• ٦ أيار/مايو ٢٠٢١ | ٢٤ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

نقد النقد والتواصل مع الذات والآخر

سهيل فرح

نقد النقد والتواصل مع الذات والآخر
التواصل هو العمليّة الأساسية المكوِّنة لكل ثقافة. ذلك لأنّ التواصل بين الإنسان وذاته، بينه وبين الآخر هو الذي يحدّد معالم تفكيره وسلوكياته. والتواصل مع الذات والآخر يشمل اللغة المكتوبة والشفهية، الفنون، التفاعل العقلي والسلوكي العام بين البشر. وكل عملية للتواصل بين الذات والآخر يتمّ فيها تبادل للدلائل بين مرسل ومتلقّي عبر خطاب شفهي ومكتوب. وكل معنى للأشياء لا يمكن تحديده مالم نتواصل. وبهذا المنحى فإنّ التواصل يحدّد معاني الأشياء ويميّزها. ولما كان التواصل يتم عبر كلام ومعانٍ وسلوكيات فإنّه يحدّد شكل ومضمون الوعي الذي يحمله صاحبه لذاته وللآخر. ولما كان وعينا لحاضرنا وماضينا ومستقبلنا يمرّ بحقبة تاريخية متشابكة الخيوط والتعقيدات، أقلّ ما يقالُ عنه بأنّه وعي يجتر في الكثير من الأحيان ما قاله سلفه المحلي عن ذاته وما يقوله جاره الغربي عن نفسه والعالم، فإنّه وعي يفتقر إلى عنصري الإبداع والعقلانية المنفتحة. ذاك الوعي يشرف على صياغته ثلاثة تيارات لكل منها مرجعياته ونصوصه وخطابه. كل منها يكاد ينغلق على منظومته المعرفية الخاصة، ينقد الآخر دون أن يتضمن النقد أيّة رؤية إبستمولوجية مهمة وموضوعية حيال الذات والآخر. الأوّل يركن "بأمان" مستنداً إلى ماضيه القروسطي، والثاني ينبهر بنموذجه التغريبي الحداثوي. والثالث يجهد للتوفيق بين الأوّل والثاني. وكل منها يفتقر برأينا إلى العنصرين المحفزين للإبداع والتطور. وفي الحصيلة العامة، فإنّ مجتمعاتنا تفتقر إلى لغة تواصلية تنويرية مع أبنائها ومع الآخرين، وهي ما زالت متروكة تدور حول نفسها دورة عبثية، تجتر تخلّفها وتبعيّتها الذهنية المزدوجة للماضي القروسطي من جهة وللغرب من جهة أخرى. لكنّ اللوحة أو المشهد على رماديته يصدر عنه إشعاعات عبّر عنها مجموعة من الكُتّبات النقّاد الجدد الذين يحاولون تأسيس حالة من التواصل الخلاق مع الذات والآخر، والسعي لإيجاد معرفة عربية متميزة... هذا البحث لا يضع أمامه مهمة تفكيك عناصر وآليات وخطاب التيارات الثلاثة التي أتينا على ذكرها، وإنما يركز مهمته على تقييم الوعي النقدي التحديثي الذي يتسلّح بخطاب معرفي عربي في أدائته اللغوية، غربي في مرجعياته. فالوعي النقدي التحديثي قام على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي بتقديم بعض المعارف الطموحة التي تمثّلت بمحاولة تطعيم الذهنية العربية بمناهج وتقنيات بحث وأدوات تعبير عصرية. بيد أنّ الأسئلة التي طرحت نفسها بإلحاح، منذ نشوء ما تمّ تسميته عند البعض ببداية عصر النهضة الحديثة، هل نجح هذا الوعي النقدي في تكوين الخطاب الحضاري والأدوات الإجرائية لإدخال مجتمعه في دائرة الفعل المنتجة والمبدعة على المستوى الفكري والعملي؟ وهل تمكّن فعلاً من أن يكون لوعيه النقدي الوظيفة التحليلية – التفكيكية والتركيبية المطلوبة بالنسبة إلى التواصل الدينامي مع ثقافة الذات والآخر. فعلى الرغم من محاولة ممثليه، أو بعضهم بشكل أدق، وفي المرحلة المعاصرة من اتباع طروحات طامحة إلى استقلال فلسفي ومعرفي ومنهجي بهدف التحرر من كل أشكال التبعية، إلا أنّهم لم تمكّنوا حتى الآن من تجاوز الإتكالية الفكرية والمنهجية للعقل العلمي الغربي. كل واحد منهم استعار مناهج وتوجهات فكرية معيّنة، من المنهج المادي التطوري الساذج إلى المنهج المادي الجدلي، أو من المنهج الفيلولوجي أو الفينومنولوجي أو الوجودي أو الشخصاني إلى المنهج البنيوي والتفكيكي والتعددي المنهجي وغيره، فإنّ هؤلاء الذين أخذوا مفاهيم وتبنوا مصطلحات ومقولات فلسفية وسيكولوجية وسوسيو – ثقافية وغيرها، كثيراً ما غابت عن تفكيرهم نسبيتها وخصائص المرحلة التاريخية والثقافية التي أُنتجت فيها هذه المناهج والمفاهيم. وهنا يتوجب ألا يفهم من كلامنا بأنّنا نقف من ذاك الوعي وتلك المنهجية التي استعملوها موقف الرفض السلبي، فهدفنا البعيد هو تجاوز التقليد أو الموضة أو حتى الاستيعاب والهضم إلى مرحلة التعامل الجدلي مع أي منهجية نقدية. فالأسئلة الكبيرة التي يتوجّب أن يطرحها الكاتب والناقد المحدث، الحريص على علاقة تواصلية خلاقة مع الذات والآخر، والساعي بكل نشاط من أجل تحرير الوعي العربي من دورته العبثية حول تخلّفه، هي: هل يأتي التحرر والتواصل من خلال منظومة أفكاري ومفاهيمي؟ أم من خلال منظومة أفكار ومفاهيم الآخر؟ أين الخاص المبدع في عدتي المنهجية؟ وهل يكون التأثر والتواصل في مرحلة الضعف الحضاري بما ينتجه العقل العلمي الغربي، عائقاً إبستمولوجياً قوياً أمام وعي لإنتاج الجديد والخاص المميّز بي؟... هنا لا أدّعي بأنني أملك الإجابات القاطعة عن هذه التساؤلات. وليس هذا أبداً من مهام أي باحث يسكنه دائماً هاجس السؤال ويحركه عقله المؤمن بنسبية المعرفة العلمية ورغبتها الدائمة في تطوير وتجديد نفسها، من خلال النقد ونقد النقد... ما أطمح إليه هو طرح الإشكالية ضمن رؤية إبستمولوجية تفتح الباب لتواصل منفتح إلى أبعد الحدود على ثقافة الذات وثقافة الآخرين... بداية ونتيجة لحالة الضعف الحضاري التي نعيشها وما يرافق ذلك من جمود على مستوى النظرية وديناميكية الممارسة فإنّه لابدّ من الإقرار بأنّه لا يمكن أن يتجدّد الوعي الحضاري عندنا ما لم نفهم بالعمق قوة الآخر وتجدده. ولفهم الآخر لابدّ من التواصل الخلاق معه، وهذا يتوجب الإنطلاق من دراسة مفاهيمه من دراسة الصورة التي ينظر بها إلى ذاته، وليس انطلاقاً من فكرة مسبقة ذاتوية النزعة. فهذه الرؤية كما هي مطلوبة من وعينا النقدي حيال ثقافة الآخر، هي مطلوبة أيضاً وبمسؤولية أكبر من الوعي النقدي الغربي لثقافتنا وثقافته. فلِكَوْن حضارته هي الأقوى والأكثر قدرة على بدء حوار فعّال وتواصل مفيد للطرفين... وهذا يتطلّب دراسات مستقلة ومفصّلة حوله لا يتّسع المجال هنا للخوض فيها، إلا أنّنا