء الإسلام كل اهتماماتهم وجميع إمكانياتهم لهدم عوامل بناء ذلك المجتمع الإسلامي وفصم تلك العلاقات وحل تلك الروابط وإزالة التعاليم الإسلامية من نفوس المسلمين ليعودوا متفرقين متشتتين لا تجمعهم روابط وتربطهم علاقات وبذلك يسهل عليه الاستيلاء عليهم وكم تمكنوا من صهر أمماً بأكملها وإزالة مجتمعات بأكملها ومحوها من قاموس الوجود بهذا الإخطبوط الفتاك. ولا يعني إننا كمجتمع لم نتأثر بمعادلاته هذه فقد وجه ضربته على حين غفلة من المسلمين وخلو الميادين السياسية والقيادية والفكرية من القادة الإسلاميين المبدئيين وبأساليب ووسائل خداعة وبراقة وتحت شعارات زائفة ومواعيد كاذبة فعاد مجتمعنا متصدعاً لضرباته الكثيرة والمتلاحقة وعاد المسلمون وقد أنضوا عدد منهم تحت ألوية تلك الشعارات التي رفعها لهم عدوهم وبقي منهم لا تهمهم سوى أنفسهم ولا يسعون إلا لإشباع لذاتهم وقسم ثالث أحس بهذه اللعبة الماكرة وتيقظ لهذا الخداع المظلل... لقد أحس المسلمون وشعروا أنهم ابتعدوا عن التعاليم الإسلامية والمقومات الأساسية لبناء مجتمعهم. وأنّ هذا الابتعاد هو مصدر محنتهم وسبب ذلهم وتأخرهم، وأنهم لا حياة إلا بالإسلام ذلك وأن هدم ذلك البناء كخطوة أولى لإحلال عوامل الهدم الاجتماعي محلها. والمتمثلة "شرب الخمر والزنا وارتكاب الحرام ونقض العهد والظلم". الإسلام الذي يتولى إدارة شؤون الحياة كلها ويتولى تقاليد الحكم في الأرض كلها كما أرادها الله تعالى. لا الإسلام الذي يقبع في زوايا المساجد أو يكن على سجلات النفوس وخاوياً ذابلاً في الأرض. - وهو ما يؤمل عليه العاملون للإسلام في نجاح مهمتهم وهو ما يبنى عليه دعاة الإسلام أمالهم وأمانيهم لإعادة تحكيم الشريعة الإسلامية في كافة مجالات الحياة... لذلك على من يهمه أمر المسلمين أن يعملوا للإطاحة بآمال وفكر عدوا الإسلام وفسح المجال للعاملين من أجله ليؤدوا رسالاتهم وتهيئة الفرص الأزمة لدعاة الإسلام ومساعدتهم من أجل أداء واجبهم لتفهيم الناشئة والأجيال الصاعدة مهمة هذا الدين في هذه الحياة، وبهذا قد يكونوا أسدوا خدمة عظيمة إلى أنفسهم وإلى وطنهم وإلى دينهم...

ارسال التعليق

Top