• ٢٦ شباط/فبراير ٢٠٢١ | ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أحلام اليقظة في حياة الشباب

يوسف ميخائيل أسعد

أحلام اليقظة في حياة الشباب
◄الأحلام نوعان: أحلام النعاس، وأحلام اليقظة. والفرق بين هذين النوعين من الأحلام يتبدى في جانبين أساسيين: الجانب الأوّل: توجيه الشخص للحلم، والجانب الثاني: نوعية الحلم.

فبالنسبة لتوجيه الشخص للحلم، فإنّنا نجد أنّ أحلام النعاس تفرض نفسها على المرء. فأنت ترقد في سريرك مستسلماً للنعاش، ولا يكون لك يد بعد ذلك فيما تحلم به. فقد تحلم وقد لا تحلم. وإذا حلمت فلا يكون لك دور في تخير أحلامك. فأحلام النعاس تفرض نفسها عليك فرضاً.

أما أحلام اليقظة، فإنّك تختارها وتحدد ما تحلم به. إنّك تتجه بذهنك إلى الحلم باختيارك وإرادتك. ففي اللحظات الأولى من حلم اليقظة تكون قادراً على التحكم فيه. إنّك تستطيع أن تحلم حلماً محل حلم آخر. وأكثر من هذا فإنّك تستطيع أن تمنع نفسك من الاسترسال في أحلام اليقظة وذلك بأن توجه اهتمامك إلى أعمال وأنشطة متباينة.

وبالنسبة لنوعية الحلم، فإنّنا نجد أنّ حلم النعاس إمّا أن يرتبط برغباتك التي تتمنى أن تحققها، وإمّا أن يرتبط بمخاوف معتملة لديك. أما حلم اليقظة فإنّه يرتبط برغباتك في الغالب. فلقد يقع اختيار الجائع على وجبة شهية يحلم بتناولها في حلم يقظته. أما الضعيف فإنّه يتجه في حلّ يقظته إلى القوة والجبروت يتسلح بهما في خياله.

وإذا كانت اهتماماتك اليومية منصبة على الموسيقى، فإنّ أحلام يقظتك ترتبط بالأنغام والألحان. وإذا كنت مهتماً بعلم ما من العلوم، فإنّ أحلام يقظتك تتجه وجهة علمية. والواقع أنّ المبدعين من الفلاسفة والأدباء والعلماء والمخترعين والسياسيين والمصلحين الاجتماعيين يمارسون أحلام اليقظة. لقد كان سقراط على سبيل المثال يغوص في أحلام اليقظة لمدد طويلة لدرجة أنّه لم يكن يحس بما يدور حوله.

بيد أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين شخص يحيل أحلام يقظته إلى واقع، وبين شخص آخر يظل غائصاً في أحلام اليقظة لا يفيق منها ولا يترجمها بلغة الواقع. فسقراط كان يترجم أحلام يقظته إلى فلسفة منطقية مرتبطة بالواقع من حوله. وكذا يقال عن الأدباء والمخترعين والسياسيين والمصلحين الاجتماعيين. إنّهم لا يستمرون في أحلام يقظتهم، ولا يكتفون بها. إنّهم يخرجون من أحلام يقظتهم إلى مسرح الحياة العملية فيجسدون تلك الأحلام.

أمّا أولئك الأشخاص الذين يرتمون في أحضان أحلام اليقظة لا يفيقون منها، فإنّهم لا يعتبرون من العقلاء. فالمهم إذن أن يوظّف المرء أحلام يقظته في الحياة.

والواقع أنّ سرّ العبقرية يكمن في تلك الأحلام. فهناك ارتباط وثيق بين أحلام اليقظة وبين الإلهام. ولكن لا يكفي أن يصلك الإلهام ويسيطر على ذهنك ووجدانك في أحلام يقظتك. لابدّ لك أن تظل مرتبطاً بالواقع. حذار أن تنقطع الصلة بينك وبين الحياة. وحذار أيضاً من الارتماء في أحلام اليقظة غير المعقولة والتي لا تستطيع تحقيقها. فالمجانين وحدهم يكتفون بالأحلام. أما العقلاء فإنّهم يقيمون جسراً متيناً بين أحلام يقظتهم وبين الحياة الواقعية. فوفِّق إذن بين الغوص في أحلام اليقظة وبين الارتباط بالواقع. واجعل من تلك الأحلام نقط ارتكاز تنطلق منها نحو النجاح في حياتك العملية.

