• ٧ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٢ | ١٣ جمادى الأولى ١٤٤٤ هـ
البلاغ

مهارات اختيار الصديق

رضا المصري/ فاتن عمارة

مهارات اختيار الصديق
◄أهمية اختيار الأصدقاء في مرحلة المراهقة: قال تعالى: (الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الزخرف/ 67-68). قال (ص): "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" رواه الترمذي، إنّ العزلة والاختلاط لا يمكن أن يكونا وصفين دائمين للإنسان، فليقسّم المسلم وقته بين الخلوة النافعة والاختلاط الحسن، ليخرج من الحالين بما يصلح شأنه كله وقال (ص): "ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه" رواه الطبراني، وروى عن رسول الله (ص) أنّ الله – عزّ وجلّ – قال: "قد حقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتصادقون من أجلي" رواه أحمد.   قل لابنك: ابني الكريم حاسب نفسك وخاطبها: لماذا تصاحب بعض من لا يصلّون، أو قرناء سوء ساهون، أي سعادة تجنيها، وأي فرحة تدنيها، أما علمت أنّ العمر ثمين وأنّ الزمن يسير، قل لي بربك، هل المجالس التي تجلسها ترجو منها نور القبول وثواباً يوم البعث والنشور، ويا ترى هل ستندم على هذه المجالس أو ستفرح بها. إذن: عد إلى الله، واترك قرناء السوء وابحث عمن يعينك في أمور دينك ودنياك، ابحث عن صديق تقي نقي خفي. قال (ص) في الثناء على الإخوة في الدين: "من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه" وروى في الأخبار السالفة أن الله – عزّ وجلّ – أوحى لموسى (ع) "يا ابن عمران كن يقظان وارتد لنفسك أخدان (أصدقاء)، وكل خدن وصاحب لا يؤازرك على مسرتي فهو لك عدو" وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين: رجل تتعلم منه شيئاً من أمر دينك فينفعك أو رجل تعلمه شيئاً في أمر دينه فيقبل منك، والثالث فاهرب منه. وقال بعضهم: الناس أربعة فواحد حلو كله فلا يشبع منه، وآخر مر كله فلا يؤكل منه، وآخر فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يؤخذ منك، وآخر فيه ملوحة فخذ منه وقت الحاجة فقط، وقال جعفر الصادق (ع): "لا تصحب خمسة: الكذاب فإنك منه على غرور وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب، والأحمق فإنك لست منه على شيء يريد أن ينفعك فيضرك، والبخيل فإنّه يقطع بك أحوج ما تكون إليه، والجبان فإنّه يسلمك ويفر عند الشدائد، والفاسق فإنّه يبيعك بأكلة أو أقل منها".   علّمه معايير اختيار الصديق وهي كالتالي: -        المؤمن بالله (عزّ وجلّ). -        البار بوالديه. -        الصادق في النصيحة. -        الأمين كاتم الأسرار. -        صاحب الأخلاق الفاضلة في المعاملة. -        المتوافق في الشكل والعمر. -        الناجح المتقن في عمله.   مطلوب منك مشاركته في اختيار أصدقائه: -        ضرورة اختيار الابن لأصدقائه في ضوء المعايير المتفق عليها. -        التعرف الجيِّد على أسرة أصدقاء الأبناء. -        الاستماع الجيِّد للأبناء حول آرائهم في أصدقائهم ومناقشاتهم في حواراتهم، وهذا يتطلب تعويد الأبناء على المصارحة وعدم الحجر على آرائهم. -        مدح الأصدقاء المتميزين خلقياً وعلمياً بشرط اختيار الابن لهم (هذا أفضل). -        حسن استقبال أصدقاء الابن في البيت ليتم التعرف عليهم بصورة جيِّدة.   