• ٢٦ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

منزلة الصديق.. بين تعلق المراهق ورفض الأهل

منير أديب*

منزلة الصديق.. بين تعلق المراهق ورفض الأهل
◄كثيراً ما يشكو الآباء والأُمّهات من أن تأثير البيت منعدم في الأبناء مقابل تأثير أكبر للأصدقاء، فتأثير الصديق في هذه الحالة أكبر وأهم من الأب والأُم، حيث تفاجأ الأسرة بالابن يسمع نصائح أصدقائه ويطيعهم، وتجده لا يطيق نصيحة لوالديه ولا يحب أن يسمع لهم، فإذا أردت أن تتعرف على هذا النوع من الأبناء فعليك أن تتعرف على أصدقائهم لأنهم الأكثر تأثيراً فيهم! نعرض من خلال هذا الموضوع، أسباب تأثير الأصدقاء القوي مقابل تأثير الوالدين الضعيف.   عمر متقارب: في البداية تقول أروى كريم، 19 عاماً طالبة بمدرسة صلاح الدين الدولية بالتجمع الخامس: "أصدقائي لهم منزلة كبيرة عندي، وكثيراً ما أسمع كلامهم، فنحن في عمر متقارب ومتفاهمون لدرجة كبيرة، فضلاً عن كوننا لا نمارس دوراً متسلطاً، ولا يلعب أحدنا دور الواعظ على الآخر". وتضيف: "أصدقائي من الناحية العملية أقرب إليَّ من والدي، فأنا أقضي معهم وقتاً أطول، وبيننا ثقة متبادلة تدفعنا إلى أن نستمع لبعضنا بعضاً، على عكس والديّ اللذين يصدران دائماً النصائح في خطابهما معي".   تواصل فاشل: وتضيف أروى: "والدتي طلبت مني أكثر من مرة التعرف على صديقاتي، وتحاول التقرب مني، ومرات تطلب الخروج معنا ولكنها فشلت في إيجاد حالة من التواصل الحقيقي، ولم تستطع أن تكسب قلبي ربما لعوامل كثيرة تعود لطريقة التربية منذ كنت صغيرة". وأكّدت أروى أنّ الأصدقاء يتمتعون بصفات عدة ربما يفتقدها الأبوان، أوّلها الاحترام المتبادل، فكل صديق لا يتعدى على صديقه فيحترم آراءه ووجهة نظره، ويشاركه في أمور ربّما يختلف معه فيها من باب أنّ هذه وجهة نظره الخاصة التي لابدّ أن تحترم.   صديقتي كاتمة أسرار: تشير الطالبتان ريم كمال وشيرين السعيد بالجامعة الأمريكية، إلى أنهما مرتبطتان بصداقة منذ الطفولة، وكلتاهما كاتمة أسرار الآخرى ومستشارتها في أوقات الأزمات، ولكنهما تحتفظان بعلاقة صداقة قوية مع والديهما، وأنّ هذه العلاقة قائمة على المصارحة والمصالحة، وتعتقد كل من ريم وشيرين أن علاقتهما نموذجية، ولم يحدث أن تضرر منها والداهما بعكس بعض الأبناء الذين يقعون تحت تأثير الأصدقاء ويطيعونهم طاعة عمياء، ووجهتا اللوم إلى بعض الآباء والأُمّهات الذين سدوا الطرق أمام أبنائهم وهدموا جسور الثقة والمصارحة معهم، فاضطر الأبناء إلى البحث عن صدر حنون آخر.   ابتعاد الآباء: يضيف صلاح المعداوي، 21 عاماً طالب بالسنة الرابعة بتجارة القاهرة: "من الطبيعي أن يكون تأثير الأصدقاء أقوى بكثير من تأثير الأبوين لأسباب كثيرة، منها أنّ الأصدقاء هم الأقرب لبعضهم البعض، وأن هناك مساحة من الانسجام والحرية التي تسمح بالمصارحة وعدم الخجل ربما لا تتوافر بين الآباء والأبناء، فضلاً عن أن أعمارهم متقاربة وبالتالي تكون هناك فرصة للتأثير والتأثر فيما بينهم". ويوضح المعداوي أن هناك مشكلات لدى الأبوين تدفع الأبناء إلى أن يتأثروا بأصدقائهم وليس بأبويهما، فالأمر ليس متعلقاً بالأصدقاء وإنما متعلق بالوالدين، فهما أبعد ما يكونان من أبنائهما، فضلاً عن نمط التفكير الذي يبدو مختلفاً، وبالتالي يجعل الأصدقاء أقرب إلى بعضهم من الوالدين.   