بيد أنّ الحضارة بأثقالها على كاهل الإنسان الحديث تصل معه إلى نقطة لا يستطيع عندها أن يتحمل ثقلها. فيكون عندئذ أمام حلّ من حلّين: إمّا أن يسبح بخياله فيها بصفة مؤقتة ليعوّض عما فاته من رغبات، ويعمل على إشباع نزعاته بالوهم اللذيذ متخذاً ما بدا له من صور، ومتلبساً بما يرغب فيه من أشكال. فأحلام اليقظة من هذه الزاوية هي إذن علاج نفساني وليست مظهراً انحرافياً عن الصحة العقلية السليمة. أما الحلّ الثاني فهو ارتكاب الجرائم والخروج على القوانين والنظم الاجتماعية فيعمل على تحطيمها والإتيان عليها تماماً.

ومما يجعل أحلام اليقظة ذات مكانة هامة في حياة الشاب والشابة من أبناء الجيل الحديث، قلة ما يمكن أن يصيبه الواحد منهما من تبريز ومن مكانه مرموقة بالمجتمع. فالأعداد الهائلة بالمجتمعات الحديثة جعلت قيمة الشاب والشابة قيمة هزيلة إذا ما قيست بالقيمة الاجتماعية التي كان يحظى بها الإنسان بالمجتمعات البدائية أو حتى بمجتمع القرية الحديث. ذلك أنّ المجتمع الصغير الحجم يكون لكلّ فرد فيه ذاتية هامة ويكون أمامه فرصة للتفوق في ناحية ما من نواحي حياته.

أضف إلى هذا أنّ العمل بالمجتمع البسيط كان أكثر تكاملاً من العمل بالمجتمع الحديث الحضاري. فلقد كان الشخص الواحد يضطلع بتنفيذ العملية – كائنة ما كانت – برمتها، ولم يكن التخصص قد ظهر على وجه البسيطة. كان المرء أيضاً مخترعاً لأعماله، أو على الأقل كان هو المصمم للعمل الذي يقوم به. وبهذا كان هو المسيطر والسيد على خطوات العمل. أما اليوم فإنّك تجد أنّ الشاب بالحضارة وقد تخصص في شريحة صغيرة للغاية من عملية كبيرة معقدة. ولم يعد الشاب هو المصمم لأعماله، بل صار في الغالب منفذاً فقط لما يرسم له، ولما يؤمر به. وقد لا يكون ملماً بتفاصيل العملية ككلّ، أو غير واقف على مضمون العلاقات الدقيقة التي تتشابك بدقة ولا يعرفها إلّا أشخاص قليلون، أضف إلى هذا أنّ العقول الإلكترونية والروبوت بدأت تقتحم الميدان وتزيح الناس جانباً لكي تقوم هي بالتفكير والتخطيط والتنفيذ.

ولكن الإنسان هو الإنسان. إنّه يريد أن يحقق نفسه، وأن يَلقى اعترافاً بوجوده. إنّه يحزن في نفسه ويبتئس لأنّه يجد أنّه قد صار مُغضياً عنه، وأنّه غير ذي قيمة بالمجتمع الحديث. فماذا يفعل إذن؟ لابدّ أن يبحث عن طريقة يحقق بها ذاته. ولكن المنافذ جميعاً موصدة أمامه. إذن ليس من منفذ إلّا خياله. لابدّ إذن من الرجوع إلى الداخل... إلى أحلام اليقظة ينغمس فيها حيث يصوّر لنفسه أنّه شخصية مرموقة، وأنّ الناس يتوقون إلى التطلع إليه والتعرف به. لابدّ من إشباع كلّ ما حرم منه في عالم الواقع عن طريق هذا العالم الداخلي الذي لا يستطيع أحد أن يتدخل فيه أو أن يغلق بابه أمامه. إنّه عالمه الخاص به الذي لا يستطيع المجتمع الاستيلاء عليه واستلابه منه. وإذا كان المجتمع قد استطاع مصادرة حريته في إحراز العظمة بالعالم الخارجي، فإنّه – أي المجتمع – سيقف مكتوف اليدين عاجزاً عن حرمانه من العظمة التي يحيكها لنفسه في هذا العالم الداخلي.

ولكن اللحظات التي يقتنصها الشاب من واقعة ليغوص خلالها في أحلام يقظته هي في الواقع لحظات مسروقة من وراء ظهر الحضارة التي تصادر حرّية الفرد بقدر الإمكان في اللجوء إلى عالمه الخاص الداخلي. بيد أنّ هناك أفراداً قليلين استطاعوا أن يعلنوا تحديهم للواقع الخارجي الحضاري وترجيح كفة العالم الداخلي، وقد بدوا أمام الناس في حالة من أحلام اليقظة. أولئك الناس فئتان: المجانين، ثمّ فئة الفنانين والفلاسفة والحكماء والشعراء وغيرهم ممن يستلهمون دخائلهم بشجاعة مغضين عن العالم الخارجي أو على الأقل مخضعين ذلك العالم الخارجي لعالمهم الداخلي.►

 

المصدر: كتاب شخصيتك بين يديك

ارسال التعليق

Top