أنت أصدق صديق لابنك: عزيزي الأب: صادق ابنك... وهذه وسائل معيّنة لتحقيق الصداقة: 1-    أعطه وقتاً لتسمعه فيه. 2-    استشره في الأمور البسيطة لتعويده الشورى. 3-    اجعل نفسك صديقه الأوّل (اسبق بالمرجعية). 4-    علِّمه معنى الصداقة (الصراحة – الشورى – الحاجة للحوار والحب). 5-    نمِّ فيه التفكير النقدي (أعطه معطيات واجعله يستخرج الحلول). 6-    اجعله يشعر أنك محتاج لتكون صديقه.   الصداقة في سن المراهقة عاصفة تماماً وعميقة جدّاً وأحياناً قصيرة جدّاً: فالمراهق مع تغيراته الفسيولوجية والنفسية يهتم بالانتماء إلى شلة الأصدقاء وهم عادة من نفس الجنس، وتزداد أهمية الأصدقاء به وتكوين علاقات وحيدة معهم، ومن الصعب أن يتخلى عن أصدقائه وزملائه الذين يضع فيهم الثقة التامة فيفضى إليهم بما يعتمل في نفسه من خواطر وأفكار ومشاعر، ويعبر لهم بكل حرية عن خططه وآماله ونزعاته، وهو بدوره يهتم بكل ما يقولون ويحاول أن يتوحد معهم.   يحل مشكلاته بنفسه مع أصدقائه: إنّ المراهق في هذه المرحلة يعتقد أنّه لا يجد فهماً كافياً من الكبار الذين يحيطون به، وأنّ هناك فجوة ثقافية ونفسية واجتماعية بينه وبينهم تقف حائلاً دون أن يفهموه فهماً حسناً. ولأنّ المراهق أصبح يشعر بأنّه كبير فإننا نجد أنّه إذا اختلف مع أصدقائه فإنّه لا يهرع شاكياً لأهله ولكنه يحل مشكلاته معهم بنفسه، والمشكلات بين الأصدقاء من الأولاد أكثر منها بين الصديقات من البنات إذ أنّ البنات صداقاتهنّ أعمق وعلاقاتهنّ أكثر ارتباطاً. والخلافات بين الأصدقاء في هذه السن أحياناً ما تكون بلا سبب كبير، والمعارك مع الأصدقاء قد تكون أحياناً ضد صفة (كذب – غش – جشع) أو تصرف (مزاج ثقيل – كلام جارح) كثيراً ما يعمله المراهق نفسه أي أنها ثورة على ما يعلم أنّه أخطأ فيه هو نفسه. ورغم ما قد يصيب المراهق في معاركه مع الأصدقاء من جرح لعواطفه وغروره إلا أنها تعلم المراهق تحمل الألم النفسي ومعايشته كتدريب على ما سيقابله في حياته مستقبلاً.   الصداقة وسيلة المراهق للخلاص من ارتباطه بالأهل ومحاولة للاستقلال: إنّ الطفل المراهق المتعلق بأهله يصبح له صداقات صحيحة مع زملائه من نفس الجنس كوسيلة للخلاص من ارتباطه بالأهل، وهذه المحاولة للاستقلال قد تغضب الأهل أو تشعرهم أنهم غير مطلوبين، دون إدراك أنّ عواطف المراهق تتحرك في اتجاهات مختلفة متناقضة بسرعة عظيمة، فمن حب شديد وتعلق بالوالدين إلى غضب شديد منهما لأمر أصدراه أو تحذير منهما إلى شعور بالذنب لهذا الغضب، وهذه العواطف المتبادلة يجب أن يضعها الأهل في اعتبارهم عند معاملتهم للمراهق وأصدقائه.   