نودّ التنويه ولو بشكل سريع إلى أنّه وإن حدثت خروقات مشجعة في بنيان العقل العلمي الغربي المعاصر في نظرته وتعامله وتواصله مع ثقافتنا والثقافات الأخرى غير الأوروبية وغير الغربية عموماً، كتلك التي اعتمدت فلسفة الاختلاف والتنوع والإنصات المحترم لقول الآخرين، فإنها تبقى، من جهة، هامشيّة بالمقارنة مع نزعة التسلّط والقوة في الحضارة المعولمة التي ما يزال المشرفون على صياغة سيناريوهاتها يكدّسون الأفكار المنمّطة ليس فقط عن الثقافة العربية بل عن كل الثقافات التي لم تدخل في عصر الحضارة المادية – الاستهلاكية... ومن جهة أخرى فإنّه لمن السذاجة بمكان أن ننتظر المقاربات النقدية الناجعة لا بل الحلول المرضية لمعضلات تطورنا من الآخر الغربي. فالحاجة الماسّة تقتضي إستراتيجية عقلانية نقدية لذاتنا ولذاتهم. فعلى حدّ قول أوار سعيد، حينما تكون مثقفاً حقيقياً، وتمتلك العقل النقدي للمثقف ينبغي أن تنتقد ثقافتك أوّلاً، بقدر ما تنتقد ثقافة الآخرين. فالأمر بمعنى آخر يتطلّب النقد المزدوج كما أشار إلى ذلك عبدالكبير الخطيبي. فهذا النقد المطلوب بإلحاح يقوم بعملية تفكيك المفاهيم لكلّ ما هو مكتوب من العربي عن ذاته وعن عملية تواصله معها ومع الآخر. ويتطلب بنفس الإلحاح النقد للنتاج الثقافي الغربي المكتوب عنه وعنا. إنها على حدّ قوله، حركة مزدوجة منسقة. فهي وحدها القادرة على تجاوز الإعادة والتكرار، وتفتح أمام رجال علم الاجتماع معرفة عملية أقل استلاباً. وعينا النقدي المنشود يتطلّب معرفة معقلنة معلمنة عميقة بثقافتنا وثقافة الآخر. ومعرفة ثقافة الآخر لا تتطلّب فقط التمثّل والترجمة كعناصر قوة هذا الآخر، والتي أعطت وتعطي بلا أدنى شك ثمارها العظيمة، بل تفكيكَ الأساس الإيديولوجي لمعرفته، عبر تحليل نظرته المتحكمة برؤيتها لنفسها ولنا. وعي يتحرر إلى أبعد الحدود من الإيديولوجيا لينطلق من العلم والمنهجية والمنطق والتجربة والفائدة كأساس ليس لتحليل وعينا وحسب بل وأيضاً لتحليل وعيهم. يتطلّب معرفة لا تقع في نفس الروح العدائية التي وقعت فيها معظم دراسات المستشرقين لحضارتنا. إنّ حدوث مثل هكذا عدوانية لا يؤدّي في النتيجة إلا إلى مزيد من تكديس الخطب الإيديولوجية عن النفس والآخر. فالغرب لا يتوجّب أن يكون كما يصفه المفكر المصري حسن حنفي "الثعبان الذي يتوجّب إخراجه من تحت القميص.. أو وصفه بالإباحي والدهري..". فهذهالنظرية تقع في نفس الرؤية المغلوطة التي وقع فيها علماء الاستشراق أثناء إطلاقهم على ثقافتنا صفات تعميمية عدائية لا حصر لها. فبالرغم من الرصانة الأكاديمية وموسوعية المعلومات وغزارة الكتب التي يطلع بها مفكرنا الكبير حنفي لا ندري لماذا يشرد أحياناً عن الموضوعية ويأخذ نقده طابعاً ذاتوياً. وكأنّ المسألة هنا أخذ بالثأر. ففي مقاربته للغرب يبدو وكأنه ينظر إليه ككتلة واحدة منسجمة لا يراها، أو بمعنى آخر قد يريد أن يراها في تعدّدها واختلافها وتناقضاتها، في عدوانيتها وإنسانيتها، في