لابدّ من اكتساب الثقة: ولفت المعداوي إلى ضرورة أن يفهم الآباء أبناءهم ويقتربوا من طريقة تفكيرهم حتى يتم التواصل بينهم، وبالتالي يصبح تأثيرهم أكبر من تأثير الأصدقاء، وهذا الأمر يحتاج إلى مرونة كبيرة وثقة لا تتولد من موقف أو موقفين وإنما مواقف عدة. وأكّد أن حالة الخصام بين الوالدين والآباء غالباً ما يكون سببها تقصير الوالدين، فإذا فشلا في إيجاد حالة التواصل تكون النتيجة أن يصبح الأصدقاء أكثر قرباً وتأثيراً.   الآباء: لا دخل لنا: تعترف هند غريب، أم لثلاثة من الأبناء من القاهرة قائلة: "أبنائي يتأثرون بأصدقائهم لأسباب كثيرة، منها ما أنا مسؤولة عنه ومنها ما لم يكن لي دخل به، مثل تقارب أعمار الأصدقاء أو الأبناء، وهذا يدفع لعلاقة قوية بينهم، فضلاً عن كونهم يقضون وقتاً طويلاً سوياً، أما الأشياء التي لي دخل فيها فهي أنني لم أتواصل معهم بقدر كبير". وتضيف غريب، حالة الحزم التي كنت أتعامل بها معهم في السابق أثبتت فشلها، وبالتالي تفرقنا أكثر، فأفاجأ بأبنائي يحكمون كل صغيرة وكبيرة في حياتهم للأصدقاء، وبالتالي أفاجأ بالتأثير القوي لهؤلاء الأصدقاء.   طريقة خلفية: وتؤكد غريب: "أضطر إلى أن أصاحب أصدقاء أبنائي لأنني أريد أن أترك فيهم أثراً، فاضطر إلى هذه الطريقة الخلفية والتي يكون فيها الأصدقاء العامل المشترك". وأكّدت ضرورة أن يستفيد الآباء بشكل عام من تجاربهم مع أبنائهم فيقتربون منهم أكثر ويزاملون أصدقاءهم.   جعلوه مدمناً: أما تامر مدني، تاجر طيور وأب من منطقة شبرا بالقاهرة فكان اعترافه خطيراً حين قال: "ابني الوحيد شاب مستهتر، تأثير أصدقائه فيه رهيب، بدليل أنهم جعلوه مدمناً للمخدرات وعندما واجهته لم ينكر"، وأضاف مدني أنّه لجأ إلى أحد الأصدقاء فطلب منه أن يصاحب ابنه ويسايره، بل طلب منه أن يشاركه تعاطي المخدرات حتى يثق فيه الابن، وللأسف استمع الأب إلى نصيحة الصديق المضلل، فإذا بالابن يتجرأ على والده ويتجاوز خطوط الاحترام الفاصلة وأصبح يهدده بأن يفضح أمر تعاطيه المخدرات أمام أهله!   رغبة المراهق في التمرد على الوالدين: تقول الدكتورة منال عمر استشاري الطب النفسي: "النمو الاجتماعي لإنسان يمر بمراحل مختلفة، في المراحل الباكرة الأولى أي ما قبل المدرسة يكون الوالدان هما النموذج الأوحد الذي يحتذي به الطفل في كل تصرفاته، بل إنّ الأمر يصل إلى حد التوحد مع الوالد من نفس الجنس". وتضيف عمر: "مع دخول المدرسة الابتدائية ينخرط الطفل في جماعة الأقران أو الرفاق، فيبدأ في قضاء فترات طويلة معهم سواء في المدرسة أو النادي، فيحدث ارتباط نفسي وعاطفي بين الأطفال فيضارع تأثير جماعة الرفاق على الطفل في المرحلة الابتدائية تأثير آبائهم وأمهاتهم عليهم". ولفتت إلى أن بداية المراهقة يظهر فيها ما يسمى بالتمرد على الوالدين والسلطة. وكان يعتقد أنّ التمرد سببه الصراع بين الأجيال أو رغبة المراهق في الحصول على الاستقلال عن الوالدين، وهذا خطأ، حيث إن سبب التمرد هو تصور المراهق أو المراهقة لمواقف مثالية مع عدم القدرة على تطبيقها في الواقع، فهو يتصور الأب المثالي والمنزل المثالي والأم المثالية كما يراها في وسائل الإعلام، ما يجعله يصطدم بواقعه ويتمرد على والديه. وتابعت الدكتورة منال عمر قائلة: "يؤكد الشرع هذا المعنى من خلال قول الرسول (ص): "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل". وطالبت عمر الآباء والأُمّهات بأن يقتربوا من أبنائهم في فترة المراهقة، وأن يدخلوا فيه متسلحين بالمرونة الشديدة والقدرة على احتواء أبنائهم وإشباع حاجاتهم النفسية والاجتماعية قدر الإمكان، مع الابتعاد عن الحدة والعصبية، لأن ذلك سيدفعهم أكثر للبعد عن المنزل والتأثر بجماعة الرفاق.►   *كاتب من القاهرة

ارسال التعليق

Top