أهمية الصداقة للمراهق ودور الأهل: الصداقة عموماً لها أهمية كبيرة في حياة المراهق، وفي ثقته بنفسه فهي تعطيه ذلك الإحساس بحب الناس له، وهو مطلوب ومرغوب لذاته. والمراهق في ذلك يقلد الأهل في صداقاتهم وتعاملهم مع أصدقائه أنفسهم، وحتى لو كان يعترض على تصرفات الأهل أو ينقدها لهم فإنّنا نجده يتصرف نفس التصرفات مع أصدقائه، ولذلك يجب أن تكون تصرفات الأهل أمام المراهقين على أفضل مستوى وبالطريقة التي يرغبون في أن يتصرفوا بها. ويجب أن يلاحظ اختلافه مع أصدقائه، فإنّ الخطأ أن يؤخذ جانب الابن دائماً والوقوف في صفه بغض النظر عن مسؤوليته في هذه الخلافات، وهل هو على حق في تصرفاته أم لا، ولكن يجب أن تكون تصرفات الأهل إلى جانب الحق ومواجهة المراهق برأيهم وشرح موضع الخطأ، وبذلك يهيأ نفسياً لتكوين الشخصية التي سيواجه بها المجتمع بحيث يجب ألا يحس أنّ خلافاته مع أصدقائه مأساة ضخمة وإنما هي إحدى مشكلات الحياة اليومية.   وهناك بعض الإرشادات إلى الآباء والأُمّهات في معاملة المراهقين، منها: -        السماح للأبناء باختيار الأصدقاء وبدون تسلط مع الحرص على الانتقاء الجيِّد للأصدقاء. -        عدم التدخل المتعسف في اختيار نوع التعليم أو المهنة. -        عدم التفرقة في المعاملة فيما يتعلق بالحكم على سلوك الولد أو البنت فلكل احترامه وقيمته. -        مساعدة المراهق بقدر الإمكان على المشاركة في النشاط الاجتماعي. -        احترام قدراته وعدم التقليل من شأنها. -        دعم حق الخصوصية أي احترام حاجياته الخاصة، وتجنب المواقف التي تخدش حياءه. -        تعويده تحمل المسؤولية وإتاحة الفرصة له لممارستها حتى يتعلم كيف يخدم نفسه ويخدم البيئة المحيطة به. -        تغذية الشعور الديني لديه، فالدين صيانة للمراهق من الوقوع في الخطأ وحماية لعواطفه من الجموح، ومن هذا المنطلق فإنّ الحرص على تغذية شعور المراهق دينياً من الأمور الضرورية التي تجعله يتجنب عوامل القلق والتوتر النفسي، وتدفعه إلى الصراط المستقيم.   البحث عن الدوافع الكامنة وراء اختيار الصديق من الممكن أن تتبلور في بعض العوامل الآتية: -        الإحساس بضرورة الزمالة، لأنّ الصديق يسرى عن النفس ويدخل البهجة والسرور بمشاركته وتفاعله مع صديقه من خلال أفكاره وخبراته ونشاطه ومشاركته الفعالة. -        وجود الميول المشتركة، وهنا يبدأ التعاطف والتناغم، لأنّ الميل المشترك سواء كان في لعبة رياضية، أو عمل فني، كأن يكون رسماً أو تصويراً أو أشكالاً يدوية فنية، كل هذه المناشط توجد رابطة بين الناس، وبطبيعة الحال من خلال تلك المناشط وغيرها يعمل الأصدقاء معاً لتحصيل أهداف مشتركة، حيث يجمعون طاقاتهم وهوايتهم في أعمال تعبر عن تفاعلهم وتبرز طاقاتهم وقدراتهم. -        الاستعداد للعطاء والتعاون من أهم الملامح السلوكية التي تعمل على تكوّين الصداقة وتدعيمها، فهناك من الأصدقاء من يلم به مرض؛ فعلينا أن نعلّمه فن التعاطف من خلال عيادتنا له، فيشعر بالبذل والعطاء، فهناك دائماً من يحتاج إلى همتنا ومساعدتنا فننهض معه وبه ونقدم له كل ما يحتاج إليه. -        المشورة والاستفادة من الخبرة الملائمة من الأمور المهمة في أمر اختيار الأصدقاء، فيُعرف المرء من صديقه، إنّ اختيار الصديق لابدّ أن يعتمد على الاستفادة المعنوية وتقديم المشورة الصادقة والنصيحة المخلصة لكي تتم الإفادة وتدعيم أواصر المحبة. -        الحرص على