استشراقها السياسي البرغماتي العدواني فعلاً وفي إسهاماتها الأكاديمية العلمية الرصينة. أثناء السعي لتبيان هوية الآخرين وتبيان هويتنا وخصوصيتنا من خلال إخضاع التجربة المتنوعة، سواء كانت غربية او عربية، للبحث والتفكيك، لا ينبغي التعامي عن الاختلاف الأنطولوجي الكامن في كل هوية. ونوافق الرأي على استنتاج الناقد علي حرب على أنّ "مشكلة الهوية هي بين الأنا وذاتها بقدر ما تكون بينها وبين الغير. وإنّ ما بين الأنا وذاتها من التعارض هو بنسبة ما بينها وبين الآخر من التشابه". نحن ندرك جيِّداً بأنّ حالة الضعف الحضاري التي يعيشها العرب هي تكاد تأتي بنفس المقدار من خلل بنيوي داخلي عميق ومن جراء عدوانية الآخر. وفي الجانب الثاني فمن المشروعية لا بل من الواجب بمكان الدفاع القوي عن الذات والتاريخ والهوية. بيد أن هذا الدفاع لكي يكون فعّالاً والتواصل لكي يكون متكافئاً ينبغي استخدام أسلحة النقد المعاصرة ونقد النقد التي تساعدنا على تجاوز تخلّفنا وعدوانية الآخر. وبهذا السياق، فالمطلوب من وعينا النقدي أن يأخذ من الغرب، من تاريخه ومجتمعه وعلمه ولاهوته وفنونه وآدابه وتجارب نجاحه وفشله مواد للبحث والتفكيك وإعادة التركيب. معرفة لا تكرّر ما يأتي به الوعي الغربي من تبجيل أو حتى نقد لنفسه، ولا تأتي باستنتاجات وتحليلات قام بها الغرب عن نفسه. فهذا النسق من المعارف المبتكرة الذي نتوخّاه منتجاً من عقل عربي عليه أن يسعى إلى طرح رؤية متحررة من النظرة المنمّطة عن الذات والآخر. رؤية تأخذ المعايير العلمية في النقد في صدارة اعتباراتها ولا تغفل الجانب الإنساني والخيّر في عملية التواصل. ولعلّ نقطة البداية الصحيحة في الرؤية الفعّالة تكمن في ابتكار منهجية عربية تسمح لنا، وعلى حدّ قول الباحث الجزائري المقيم في فرنسا، مالك شبل، بالتفكير بأنتروبولوجية خاصة بالشعب العربي، أو حتى دراسة الشعب الروسي والأميركي...". إذن ينبغي التحرر من معرفتنا المؤدلجة عن العرب التي تصيغها خطاباتنا الفكروية المتنوعة، وكذلك معرفتهالمؤدلجة عنّا التي أرسى دعائمها الكثيرون من صانعي الاستشراق الكلاسيكي. والعلاقة مع هكذا نوع من المعرفة تستدعي من الفكر العلمي وكما يشير إلى ذلك أركون أن "يقيم مسافة نقديّة متساوية بينه وبين الخطابات الإسلامية والخطابات الإستشراقية. وذلك من أجل موضعة وتحديد مكانتهما الإبستمولوجية والابيستمائية". وبهذا فإنّ التأويل الإبيستمولوجي لأي خطاب يحرّر الإنسان من تلويثات الذاتوية ويخضعها لمبادىء الفكر العلمي السوي الذي لا وطن له ولا جغرافية ولا لون. فالمسافة النقدية التي يلحّ عليها أركون، ونحن معه، تتمّ من خلال حركة ثقافية وعقلية واحدة تعتمد على مبدأين: الأوّل تجاوز اختراق حدود وفرضيات ومعايير ومقولات ثقافة الباحث ذاته وثقافة الآخر المدروسة. والثاني أن يحاول الباحث إرضاء المبادىء المنظِّمة أو المشكِّلة لكل ممارسة معرفية، على أن يتم التقيد بها وصقلها باستمرار. فالوعي النقدي إذن