• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).. نبيّ الرحمة والهُدى

عمار كاظم

محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).. نبيّ الرحمة والهُدى

قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4). شكّلت حياة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) المثل الأعلى للإنسانية في جميع أحوال الحياة وأوجهها، في السلم والحرب، في الحياة الزوجية، مع الأهل والأصحاب، في الإدارة والرئاسة والحكم والسياسة، في البلاغ والبيان، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المثل الكامل. قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يس: 3-4). فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يفيض رحمة في خلقه وسلوكه وأدبه وشمائله، فلا يمل عبء بلاغ هذه الرحمة إلى العالمين إلّا رسول رحيم ذو رحمة عامّة شاملة فيّاضة طبع عليها ذوقه ووجدانه، وصيغ بها قلبه وفطرته. قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 128). فهو مثل أعلى للرحمة الإلهيّة لذلك وصفه الله تعالى بأنّه رؤوف رحيم يستطيع المؤمنون الاستفادة من الرحمة التي كان يُمثّلها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ذلك لأنّه «بالمؤمنين رؤوف رحيم» ويستطيع الكافرون والمنافقون أيضاً – إلى جانب المؤمنين – الاستفادة من هذه الرحمة كذلك، فعندما قيل له: ادع على المشركين قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي لم أُبعث لعّاناً، وإنّما بُعثت رحمة». فالدِّين الإسلامي هو دين الرحمة والمحبّة والسلام والدعوة إلى الخير، وما عالميّته وتشريعه للقتال والجهاد إلّا أحد مظاهر هذه الرحمة، إذ لا يمكن إيجاد الرحمة كخُلق للأفراد والمجتمعات إلا بدفع الظالم ورفع ظلمه عن المظلومين.

يقول الله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام: 54). ويقول الله تعالى: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 64)، ونحن دائماً نُردّد في أوّل أعمالنا: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: 1). ويقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لمّا خلق الله الخلق كتب عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي سبقت غضبي». فرحمة الله سبحانه واسعة، ولا يعلم مداهاً إلّا هو، فهو القائل سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 156). وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك تسعة تسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق؛ حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ارحم مَن في الأرض، يرحَمك مَن في السماء» و»مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» فالمسلم رحيم في كلّ أموره؛ يعاون أخاه فيما عجز عنه؛ فيأخذ بيد الأعمى في الطرقات ليجنِّبه الخطر، ويرحم الخادم؛ بأن يحسن إليه، ويعامله معاملة كريمة، ويرحم والديه، بطاعتهما وبرّهما والإحسان إليهما والتخفيف عنهما. وفي نفس الوقت حذَّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغلظة والقسوة، وعدَّ الذي لا يرحم الآخرين شقيّاً، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُنْزَعُ الرحمةُ إلا من شَقيّ» وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يرحم اللهُ من لا يرحم الناس».

يقول الشاعر:

ارحم بُنَي جميع الخلق كُلَّهُمُ

وَقِّرْ كبيرَهم وارحم صغيرهم

وَانْظُرْ إليهم بعين اللُّطْفِ والشَّفَقَة

ثمّ ارْعَ كلّ خَلْق حقَّ مَنْ خَلَقَه

ارسال التعليق

Top