أن يكون الصديق متقدماً وفائقاً، وهنا يتجلى الحب والصدق في الصداقة في أبهى صورة، حيث يفرح الصديق الحميم بما يحرزه صديقه من تقدم وارتقاء، بل هو قوة دافعة لصديقه لكي يحرز هذا التقدم، فلا خير في صديق لا يتمنى لصديقه كل التقدم والازدهار. -        ليس من الضروري أن يكون الصديق نسخة طبق الأصل من صديقه، لأنّ هذا التطابق أمر عسير، ولكن الذي نؤكده أن تكون هناك عوامل مشتركة نختار على ضوئها الأصدقاء، فنعجب بصفات نفخر بأنها متوافرة لدينا، ونسعد عندما نجد الهوايات مشتركة، أو الأذواق متجانسة، أو التطلعات المهنية في المستقبل مشتركة وواحدة. -        الحرص على التشابه في مبادئ الحياة والمعايير الخلقية، وإذا كنا لا ننشد التطابق القائم بين الصديق وصديقه، إلا أنّنا نؤكد ضرورة أن تكون مبادئ الحياة وما تتطلبه من مستويات خلقية من الأمور التي يقوم عليها اختيار الأصدقاء، فنحن في حاجة ماسة إلى أن تكون المبادئ الدينية والمعايير الأخلاقية سياجاً واقياً لتدعيم أواصر الصداقة، فمن المؤكد أننا لا نرغب إطلاقاً في أن نصادق من يغش الناس أو يكذب عليهم، أو صاحب السمعة السيئة.   مشكلة المراهق مع الأصدقاء: الصداقة الصحيحة والسيئة: ينسب الأهل – بحكم حبهم لابنهم المراهق – كل التصرفات التي لا تعجبهم إلى أصدقاء السوء لأنّه في نظرهم ما زال ذلك الطفل أو الطفلة منذ سنوات مضت، ولا يسأل الأهل أنفسهم أبداً لماذا ينقاد الطفل ويتأثر بالصحبة السيئة؟ لماذا يطيع أفكارهم الشريرة؟ والواقع أنّ كل المراهقين متمردون بطبيعة نموهم. والتصرفات السيئة التي لا تعجب الوالدين إنما هي صورة من صور ذلك التمرد، ولذلك إذا وجد المراهق نفسه ضمن مجموعة من الأصدقاء تشجعه وتعطيه المساندة بل الإعجاب بأعماله الجريئة (فالغش براءة، والسرقة فهلوة، واضطهاد الأطفال الصغار فتونة، ومعاكسة البنات فتاكة). فالمراهق الذي يستمع إلى والده وهو ينصحه بعدم الغش في الامتحان وهو يرى أنّ ذلك الوالد التاجر مثلاً يباهي بغشه للزبائن لا يمكن أن يقتنع، وما فائدة الحديث عن النعيم والجحيم والحلال والحرام والسرقة وعقوبتها عند الله والقانون، وهو يرى الأسرة تتفنن في سرقة التيار الكهربائي، وتعتبر أنّ ذلك شطارة، إلخ. ولذا فالمثل الجيِّد الذي يضربه الأهل للمراهق له أهمية كبيرة في إقناعه بصدق نصائحهم وأهميتها، ومن ثمّ تكون هناك مصداقية وقدوة بالطريق غير المباشر يساعد المراهق على أخذ الطريق الصحيح من النواحي السلوكية وغيرها.   كلمة عن الصداقة للأب: 1-    تخير أصدقاءك بحكمة لأنّ أطفالهم سوف يجتمعون بأطفالك، لقد أسس كثير من الآباء والأُمّهات حياتهم وحياة أبنائهم الاجتماعية حول المساجد ودور تحفيظ القرآن. 2-    إذا تخير ابنك صديقاً مشكوكاً في سلوكياته، قم بصنع مهارات التواصل الخاصة بك كي تعبر له عن قلقك (وليس انزعاجك)، من مشاكل محتملة في حياته الاجتماعية، أو أنك تحاول أن تسيطر عليه، وذكّره بأنّك كنت في مثل سنه في يوم من الأيام، لذلك فأنت تعرف إلى أين تقود مثل هذه الصداقات، وكما يقول الكاتب سام أيونج: على الآباء والأُمّهات الذين يتعجبون إلى أين تذهب الأجيال الصغيرة أن يتذكروا من أين أتوا. 3-    عبّر بهدوء عن اعتراضك على صديق ابنك الجديد، تذكر أنّه أياً كان الشيء الذي تعترض عليه فقد يكون هو نفسه الشيء الذي جذبه إلى هذا الصديق من البداية، كن محدداً فيما تقول، وحدثه عما قد يحدث من مثل هذه العلاقة، أو – وهو الأفضل – أخبره عما حدث لشخص تعرفه وأنت في مقتبل حياتك، وهذا ما فعله أحد الآباء. 