ينطلق من سلاح النقد، وهنا تكمن النواة الأساسية التي في حال التحكّم فيها يتحكّم الناقد في عملية تفجير ذرتها عند الضرورة. وهذا السلاح ألف بائه مرتبط، وكما يشير إلى ذلك عصفور، "بنزوع نحو تحديث الفكر والمجتمع على أسس إبداعية خاصة ملامحها الأساسية، أولوية السؤال، نسبية المعرفة، التجريب والمغامرة، بوصفها فتحاً لافق جديد متحول ومتوتر...". وبهذا السياق فالمقاربة النقدية هنا تقترب من المفهوم الفلسفي الشمولي للنقد كما يعرّفه رولان بارت.. فالناقد الأصيل عنده "يعالج المعاني، يشطرها... ومع ذلك فإنّ ما يهتك سر النقد لا يمكن أن يكون هو المعنى، ذلك لأنّ المعنى يتراجع بشكل دائم حتى يصل إلى فراغ الذات". فإذا ما أضاف الناقد لغته ومقاربته إلى اللغة التي ينتجها هذا الكاتب أو ذاك والتي يوظفها لتواصله مع قرائه في بلده والخارج، وإذا ما عمل على صياغة لغة نقدية أخرى غير اللّغة التي يتناولها مؤلف النصّ الأصلي، سواء أكان كاتباً أم ناقداً، فإنّه بهذا يعيد صياغة الإشكالية من جديد على قاعدة نقد النقد، والإعادة تحمل صفة الابتكار إذا ما قدّمت مفاهيم جديدة. وهذا لا يعني أبداص بأنّ في هذه المحاولة أي إجحاف أو تشويه للنص المقروء ولمقارباته النقدية الأولى... وهنا نرجع مرّة أخرى لأن نتضامن مع رؤية بارت، التي أسّست لعلاقة ديناميكية موضوعية بين النقد والنص، فهو يشير إلى "أنّ الناقد لا يسعى لتشويه النص أو الموضوع لكي يعبّر عن نفسه، ولا يستخدمه ليبرز شخصيته بالذات، بل إنّه يعيد إنتاج إشارة الأعمال نفسها كما لو كانت إشارات متمايزة ومتنوعة... فالنقد قراءة عميقة للنص...". هذا المفهوم للنقد وهذا المنهج شرع في الدخول في مغامرته مجموعة من النقاد والمفكرين العرب في حقول معرفية متنوعة. ولعل محاولة الكفكر مطاع الصفدي تأتي كواحدة من الجهود الملحوظة لا بل المشرقة في هذا السياق، ومع تجربته نتوقف قليلاً على سبيل المثال لا الحصر، فهو ينطلق من لحظة نقد النقد في تواصله مع العقل الغربي والعربي، ويركّز سلاحه النقدي في واحد من كتبه الأخيرة على العقل الأوّل؛ ينطلق من نقد نيتشه وديدغر وفيبر ودريدا ودولوز وفوكو وماركوز وغادامير وأدرنو وهابرماز وغيرهم من مدشني الثورة النقدية المعاصرة في الغرب. فيه يقرأ بشكل نقدي، نقد العقل الغربي لأنظمته المعرفية ونتاجاته المتتابعة وتحولاته انزياحاته الانفصامية، وصولاً "إلى ساعة العقل الأخيرة" كما يصفها الصفدي "والتي يواجه فيها العقل الغربي نفسه عارياً من كل اختلافاته لنفسه وللآخر، متوازناً ومتواضعاً" الهدف من وراء محاولته "هو الوصول إلى المرحلة التجاوزية حيث يقبل بمصاحبة نقده الآخر، الذي يدوره، أي هذا الآخر، يقبل بمراجعة ناقدة كذلك بجواره". وهكذا فإنّ هكذا نوع من القراءة النقدية الساعية لتقويض المفاهيم المغلوطة عن الآخر وعن النفس أيضاً لا تتعامل مع الذات والآخر من موقع تصادمي عدائي، بل من موقع التواصل والتفاعل، أو على حدّ قول جاك دريدا: "عندما