• ٣ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٧ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

وصف المؤمن في القرآن الكريم

د. محمد يوسف موسى

وصف المؤمن في القرآن الكريم
◄من الطبيعي أن يتناول القرآن الكريم، الإيمان والمؤمن من كل ناحية: من ناحية إطمئنان القلب للإيمان، متى هدي إليه، حتى لا يتزحزح عنه، مهما يلقَ في سبيله، ومن ناحية الحياة التي يجب أن يكون المؤمن عليها، ومن جهة الخلال والصفات التي يتحلى بها، ثمّ أثر الإيمان في هذه الحياة الدنيا، ثمّ جزاء المؤمن في الدار الأخرى، إلى غير ذلك كله من النواحي المختلفة المتعددة. إنّ المؤمن هو الذي يصدق الرسول (ص) في كل ما يأتي به من أمور الغيب والدار الآخرة، كما يصدقه في الواقع المشاهد. وهو الذي يدفعه إيمانه إلى القيام بما عليه من حقوق لله، وحقوق في ماله. وهذا المؤمن الذي يؤمن بالله وكتابه ورسوله ويهتدي بهديه، هو الذي يكون من نصيبه النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة. وفي هذا وذاك كله، يصف الله تعالى المؤمنين بقوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة/ 3-5). والمؤمن هو الذي تدفعه عقيدته الحقة القوية إلى الوفاء بما عاهد الله عليه، والوقوف عند حدوده، وصلة ما أمر الله به أن يوصل، والصبر على ما يناله إذا ابتلي في نفسه، أو ولده، أو ماله. والمؤمن هو الذي يدفع السيئة بالحسنة لمن يصلحه التسامح وترك الجزاء بالمثل. ولهذا يصفهم الله في سورة الرعد بقوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...) (الرّعد/ 20-23). وللمؤن الحق صفات وخلاق، يتميز بها من غيره في كل أحواله، وتدلّ على أنّه ممن اهتدَوْا بهدي الدين، وأخذوا أنفسهم بتعاليمه، فهو يتواضع ولا يتكبر، ويصفح عمن يجهل عليه ويتطاول، ويطلب لنفسه وللمسيء إليه العافية والسلام. ومن صفاته أن يكون وسطاً في إنفاقه وسائر حالاته، فيجانب الإفراط والتفريط، ويلزم الاعتدال والقصد، ولا يشهد مجالس الزور، ويُغضي عن اللهو ويمرّ بمواطنه مرّ الكرام، إلى غير ذلك من الصفات والآداب التي اشتملت عليها الآيات الأخيرة من سورة الفرقان. هذه الآيات التي منها قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان/ 63-67)، إلى أن يقول جلّ ذكرُه: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) (الفرقان/ 72). والمؤمنون بعضهم لبعض أخٌ ووليّ، ومعين ونصير، وناصح وموجِّه إلى الخير. يجمع بينهم التضامن وتحمل المسؤولية، ويتبادلون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يخرجون عن أمر الله ورسوله. ولنسمع في هذا إلى قوله تعالى في كتابه العظيم: (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 71). والمؤمن الذي ملأ الإيمان قلبه، وصار الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، يعلم يقيناً أن طريق الحياة الحرة العزيزة الكريمة، ليس دائماً مفروشاً بالورود والريحان، بل قد يجد فيه كثيراً من العقبات والآلام، فقد يبتليه الله بالأذى، يصيبه في ماله ونفسه. وحينئذٍ يوقن أن هذا إختبار من الله، وتمحيص للمؤمنين، ليتميز الخبيث من الطيب، ويتبين المؤمنون حقاً، من الذين قالوا آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. وقديماً ابتلي المؤمنون في أنفسهم وأموالهم، فلم يزدهم الابتلاء إلا إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وصبروا على ما أُوذوا، فكانت العاقبة الطيبة لهم في الدنيا عزّاً ونصراً وتمكيناً، وكانت في الآخرة ثواباً عظيماً، ومغفرة من الله ورضواناً. وفي ذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه في أول سورة العنكبوت، مذكراً إيانا – معشرَ المؤمنين – بما كان من إبتلاء المؤمنين السابقين، لتظهر حقيقة إيمانهم: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت/ 2-3). كما يقول في بيان جزاء المؤمنين في هذه الحياة الدنيا: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا...) (النور/ 55). كما يقول في بيان جزاء المؤمنين في الدار الأخرى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة/ 72). هذا جانب من جزاء المؤمن في الدنيا وفي الآخرة، عزّ وكرامة ومجد في هذه الحياة الدنيا، ونعيم مقيم في دار البقاء والخلود.►   المصدر: كتاب (الإسلام والحياة)

ارسال التعليق

Top