4-    إذا أعربت عن مخاوفك ثمّ تراجعت لبعض الوقت لتراقب ما يحدث، قد ترى هذه العلاقة وهي تتهاوى من تلقاء نفسها، لأنّك اكتسبت احترام ابنك المراهق بعدم محاصرتك لهذه الصداقة وتشهيرك بها، الأمر الذي كان سيدفع ابنك للدفاع عنها. 5-    إذا لم ينفع شيء من الأمثلة السابقة في التأثير على ابنك كي يبتعد عن هذا الصديق السيئ، فلا مفر من أن تضع حدّاً فاصلاً، فتقول: غير مسموح بمصادقة هذا الصبي سيئ السلوك، وغير مصرح له بالتواجد في منزلك، هكذا في جملة تامة. 6-    علّم ابنك أن يستخدم عبارة معروفة جدّاً هي: "قل لا وحسب"، قد لا يكون هذا سهلاً لغالبية الأبناء لكنها بداية جيدة؛ هل سيهجر الأصدقاء هذا الشاب الذي يبدى سلوكاً مستقيماً؟ إذا فعلوا هذا، سيكونون هم الخاسرين. 7-    ساعد ابنك على النظر إلى ضغوط الرفاق على أنها وهم وتضليل.   هل تريد المراهق نسخة منك: إنّ المراهقين حيارى يبحثون عن هوية، فهم أطفال، وما عادوا أطفالاً، وهم بالغون رغم أنهم ليسوا كذلك بعد، ومع انشغالهم بالبحث عن هوية، فإنّهم يتجاوزون الآباء والأسرة إلى أصدقاء المدرسة وأبطال الأفلام والمجلات ونجوم الغناء للإجابة عن تساؤلاتهم الخاصة بما يحبون وما يقولون وما يرتدون، ونوعية تصفية الشعر، وما هو ظريف وما ليس كذلك. وفي اعتقادي أنّ كثيراً من الآباء يريدون أن يكون أبناؤهم المراهقون نسخة منهم، مما دعا أحد الأشخاص إلى القول بأنّ إنجاب الأطفال هو قمة النرجسية، فهم يريدون ابناً يكون نسخة منهم، فيفكر مثلما يفكرون، ويوفيهم التبجيل، ويأتمر بأمرهم طيلة سنوات حياتهم. ولكن عندما ينزع أولادهم إلى التحرر من سيطرتهم، فهنا تكون الصدمة، لدرجة أنّهم يبغضون فكرة بلوغ أبنائهم وبناتهم سن المراهقة، وتنتابهم فكرة تحول أطفالهم الظرفاء إلى وحوش.   همسة في الأذن: بيوت كالفنادق: بعض البيوت حالها كالفنادق لا يكاد قاطنوها يعرف بعضهم بعضاً، وقلما يلتقون. بعض الأولاد يأكل متى شاء وينام متى شاء، ويتسبب في السهر ومضيعة الوقت، وإدخال الطعام على الطعام، وهذه الفوضوية تتسبب في تفكك الروابط، واستهلاك الجهود والأوقات، وتنمي عدم الانضباط في النفوس، قد يُعذر أصحاب الأعذار، فالطلاب يتفاوتون في مواعيد الخروج من المدارس والجامعات، ذكوراً وإناثاً، والموظفون والعمال وأصحاب المحلات ليسوا سواء، ولكن ليست هذه الحالة عند الجميع، ولا أحلى من اجتماع العائلة الواحدة على الطعام، واستغلال الفرصة لمعرفة الأحوال والنقاشات المفيدة، وعلى رب الأسرة الحزم في ضبط مواعيد الرجوع إلى المنزل، والاستئذان عند الخروج، خصوصاً للصغار – صغار السن أو صغار العقل – الذين يُخشى عليهم.►   المصدر: كتاب مراهقة بلا إرهاق

ارسال التعليق

Top