تزعزع القراءة الخطاب من موقعه فليس ذلك قصد الإحلال مكانه وتبوؤ مكانته فمواجهتها ليست عدائية. وإنما قصد التواصل مع الآخر والانفتاح عليه". لذا فإنّ القراءة النقدية لثقافة الآخر هي تواصل إيجابي معه. فقد نختلف معه وهذا شيء مشروع لا بل مرغوب في الرؤية العملية والفلسفية للتفاعل الديموقراطي. فالقراءة النقدية تنبع من استراتيجية التعدّد والاختلاف وصولاً إلى ما أسماه دريدا بسلطة التفكيك. "والتفكيك هو أيضاً تفكيك للنقد نفسه". فاستراتيجية التفكيك، إذا ما أردنا التوسع في تعريفها، هي بدورها خطوة متقدمة في نقد ما يكتبه الناقد أو الكاتب بشكل عام من نصوص عن ذاته وعن الآخر. فهذه الاستراتيجية تحاول تجاوز الدائرة التي يرسمها النقد لنفسه وهي مقارعة أو مقابلة السعي لحقيقة ما بحقيقة أخرى. فهي تسعى للحفر، على حدّ قول فوكو في المعارف والنصوص، بهدف كشف اللامفكر فيه، كشف نتوءاته وفراغاته ولا شعوره. تعمل لتصديع الهشّ في بنائه وتخلخل منطقه وأسسه. فهي تريد ممارسة النقد من الداخل. فالتفكيك يرى في كلّ نصّ معسكرات قوى داخل النصّ ذاته تعمل على تفكيكه. المهم هو التقاط البنى غير المتجانسة في النص والعثور على تواتراته. باختصار إنّ فلسفة التفكيك لا تتكلم عن حقيقة واحدة تجابه حقيقة أخرى كما يحدّد النقد الكلاسيكي لنفسه هذه المهمة. فهذه الفلسفة تشير إلى غزارة الحقائق وفيض المعاني وتعدّد القواعد المنطقية والمنهجيات. من هنا فإنّ التفكيك لا يمارس النقد على الآخر فقط بل على العكس من ذلك ينكبّ وبشكل متواصل على ممارسة النقد لذاته. وبهذا يفتح أمامه مساحة واسعة من الدينامية التطورية تضعه في حالة من التوهج والتوتر المعرفي الدائم الذي لا يعرف سكينة ولا يصادق أيّة خطابات تركن لكاتدرائياتها الدوغماتية... جانب من هذا النقد نلمسه في بعض كتابات العروي والجابر وأدونيس والخطيبي وبنيس والصفدي وغيرهم من النقّاد الجدد في مشرق العالم العربي ومغربه. غير أنّ الشيء الذي يسترعي انتباه الناقد عند هؤلاء هو القاموس اللغوي والمفاهيمي والمناهج التي يستخدمونها في كتابة نصوصهم. وتبدو وكأنّها، على حد قول هشام شرابي، تعزيزاً "للوعي المقتبس" فالإسهامات النقدية، الثمينة جدّاً بلا شك، التي يقوم بها هؤلاء الكُتّاب وغيرهم من المتأثرين بالطفرة المعرفية التي تحقّقت في أوروبا منذ مطلع الخمسينات لم يقطعوا حسبما نظن إلا المرحلة الأولى، وقد تكون أساسية ومهمة، من مراحل تكوّن الوعي النقدي وإبداع أشكال جديدة من التواصل مع الذات والآخر. فالمطلوب هو تدشين المرحلة الثانية المتعلّقة بالنظرة الفلسفية المستقلة والمتناسقة وهي ما تسمّى في اللغة المنهجية بالتركيب وصولاً إلى المرحلة الثالثة المتمثلة بالنظرة الجديدة المتجاوزة لكل عوائق الإبداع الذاتي. حول طبيعة النقد الذي يقوم به الكُتّاب الجدد يصفهم شرابي، وقد يكون محقاً في جانب مهم من وصفه، بأنّهم "نقاد منهجيون، أكثر مما هم أصحاب نظرية أصيلة، بمعنى إنهم يعنون خصوصاً باتباع نهج نقدي أكثر مما يعنون بوضع نظرية جديدة". فالمحاولة التي يقوم بها مفكرونا ونقادنا الجدد تركز على مسألة التحليل والتأويل. وهذه مسألة على الرغم من عدم نضوجها وسعيها للخوض في المراحل اللاحقة للبحث إلا أنها يجب أن لا تثنينا عن تبيان أهميتها القصوى في صحراء الثقافة العربية. فاتّباع الشروط المنهجية وهضم المناهج المتعددة المتوهجة كونياً هي خطوة متقدمة جدّاً عن غيرها من المحاولات النقدية السطحية والانتقائية السائدة في الأقسام الثقافية لمجلاتنا وجرائدنا، ولبقية الأقسام المعنيّة بشأن النقد والتواصل مع الذات والآخر في بقية وسائل الإعلام وحتى داخل حرم الجامعات ومؤسسات الدراسات والأبحاث والعلمية، فالنقد لكي يمارس وظيفته المعرفية دوره في الحياة يتطلّب بداية الرؤية المنهجية الواضحة. بيد إنّه لا يكفي فقط الملازمة بين المرجعية المنهجية وأدواتها الإجرائية، بل يتطلّب الأمر العمل على الأدوات الإجرائية المستقاة من المناهج المتنوعة، بحيث يعاد العمل على نقدها من خلال ابتكار صياغة جديدة تتلاءم إمّا مع مثيلتها من الأدوات الإجرائية أو مع الأسس النظرية والفلسفية. وكل نقد لم تتوفّر فيه الروح الفلسفية الشمولية النقدية نراه يترنّح في زاوية الرؤية التخصصية الأحادية الجانب... فالكثير من الكُتَّاب والنقّاد الذين دخلوا مغامرة النقد التحديثي والذين قطعوا بأمانة صلاتهم المعرفية مع منظومة المعارف التقليدية المحليّة يحاولون التواصل بتوق ظاهر مع فلسفات ومناهج عصر الحداثة وما بعدها. وكما يؤكّد على ذلك هشام شرابي أكثر من مرة بأنهم، كُتاب ومفكرون عرب يقومون بالنقد الحضاري. بيد أنّهم نقّادٌ من الدرجة الثانية. إذ لا يمكن أن نعدُ أيّاً منهم مؤرخاً أو فيلسوفاً أو عالماً اجتماعياً أو ناقداً أدبياً من ذوي الأصالة والإبداع. وحتى أكثر إنتاجهم تطوراً لا يزال، إلى حدّ بعيد غير فعّال من حيث "إنّه يعنى بتصور المشكلات أكثر ما يعنى بتحويل موضوع البحث إلى نظرية أصيلة". قد يكون في استنتاج شرابي جانب كبير من الحقيقة لكون لغة النقد التي يستعملونها تنتمي في معناها المجازي إلى الفضاء الثقافي الغربي. إلا أنّ في هذا الاستنتاج شيئاً كبيراً أيضاً من الإجحاف العربية الأصولية والتقليدية... فهناك لغة علمية جديدة واعدة ومحتوى معرفي جديد. لغة تتعامل مع النصوص أيّاً كان مصدرها ومرجعيتها غربية كانت أم عربية بشكل نقدي. حتى تكاد تتساوى عندهم كل النصوص على اختلاف لغاتها ومجالاتها. السؤال الأخير الذي يطرحه البحث ومنه تتفرع أسئلة كثيرة... هل بالإمكان تأسيس نظرية معرفة نقدية تتواصل بشكل مبدع مع الذات والآخر؟... الجواب قد يكون بدايته بالعمل الجاد على خوض الثورة العقلانية على ذاتنا أوّلاً من خلال رؤية متكاملة على مستوى المتعارف والعلوم يحملها خطاب سياسي فلسفي متنور يتجاوز عبء التبعيات ويدخل بنشاط في مغامرة الخلق والإبداع.   ·       أستاذ فلسفة في الجامعة اللبنانية

ارسال التعليق

Top